الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

02:53 ص

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

02:53 ص

وعي عبد الناصر بالتاريخ.. من ثورة عرابي إلى معاهدة الجلاء

في 19 أكتوبر 1954، وقّعت مصر وبريطانيا اتفاقية الجلاء، التي نصّت على انسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس خلال عشرين شهرًا. وجاءت الاتفاقية تتويجًا لنضال وطني طويل ضد الاحتلال البريطاني، الذي بدأ باحتلال مصر عام 1882، واستمر نحو أربعة وسبعين عامًا، حتى اكتمل انسحاب آخر القوات البريطانية في 18 يونيو 1956، لتطوي مصر صفحة الاحتلال العسكري البريطاني المباشر، بعد عقود من النضال من أجل استعادة استقلالها وسيادتها الوطنية.

وفي الصورة، يظهر جمال عبد الناصر أثناء توجهه لتوقيع الاتفاقية مع أنتوني ناتنج، وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية. لكن ثمة تفصيلًا بالغ الدلالة؛ فقد أمر عبد الناصر بوضع صورة ضخمة للزعيم الوطني أحمد عرابي في الطريق المؤدي إلى قاعة التوقيع، لتظل صورة عرابي مرفوعة فوق رؤوس الإنجليز، وكأنها تذكّرهم بأن الرجل الذي وقف في مواجهتهم بقصر عابدين عام 1881، سيأتي أحفاده بعد أكثر من سبعة عقود ليُنهوا احتلالهم لمصر.

a29c510e-75bf-4af8-a99d-a5d87b91749a
 يظهر جمال عبد الناصر مع أنتوني ناتنج أثناء توجهه لتوقيع اتفاقية الجلاء


لم تكن تلك مجرد لفتة رمزية، بل كانت تعبيرًا عن وعي عبد الناصر بتاريخ بلاده، ووفاءً لرجال خاضوا معارك التحرر الوطني قبل أن تتحقق أهدافهم على أيدي أجيال لاحقة.
في 9 سبتمبر 1881، اندلعت الثورة العرابية بقيادة الزعيم الوطني أحمد عرابي، الذي وقف، ومعه قوات من الجيش المصري، في ساحة قصر عابدين، في مواجهة الخديوي توفيق، مطالبًا بالإصلاح ورافضًا استبداد الحكم والتدخل الأجنبي. وكان عرابي، في أدبيات الأسرة العلوية، يُلقَّب بـ«زعيم الفلاحين المصريين».
وبعد أكثر من سبعة عقود على الثورة العرابية، اختار عبد الناصر يوم 9 سبتمبر نفسه لإصدار قانون الإصلاح الزراعي الأول عام 1952، وجعل هذا اليوم عيدًا للفلاح المصري، في دلالة تاريخية تربط بين انتفاضة عرابي، التي شارك فيها الفلاحون دفاعًا عن كرامة الوطن، وثورة يوليو التي استهدفت تحرير الفلاح من سطوة الإقطاع، ومنحه جانبًا كبيرًا من حقوقه المسلوبة.
هكذا ربط عبد الناصر بين معركتين لا تنفصلان: تحرير الوطن من الاحتلال الأجنبي، وتحرير الفلاح من الاستغلال والإقطاع. كما ربط بين جيل عرابي، الذي رفع راية الكرامة في عابدين، وجيل يوليو، الذي خاض معركة الجلاء واستعادة الاستقلال الوطني.
كان جمال عبد الناصر واعيًا بالتاريخ، حريصًا على احترام تاريخ مصر ورجالها وكرامة شعبها. أدرك أن الأمم التي تنسى تاريخها تفقد جزءًا من هويتها، وأن التحرر الحقيقي لا يكتمل باستقلال الأرض وحده، بل باسترداد الإنسان حقوقه وكرامته أيضًا

search