الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026
10:05 م
الفريق محمود عادل فوزي، قائد القوات البحرية
لم تكن البحار بالنسبة لمصر عبر تاريخها الممتد مجرد حدود جغرافية أو ممرات مائية للعبور، بل كانت دائما جبهة الشرف الأولى، والعمق الاستراتيجي الذي يُكتب على أمواجه مصير الأمة وسيادتها.
من بين أمواج المتوسط الثائرة ودماء الأبطال في البحر الأحمر، صاغت القوات البحرية المصرية عقيدتها القتالية الراسخة: "إن حماية المياه الإقليمية أمانة لا تفرط، وسيادة الدولة البحرية خط أحمر تصان حدوده بالحزم والجاهزية المطلقة".
وفي أجواء مفعمة بالاعتزاز الوطني والشموخ العسكري، وبمناسبة الاحتفال بالعيد التاسع والخمسين للقوات البحرية المصرية، عقد الفريق محمود عادل فوزي، قائد القوات البحرية، مؤتمرا صحفيا موسعا، فتح فيه سجلات البطولات التاريخية، واستعرض محاور التطوير والتحديث الشامل، رسم من خلاله خريطة الطريق لبناء قوة بحرية حديثة قادرة على فرض الردع وتأمين مقدرات الوطن في ظل تحولات إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
استهل السيد قائد القوات البحرية المؤتمر الصحفي بالحديث عن الجذور التاريخية لهذا اليوم الخالد، موضحا أن اختيار يوم 21 أكتوبر عيدا للقوات البحرية لم يأت صدفة، بل كان تجسيدا لحدث عسكري هز الأوساط العسكرية الدولية وغير تماما من مفاهيم الاستراتيجية البحرية الحديثة، حيث أكد الفريق محمود عادل فوزي أن ما تم تنفيذه يوم 21 أكتوبر عام 1967 هو تغيير لمفاهيم القتال البحري في العالم حين قامت لنشات الصواريخ (طراز كومر السوفيتي) ولأول مرة باستهداف المدمرة الإسرائيلية (إيلات) أكبر الوحدات البحرية لدى العدو بعدد 4 صواريخ سطح / سطح، ولذا تم اختيار يوم 21 أكتوبر ليكون عيد القوات البحرية المصرية.
ولم تتوقف بطولات القوات البحرية عند حدود المعركة نفسها، بل امتدت لتفنيد محاولات العدو لطمس الحقائق؛ إذ كشف قائد القوات البحرية عن واقعة تاريخية هامة مشيرا إلى أنه عندما أعلنت بعض الصحف الإسرائيلية عام 1999 بأن إغراق المدمرة إيلات هي أكذوبة مصرية في محاولة منهم لطمس الحقائق، تم تكليف إحدى وحدات القوات البحرية المتخصصة في البحث عن المدمرة أمام سواحل مدينة بورسعيد، واستمرت عملية البحث لأكثر من شهر حتى تم اكتشاف حطام المدمرة الإسرائيلية واستخراج العديد من الذخائر والقطع المدون عليها بالعبرية لقطع كل شك باليقين.
وفي ظل التعقيدات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، سلط قائد القوات البحرية الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه البحرية المصرية لحماية المسرح البحري الممتد على طول السواحل المصرية، مشددا على أن هذا النطاق يمثل أحد أهم أبعاد الأمن القومي نظرا لموقع مصر الجغرافي المتميز، وإشرافها المباشر على مضايق حيوية كخليج السويس وخليج العقبة وقناة السويس.
وأوضح الفريق محمود عادل فوزي مقومات وأهداف القوة البحرية المصرية مؤكدا أنه يجب أن تمتلك قوة بحرية قادرة على حماية المصالح البحرية، وفرض الردع، وحماية الخطوط الملاحية، بالإضافة إلى التواجد البحري خارج حدود الدولة بالتدريبات المشتركة والذي يمثل سياسة الدولة الخارجية، وكان آخرهم التواجد باليونان خلال شهر سبتمبر 2026 بعدد 3 وحدات بحرية وغواصة ضمن تدريب (ميدوزا - 15)، مع التخطيط لتنفيذ تدريبات مشتركة خلال هذا العام مع كل من تركيا وفرنسا وروسيا.
وانتقالا إلى أهمية الممرات الملاحية وأثرها المباشر على الاقتصاد الدولي وتدفق سلاسل الإمداد ومصادر الطاقة، قدم قائد القوات البحرية تحليلا رقميا دقيقا يبرز الضغط الجسيم والمجال الحيوي الذي تؤمنه مصر لحركة التجارة الدولية:
80% من حجم التجارة العالمية ينقل عبر البحار والمحيطات.
