الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

04:29 ص

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

04:29 ص

اتفاقية الجلاء ١٩٥٤.. كيف قاد عبد الناصر مفاوضات رحيل الاحتلال البريطاني؟

لم يكن توقيع اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤ مجرد إجراء دبلوماسي، بل كان محطة فاصلة في مسيرة وطنية طويلة، انتقل فيها مطلب رحيل الاحتلال من هتاف تتوارثه الأجيال إلى التزام مكتوب بجدول زمني محدد. وفي قلب هذه المحطة برز جمال عبد الناصر، الذي تولى مسؤولية دفع المفاوضات نحو اتفاق ينهي الوجود العسكري البريطاني، ويضع العلاقات بين البلدين على أساس جديد.

جذور القضية.. وطن يبحث عن سيادته

جاءت اتفاقية الجلاء تتويجًا لتراكم طويل من النضال الشعبي والسياسي ضد الاحتلال البريطاني، الذي بدأ عام ١٨٨٢. وكانت معاهدة ١٩٣٦ قد أبقت القوات البريطانية في منطقة قناة السويس، قبل أن تلغيها حكومة مصطفى النحاس من جانب واحد عام ١٩٥١، لتتصاعد المقاومة في مدن القناة. وبعد ثورة يوليو ١٩٥٢، أصبحت قضية الجلاء من أولويات القيادة الجديدة، باعتبار أن استقلال القرار الوطني لا يكتمل مع استمرار القوات الأجنبية على أرض البلاد.
كيف بدأت المفاوضات؟

بدأت المفاوضات الرسمية في القاهرة يوم ٢٧ أبريل ١٩٥٣، في ظل خلاف جوهري بين الطرفين: مصر تطالب بإنهاء الوجود العسكري البريطاني، وبريطانيا تسعى إلى الاحتفاظ بإمكان الاستفادة من قاعدة قناة السويس، التي كانت تمثل موقعًا استراتيجيًا مهمًا في حساباتها الدفاعية. وقد أكد رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أمام مجلس العموم آنذاك تاريخ بدء هذه المحادثات.

ولم يكن الطريق إلى الاتفاق ممهدًا؛ فقد تعثرت المحادثات بسبب الخلاف حول شروط تشغيل القاعدة بعد الانسحاب، ووضع الفنيين المسؤولين عن صيانتها، وارتدائهم الزي العسكري، والظروف التي تسمح باستخدامها مجددًا. وهكذا، تجاوز التفاوض مسألة موعد الرحيل إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تنتهي القوات البريطانية من وجودها في مصر، وما الالتزامات التي تبقى بعد خروجها؟

عبد الناصر.. تحويل المطلب الوطني إلى اتفاق

برز الدور الوطني لعبد الناصر في التمسك بهدف الجلاء، مع إدارة التفاوض وصولًا إلى تسوية قابلة للتنفيذ. وتكشف المراسلات الدبلوماسية عن مساومات دقيقة حول مدة الاتفاق ومهلة الانسحاب؛ ففي يوليو ١٩٥٤ وافقت الحكومة البريطانية على مدة سبع سنوات للاتفاق، مع اشتراط عشرين شهرًا لإتمام إجلاء قواتها. وكان نجاح القيادة المصرية في تثبيت موعد للانسحاب خطوة حاسمة في نقل القضية من دائرة الوعود إلى الالتزام العملي.
ولا تنفصل أهمية هذا الدور عن تضحيات المصريين التي سبقته وصاحبته؛ فقد منح الكفاح الوطني قضية الجلاء قوتها، بينما أسهمت قيادة عبد الناصر في ترجمة هذا الرصيد إلى نتيجة سياسية محددة.

d725f733-1436-4959-9bae-7e02805d7608
وثيقة بخط يد رئيس الوزراء جمال عبد الناصر أثناء مفاوضات الجلاء

كيف انتهت المفاوضات؟

شهد يوم ٢٧ يوليو ١٩٥٤ توقيع اتفاق المبادئ بالأحرف الأولى، ثم استمرت المباحثات لاستكمال التفاصيل حتى توقيع الاتفاق النهائي في القاهرة يوم ١٩ أكتوبر من العام نفسه. ووقّع جمال عبد الناصر عن مصر، وأنتوني ناتنج عن بريطانيا، لتُطوى مرحلة المفاوضات وتبدأ مرحلة التنفيذ.
نص الاتفاق على جلاء القوات البريطانية خلال عشرين شهرًا، وإنهاء معاهدة ١٩٣٦، مع إبقاء أجزاء من القاعدة صالحة للاستخدام بواسطة ترتيبات صيانة مدنية. كما تضمن تسهيلات مشروطة في حالة تعرض دول محددة لهجوم خارجي، وحدد مدة سريانه بسبع سنوات. ومن ثم، كان الاتفاق إنجازًا أساسيًا لإنهاء الوجود العسكري، مع احتوائه على التزامات أمنية تعكس طبيعة التسوية التي انتهت إليها المفاوضات.
وفي يونيو ١٩٥٦ اكتمل الانسحاب البريطاني، وأصبح يوم ١٨ يونيو رمزًا لعيد الجلاء. وبقيت اتفاقية ١٩٥٤ شاهدًا على لحظة تلاقت فيها تضحيات شعب مع إرادة سياسية قادها عبد الناصر؛ لحظة اكتسب فيها الاستقلال معناه الملموس، حين صار رحيل القوات الأجنبية واقعًا على الأرض.

search