الأحد، 18 أكتوبر 2026
01:58 ص
في ميدان القتال، عرفه رجاله قائدًا يشاركهم الخطر، ويقودهم إلى أصعب المهمات خلف خطوط العدو، وفي بيته، عرفه أبناؤه أبًا هادئًا، يحب الموسيقى والتصوير، ويعود من أسفاره حاملًا الهدايا. وبين الميدان والبيت، تتكامل صورة الشهيد إبراهيم الرفاعي؛ أحد أبرز قادة الصاعقة المصرية، الذي ارتبط اسمه بـ«المجموعة 39 قتال»، وبعمليات أسهمت في استعادة الثقة بعد هزيمة يونيو 1967، وصولًا إلى استشهاده في حرب أكتوبر.
وُلد إبراهيم السيد محمد إبراهيم الرفاعي في حي العباسية بالقاهرة في 27 يونيو 1931، لأسرة تعود أصولها إلى بمدينة بلقاس بمحافظة الدقهلية، والتحق بالكلية الحربية عام 1951 وتخرج منها 1954.
وتراكمت خبراته العسكرية عبر مشاركته في حرب 1956 والدفاع عن بورسعيد ومشاركته في حرب اليمن وحصوله على ترقية استثنائية تقديراً لأعماله البطولية في الميدان اليمني، قبل أن يتولى قيادة رجال كُلّفوا بمهام تتطلب دقة التخطيط وسرعة القرار والقدرة على العمل في عمق المواقع المعادية.
_1755_180558.jpeg)
وراء هذه المسيرة العسكرية، تحتفظ أسرته بتفاصيل تكشف جانبًا آخر من شخصيته. فبحسب شهادة ابنته ليلى، كان يحب تصوير أبنائه والاستماع إلى الموسيقى، ويحرص على إسعاد أسرته ومساعدة المحيطين به.
وتروي أنه في ذات مرة اصحبها وشقيقها سامح لشراء هدية لأحد جنوده المقبلين على الزواج، ثم قاموا بزيارته في منزله؛ في لفتة تعكس طبيعة العلاقة التي أقامها مع رجاله، واهتمامه بحياتهم خارج حدود الخدمة.
كانت تلك العلاقة أقرب إلى رابطة عائلية. وقد وصفت ليلى والدها، في شهادة صحفية، بأنه شخص هادئ وخفيض الصوت، مؤكدة أن الضباط والمجندين كانوا ينظرون إليه بوصفه أبًا أو شقيقًا أكبر، وأن التعامل داخل المجموعة قام على المحبة والتفاهم. وهي صورة تساعد على فهم الثقة التي جمعت القائد برجاله في أشد لحظات القتال.
غير أن هذا الحضور الإنساني لم يخفف قلق الأسرة عليه. فزوجته، بحسب رواية ابنته، كانت تخشى توالي عملياته، وتطلب منه الاكتفاء بالتخطيط والتوجيه مراعاة لصغر أبنائهما، لكنه ظل يرى أن مسؤوليته تقتضي الوجود بين المقاتلين، ومشاركتهم تبعات الأوامر التي يصدرها.
بعد هزيمة يونيو 1967، برز دور الرفاعي في قيادة القوة التي عُرفت لاحقًا باسم «المجموعة 39 قتال». وضمت عناصر من الصاعقة البرية والبحرية، ونفذت عمليات استطلاع وإغارة وتدمير خلف خطوط القوات الإسرائيلية.

وفي وقت كانت فيه القوات المسلحة تعيد بناء قدراتها، حملت تلك المهمات أثرًا عسكريًا ومعنويًا؛ إذ أثبتت القدرة على الوصول إلى العدو ومباغتته داخل المناطق التي يسيطر عليها.
ومن العمليات المبكرة التي ارتبطت بالمجموعة نسف قطار تستخدمه القوات الإسرائيلية قرب الشيخ زويد، وتدمير مخازن ذخيرة خلّفتها القوات المصرية في سيناء عقب الانسحاب. وكانت المهمة الثانية تستهدف حرمان إسرائيل من استخدام تلك الذخائر. وقد وردت العمليتان ضمن أبرز بدايات المجموعة، بما انطوتا عليه من خطورة التسلل والعمل داخل أرض يحتلها العدو.
ويروي اللواء فؤاد نصار، مدير المخابرات الحربية قبيل حرب أكتوبر وخلالها أن المجموعة «المجموعة 39 قتال» تمكنت بقيادة الرفاعي من العبور للضفة الشرقية خلف خطوط العدو وجلب ثلاثة صواريخ إسرائيلية لم تكن خصائصها معروفة للجانب المصري. كما أسهمت عملياتها في توفير معلومات عن مواقع العدو وتحصيناته وتجهيزاته، لتصبح الجرأة الميدانية وسيلة للحصول على معرفة تحتاجها القيادة في إعداد خططها.