15% من حجم التجارة العالمية و30% من حركة تداول الحاويات تمر عبر البحر الأحمر.
10% إلى 12% من التجارة العالمية يمر بشكل مباشر من خلال قناة السويس.
95% من حجم البيانات الدولية ينقل تحت الماء عبر الكابلات الدولية (يمر منها عبر مصر نحو 17% من كابلات الإنترنت العالمية).
20% من حجم تداول النفط والغاز الطبيعي المسال (ما يعادل 20 مليون برميل نفط يوميا) يمر عبر مضيق هرمز.
وأشار سيادته إلى أن البحار والمحيطات تتحكم بها ممرات ومضايق خانقة مثل (قناة السويس، مضيق هرمز، مضيق باب المندب، قناة بنما، بحر الشمال، ملقا، والبسفور)، موضحا أنه رغم كفالة ميثاق الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 لحق المرور العابر والبريء لكل الدول، إلا أن المشهد الحالي يشهد صراعات وتواجدات عسكرية متزايدة لمكاسب اقتصادية وللسيطرة على الممرات البحرية. وأكد الفريق محمود عادل فوزي في هذا الصدد حسم الموقف المصري بقاطعية مشددا على أن القوات البحرية المصرية تتواجد على مدار الساعة لتأمين مناطق المسؤولية والأهداف الحيوية والاقتصادية والحدود البحرية للدولة.
وردا على سؤال يتعلق بمدى تقارب ونوعية التسليح والتكنولوجيا بين الدول التي تمتلك بحريات حديثة، وكيف يمكن لطرف أن يحسم التفوق لصالح، أكد قائد القوات البحرية إلى أن المعدات والتكنولوجيا وحدها لا تحسم المعارك، بل إن السر يكمن في الإنسان الذي يدير هذه التكنولوجيا.
وشدد الفريق محمود عادل فوزي على المعايير الأساسية للتفوق موضحا أن العوامل الأساسية وليس الإضافية هي عقيدة الفرد المقاتل وخطة التدريب القتالي للقوات البحرية، لكون الفرد المقاتل هو الثروة الحقيقية التي تحرص القيادة كل الحرص على تنمية مهاراته للوصول إلى مقاتل محترف قادر على استيعاب واستخدام التكنولوجيا الحديثة في كافة المجالات انطلاقا من الأكاديمية العسكرية المصرية ومعهد ضباط الصف.
وأضاف قائد القوات البحرية أن منظومة التدريب القتالي تقوم على التدريب الواقعي والجاد والمتدرج للوصول للاحترافية في الأداء، حيث يبدأ التدريب بالتدرج من مستوى الفرد وحتى الوصول لمستوى تشكيل بحري، بالإضافة إلى التدريبات المشتركة والعابرة التي تمثل أحد المحاور الرئيسية لزيادة فاعلية التدريب وتبادل الخبرات وزيادة التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة.
وحول دلالة وأهمية افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية في 4 يوليو 2026، والذي ترجم كمرحلة جديدة في مسار تحديث مؤسسات الدولة وتطوير منظومات القيادة والسيطرة وفق أحدث المعايير العسكرية العالمية، أوضح قائد القوات البحرية العائد المباشر والعملياتي لتواجد البحرية داخل هذا الصرح الاستراتيجي.
وأكد سيادته أن القيادة الاستراتيجية تمثل أعلى مستويات القيادة في الدولة، حيث تحقق التكامل الكامل بين القوات المسلحة ومختلف وزارات ومؤسسات وأجهزة الدولة، بما يضمن توحيد الجهود الوطنية في إدارة الأزمات.
وأوضح الفريق محمود عادل فوزي الأثر المباشر على البحرية المصرية مشيرا إلى أن هذا التواجد يمثل نقلة نوعية في منظومة القيادة والسيطرة مما يوفر المعلومات الدقيقة الموثوقة لتسريع دورة اتخاذ القرار، وبالنسبة للقوات البحرية فإنه يدعم إدارة العمليات البحرية ضمن منظومة عمليات مشتركة.
وفي ملف مكافحة الهجرة غير الشرعية وحماية الأرواح بالبحر في ظل حالات عدم الاستقرار الإقليمي، استعرض قائد القوات البحرية الموقف المصري الذي أضحى نموذجا يحتذى به على المستوى الدولي والإقليمي.
