الأحد، 18 أكتوبر 2026

01:19 ص

الأحد، 18 أكتوبر 2026

01:19 ص

الكونترا والساندينيستا وإسكوبار.. مافيا المخدرات في الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت نيكاراغوا نقطة التقاء لمصالح خفية، حيث تصطدم السياسة بالمخدرات والمخابرات في لعبة قاتلة بلا قواعد واضحة.

بين عصابات الكوكايين الكولومبية، وثورات الساندينيستا، وعمليات الكونترا السرية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، اختلطت الدماء بالدولارات، والخيانات بالأيديولوجيا، لتُشكّل واحدة من أحلك الفصول في تاريخ الحرب الباردة.

في هذا الإطار المشحون، برزت أسماء وملفات لا تُنسى: الكونترا، الساندينيستا، وبابلو إسكوبار، وكلها مرتبطة بشبكة من الأسرار والصفقات التي لم يعرفها إلا قليل من الناس، لكنها تركت أثرها على دول ومجتمعات بكاملها.

حين أطاحت جبهة التحرير الوطني الساندينية بنظام الديكتاتور سوموزا عام 1979، هلّل الفقراء في نيكاراغوا لانتصار الثورة.

كانت الحركة اليسارية الجديدة تحمل مشروعًا اشتراكيًا قوميًّا، أقرب في مساره إلى كوبا كاسترو وموسكو بريجنيف، وأبعد ما يكون عن المسار الأمريكي.

لذا رأت واشنطن في الساندينيستا خطرًا أحمر على مصالحها في أمريكا الوسطى، فقرّرت أن تُنجب حربًا من رحم الثورة نفسها.

وهكذا ظهرت جماعات الكونترا عام 1981، وهي خليط من أنصار سوموزا السابقين ومرتزقة مولتهم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، تحت شعار “إنقاذ نيكاراغوا من الشيوعية”. كانت تلك الجماعات تهاجم القرى وتقتل السكان وتزرع الرعب، فبدأت حرب استنزاف دموية حصدت عشرات الآلاف من الأرواح.

في ديسمبر 1982 أقرّ الكونغرس الأمريكي تعديل بولاند (Boland Amendment)، وهو سلسلة من القوانين التي تهدف إلى تقييد دور الإدارة الأمريكية في دعم جماعات الكونترا المسلحة في نيكاراغوا، ثم شدّد الحظر عام 1984 ليمنع تمامًا أي تمويل للكونترا.

ولكن خلف الواجهة الرسمية لإدارة رونالد ريغان، كانت هناك شبكة غير معلنة تُعرف بـ"حكومة الظل"، تمثّل الدولة العميقة داخل الإدارة الأمريكية، وتضم مسؤولين ومستشارين لهم نفوذ كبير خارج القنوات الرسمية.
من أبرز هؤلاء كان أوليفر نورث، عضو مجلس الأمن القومي، الذي أشرف على عمليات الكونترا السرية وتمويلها عبر صفقات أسلحة ومخدرات.

هذه الحكومة الموازية سمحت بتجاوز قيود الكونغرس، مثل تعديل بولاند، وأقنعت الإدارة بأن الحرب على الساندينيستا تستحق وسائل غير تقليدية، بما في ذلك التعاون مع عصابات تهريب الكوكايين الكولومبية.

كانت النتيجة أن السياسات الأمريكية اتخذت بعدًا سريًا وموازيًا، حيث تُعقد الصفقات الخفية، ومنها صفقة بيع أسلحة سرًا لإيران، رغم العداء الرسمي لها، وتحويل أرباح تلك الصفقات لتمويل حروب الكونترا.

كانت تلك هي فضيحة “إيران–كونترا” التي انكشفت في نوفمبر 1986، وهزّت واشنطن، وكشفت أن الحرب الباردة كانت تُدار أحيانًا بأموال السلاح والمخدرات أكثر مما تُدار بالأيديولوجيا.

في هذا المناخ، وجدت عصابات تهريب الكوكايين الكولومبية بقيادة بابلو إسكوبار فرصتها الذهبية.
تحوّلت نيكاراغوا الساندينية — الخارجة عن السيطرة الأمريكية — إلى محطة مثالية لرحلات الكوكايين المتجهة شمالًا نحو الولايات المتحدة.

شهد عام 1984 زيارة سرية مثيرة للجدل قام بها إسكوبار نفسه إلى نيكاراغوا بجواز سفر مزوّر. ووفقًا لشهادة شريكه كارلوس ليدير، فقد عقد صفقات مع ضباط من الجيش الساندينيستي لاستخدام المطارات الساحلية مقابل مبالغ مالية ضخمة.

وهكذا أصبحت نيكاراغوا، البلد الثائر على الإمبريالية، ممرًا رئيسيًا لتجارة الكوكايين التي أغرقت المجتمع الأمريكي، في الوقت نفسه الذي كانت فيه الـCIA تتغاضى عن تهريب المخدرات لتمويل حربها السرية ضد الساندينيستا.

كانت المفارقة مذهلة:

الحكومة الأمريكية تحارب الساندينيستا باسم "محاربة الشيوعية"، بينما تتعامل سرًا مع تجار المخدرات.
والساندينيستا الذين يرفعون شعار "الكرامة الوطنية"، كان بعض ضباطهم يقدّمون خدماتهم لإسكوبار مقابل مبالغ طائلة من الدولارات.

في الوقت ذاته، كانت الطائرات التي تحمل السلاح إلى الكونترا، تعود محمّلة بالكوكايين إلى ميامي ولوس أنجلوس، في دوّامة من الفساد السياسي والجريمة العابرة للقارات.

انتهت الحرب تدريجيًا بعد اتفاق إسكيبولاس الثاني في 7 أغسطس 1987، وجرت الانتخابات العامة في فبراير 1990 بعد فترة إعداد للأمن والإصلاحات السياسية والرقابة الدولية، ففازت المعارضة بقيادة فيوليتا تشامورو، وأُغلق رسميًا ملف الكونترا.

قدّم فيلم American Made، الذي تم إنتاجه في عام 2017 للمخرج دوغ ليمان، بطولة توم كروز، رؤية سينمائية لفضيحة إيران–كونترا من خلال قصة الطيار الأمريكي باري سيل.
يبدأ الفيلم في عام 1978، حيث يتم تجنيد سيل من قبل الـCIA للقيام بمهام استطلاعية فوق أمريكا الوسطى، ثم يتحوّل إلى مهرّب للمخدرات لصالح عصابات تهريب الكوكايين الكولومبية، ويُطلب منه لاحقًا تهريب الأسلحة إلى الكونترا في نيكاراغوا.

الفيلم يشرح بشكل درامي شبكة العمليات السرية، سواء الأمريكية أو الكولومبية، وكيف كانت تتحرك خلف الستار بعيدًا عن أعين الرأي العام.

تمكّن بابلو إسكوبار من تهريب ما يقارب 150 ألف طن من الكوكايين سنويًّا من معاملِه في كولومبيا إلى مدينة ميامي، التي أصبحت عاصمة تجارة المخدرات في الولايات المتحدة الأمريكية، وظلّ يروي في مجالسه كيف أن الثورات والأنظمة، اليسارية منها واليمينية، كانت تفتح له الأبواب عندما يتكلم بلغة المال.

تبقى قصة الكونترا والساندينيستا وإسكوبار مثالًا فاضحًا على أن الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا لم تكن فقط صراعًا بين الشيوعية والرأسمالية، بل كانت أيضًا حربًا قذرة بالوكالة، مزجت بين السياسة والمخدرات والمخابرات في لعبةٍ واحدة مميتة.

search