وتظل عملية «لسان التمساح»، في 19 أبريل 1969، إحدى أبرز محطات مسيرته. فقد جاءت في إطار الرد على استشهاد الفريق عبد المنعم رياض في التاسع من مارس من العام نفسه، واستهدفت موقعًا إسرائيليًا حصينًا شرق بحيرة التمساح.
وبحسب شهادة وسام حافظ، أحد المشاركين في العملية: سبق التنفيذ استطلاع الموقع وتصويره، ثم إقامة نموذج مشابه له في الفيوم للتدريب وتحديد مهمة كل مقاتل.
وبعد العبور بالقوارب تحت ستر المدفعية المصرية، اقتحمت القوة الموقع ونسفت مخزن الذخيرة، قبل أن تنسحب عقب إتمام المهمة. وتكشف هذه التفاصيل أن شجاعة الرفاعي استندت إلى إعداد دقيق، يربط بين الاستطلاع والتدريب والتنسيق أثناء الهجوم.
وتكشف شهادة أخرى عن موقف يلخص مسؤوليته تجاه رجاله تحت النار. ففي إغارة لاحقة على موقع لسان التمساح، يروي اللواء محيي نوح أن القوة تعرضت لانفجارات ونيران معادية، فأصدر الرفاعي أمره بالانسحاب.
وأثناء التراجع، وجد نوح أحد المقاتلين مصابًا إصابة بالغة؛ فطلب منه الرفاعي أن يناوله سلاحه ليتفرغ لحمل زميله والخروج به من منطقة الاشتباك. كان المصاب قد فارق الحياة، لكن الموقف بقي شاهدًا على حرص القائد ورجاله على استعادة رفيقهم رغم الخطر.
_1755_180651.jpeg)
وحظيت عمليات المجموعة باهتمام الرئيس جمال عبد الناصر. ويروي وسام حافظ أن التكليف بعملية لسان التمساح جاء بتوجيه من الرئيس جمال عبد الناصر شخصياً، وأنه استقبل المشاركين بعد عودتهم وكرّمهم بالإفطار معه في منزله. وكان ذلك تقديرًا لرجال نفذوا مهمات شديدة الخطورة، جرى معظمها بعيدًا عن الأضواء.
ومع انطلاق حرب أكتوبر 1973، واصل الرفاعي ورجاله تنفيذ المهام في عمق سيناء. ومن أبرزها مهاجمة منشآت البترول في منطقة بلاعيم، لحرمان القوات الإسرائيلية من الاستفادة منها.
وتذكر الروايات المنشورة عن المجموعة أن أفرادها انطلقوا بطائرات هليكوبتر مع بدء الحرب، ونجحوا في تنفيذ المهمة، لتضاف إلى سجل عمليات استهدفت موارد العدو ومنشآته إلى جانب مواقعه القتالية.
ولم تكن قيادته قائمة على الإقدام وحده؛ ففي محاولة بحرية للوصول إلى منطقة شرم الشيخ خلال أكتوبر، تسببت الأمواج المرتفعة في انقلاب أحد القوارب. وبحسب توثيق اللواء محسن طه، عمل أفراد القوة على تعديل القارب وتجهيزه للقطر، ثم قرر الرفاعي العودة إلى جزيرة شدوان وإعادة المحاولة في اليوم التالي. ويكشف القرار عن قائد يقدّر ظروف المهمة، ويوازن بين تنفيذها والحفاظ على قدرة رجاله على مواصلة القتال.
وفي التاسع عشر من أكتوبر 1973، بلغت مسيرته محطتها الأخيرة، خلال مواجهة القوات الإسرائيلية المتقدمة في قطاع الإسماعيلية، ضمن المعارك المرتبطة بثغرة الدفرسوار.
وتروي شهادة اللواء محسن طه أن الرفاعي كان يوجه القوة عبر جهاز اللاسلكي وسط اشتباك مع دبابات العدو، فيما اشتد القصف على موقعه. وأثناء وجوده في موضع مكشوف، أصابته شظية قاتلة، ليستشهد وهو يؤدي مهمته بين رجاله، عن عمر ناهز الثانية والأربعين.
رحل إبراهيم الرفاعي، وبقيت سيرته حاضرة في شهادات أسرته ورفاق سلاحه: قائدًا يعبر مع رجاله إلى مواقع العدو، وأبًا يحفظ وجوه أطفاله في الصور، وإنسانًا يحمل هدية إلى بيت جندي يستعد للزواج. ومن اجتماع هذه التفاصيل تستمد حكايته قوتها؛ فالرجل الذي أحب الحياة بكل هذا الدفء، مضى يدافع عن وطنه حتى اللحظة الأخيرة.
أكثر الكلمات انتشاراً