وأكد الفريق محمود عادل فوزي قاطعا أنه اعتبارا منذ عام 2016 ونظرا لجهود مختلف مؤسسات الدولة لم يتم رصد أي أعمال هجرة غير شرعية من خلال السواحل المصرية، وهو ما يتم تقديره جيدا من الاتحاد الأوروبي والمحاولة الدائمة لتبادل المعلومات معهم بذات الشأن.
ولفت إلى أنه رغم السيطرة الكاملة على السواحل المصرية، إلا أنه ونظرا لعدم الاستقرار السياسي لبعض دول الجوار والمنطقة، فإن القوات البحرية ترصد وتنقذ العديد من عمليات الهجرة غير الشرعية داخل منطقة مسؤولية البحث والإنقاذ المصرية بالبحر المتوسط، انطلاقا من الواجب الإنساني والالتزامات الدولية.
ومع التحول الكبير في نمط الصراعات المسلحة وحدوث الفارق عبر استخدام الأسلحة غير التقليدية وخاصة "المسيرات"، كشف قائد القوات البحرية عن الرؤية الاستراتيجية للبحرية المصرية لمواكبة هذه الحروب والاستفادة من الدروس المستفادة في الحروب الحالية.
وأعلن الفريق محمود عادل فوزي عن التطور غير المسبوق في التصنيع المحلي مؤكدا أنه نتيجة للدروس المستفادة من الصراعات والحروب الحالية والتوسع في استخدام المسيرات (الجوية - البحرية) كسلاح غير تقليدي لتنفيذ الهجوم غير النمطي، تبنت القوات البحرية المصرية في الفترة الأخيرة التوسع في إنتاج واستخدام المسيرات البحرية بتصنيع محلي كامل يستخدم في أعمال الاستطلاع والمراقبة وأعمال تأمين الموانئ.
وكشف سيادته عن وجود تعاون وشراكة ممتدة مع المؤسسات الوطنية والقطاع المدني بالدولة، شملت وزارة التعليم العالي، ووزارة الصناعة، واتحاد الصناعات المصري، لتطوير وتوطين صناعة المسيرات البحرية بكفاءة عالية.
توطين التصنيع المحلي وسلاسل الإمداد: سيادة عسكرية واستقلالية اقتصادية.
وفي ختام المؤتمر الصحفي، سلط قائد القوات البحرية الضوء على الخطة الشاملة التي تتبناها القوات البحرية لتوطين التكنولوجيا البحرية وتعزيز التصنيع المحلي في ظل تقلبات النظام العالمي واضطراب سلاسل الإمداد الدولية.
وأكد الفريق محمود عادل فوزي أن البحرية المصرية اتخذت خطوات واسعة وحقيقية في هذا المجال تنفيذا لرؤية القيادة السياسية للدولة وإصرارها على توطين الصناعة، مشيرا إلى إعداد رؤية متكاملة أثمرت عن الآتي:
الفرقاطات المتقدمة: التعاون مع العديد من البحريات الكبرى لتصنيع الفرقاطات طراز (جويند) بالتعاون مع الجانب الفرنسي، والفرقاطات طراز (ميكو) بالتعاون مع الجانب الألماني، حيث دخلت وحدات منها الخدمة بالفعل، ويُنتظر دخول وحدات أخرى خلال الفترة القادمة.
الزوارق والقاطرات البحرية: التصنيع والتطوير الكامل للريب القتالي طراز (رافال) داخل ترسانة القوات البحرية بالكامل، بالإضافة إلى تصنيع عدد من لنشات (المرور والمراقبة) والقاطرات البحرية.
واختتم قائد القوات البحرية تصريحاته بالحديث عن العائد الاستراتيجي والاقتصادي لهذه الخطوات الميدانية حاسما أن هذا التوجه يأتي لتقليل الاعتماد على الخارج وتوطين الصناعات المحلية وتوفيرا للعملة الصعبة.
ستبقى القوات البحرية المصرية بعقيدة أبطالها وتطور تسليحها وإرادة أبنائها الصلبة هي الحارس الأمين لمياه الوطن الإقليمية والاقتصادية، والدرع المتين الذي يحمي أمن مصر القومي، وسيفها القادر على مجابهة كافة التحديات في كل زمان ومكان.
19 أكتوبر 2026 05:02 م
18 أكتوبر 2026 04:12 م
17 أكتوبر 2026 01:36 م
أكثر الكلمات انتشاراً