الجمعة، 23 أكتوبر 2026

11:35 ص

الجمعة، 23 أكتوبر 2026

11:35 ص

عولمة الخوف: عندما تتطابق هواجس القاهرة وأوروبا

لم يعد المشهد في العواصم الأوروبية مجرد حراك عابر أو دراسات أكاديمية تبحث عن حلول، بل تحول إلى زلزال سياسي وتشريعي يعيد تشكيل القارة العجوز. 
في قلب هذا الإعصار، يبرز تساؤل مستفز: كيف تحوّلت مشاهد الفوضى والشغب في شوارع أوروبا إلى ذريعة قانونية لإنهاء حقبة حقوق الإنسان وتمرير قوانين الترحيل القسري؟ ولماذا تبدو هذه الأجواء مألوفة جداً لمن عايش تحولات الشرق الأوسط؟

مفاتيح لفهم اللعبة الأوروبية

حتى نفكك هذا المشهد، لا بد للقارئ من التعرف على اللاعبين الأساسيين في هذه المعادلة جغرافياً وسياسياً:

السترات الصفراء: حركة احتجاجية شعبية وعفوية انطلقت في فرنسا عام 2018. بدأت باعتراض سائقين ومواطنين عاديين على رفع ضرائب الوقود، وسرعان ما تحولت إلى انتفاضة عارمة ضد الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتهميش الطبقة المتوسطة.

اليمين المتطرف: تيار سياسي عقائدي يعتمد على القومية المتشددة، ومعاداة الهجرة واللاجئين، ويرفض دمج الثقافات الأخرى. 
هذا التيار لم يعد هامشياً، بل بات يمتلك زمام الأمور: فهو يقود الحكومة في إيطاليا
بقيادة جورجيا ميلوني، ويتصدر الائتلاف الحاكم في هولندا بقيادة خيرت فيلدرز، ويمثل أكبر قوة معارضة مهيمنة في فرنسا بقيادة مارين لوبان، فضلاً عن صعوده القياسي في ألمانيا والنمسا.

ركوب الموجة: من "6 أبريل" وصولاً لـ"أوروبا"

القاعدة السياسية الثابتة تاريخياً تقول: "وراء كل فوضى مستفيد سياسي". وهنا يجب أن نُنعش ذاكرة القارئ العربي والمصري تحديداً؛ فلنتذكر معاً كيف بدأت حركة 6 أبريل في مصر كحراك شبابي عفوي إلكتروني عبر مجموعات فيسبوك في عام 2008 لدعم عمال المحلة، وكيف قاد هذا الحراك لاحقاً الشارع في يناير 2011 تحت شعارات معيشية واجتماعية.
لكن نقطة التحول الكبرى كانت في "هندسة الفوضى وتضخيم الكارثة" عبر الآلة الإعلامية الممنهجة. لقد رأينا جميعاً كيف قادت شبكات إعلامية إقليمية حرباً نفسية شرسة عبر التركيز على مشاهد الحرق، والتخريب، واقتحام مقار الدولة، وإظهار مصر وكأنها سقطت بالكامل.
هذا التضخيم الإعلامي المصنوع لم يكن بريئاً، بل كان يستهدف بث الرعب في نفوس المواطنين لخلط الأوراق وتوجيه الشارع لصالح كتل أيديولوجية منظمة مثل جماعة الإخوان  لتقفز على السلطة وتجني ثمار الفوضى.
نفس الكتالوج يُعاد فتحه وتطبيقه حرفياً في أوروبا اليوم؛ فاليمين المتطرف لم يصنع أزمات التضخم ولم ينزل ليحرق الشوارع، ولكنه انقض على فوضى الاحتجاجات المعيشية ووظفها بشكل ممنهج. عبر الآلة الإعلامية اليمينية وحسابات التواصل الاجتماعي، تم التركيز على بث فيديوهات السلب والنهب على مدار الساعة لخلط الأوراق؛ وبدلاً من أن يغضب المواطن الأوروبي من حكومته بسبب الغلاء وسوء الإدارة الاقتصادية، تم توجيه غضبه وعقله بالكامل نحو اللاجئ والمهاجر باعتباره المسؤول الوحيد عن انهيار الأمن واستنزاف موارد الدولة.

حزب الكنبة الأوروبي: هندسة الصمت وصناعة الطغيان

في مقابل هذا الصخب، يظهر البطل التراجيدي للمشهد: "حزب الكنبة الأوروبي". يمثل هذا الحزب الأغلبية الصامتة من المواطنين الذين كانوا يعيشون لسنوات طويلة في استقرار اجتماعي وأمني رغيد ولم يعتادوا الهزات العنيفة. ومع أولى موجات التضخم، وأزمات الطاقة، وفوضى الشوارع، أصيب هذا القطاع بهشاشة نفسية وصدمة كبرى؛ فآثر الانكفاء على ذاته والصمت خلف ستائر منازله خوفاً من الصدامات المجتمعية أو تصنيفه كعنصري. 
لكن هذا الاختباء لم يكن مجانياً؛ فالصناديق والتشريعات لا تنتظر الصامتين. استغل المتشددون صمت "حزب الكنبة الأوروبي" وحالة الذعر العامة ليمرروا داخل البرلمان الأوروبي قوانين ترحيل صارمة (بأغلبية 418 صوتاً)، تشمل احتجاز اللاجئين لمدد تصل لعامين وتأسيس مراكز طرد خارج حدود الاتحاد (Return Hubs). 
واستيقظ أولئك المنكفئون على أنفسهم ليفاجأوا بأن التيارات المتطرفة قد امتلكت مقاليد الحكم والتشريع بالكامل، وأن الأدوات الأمنية وتفتيش الهواتف التي صُيغت لطرد الأجانب، أصبحت أدوات سلطوية جاهزة لتطويق حرياتهم الشخصية في المستقبل إذا تجرأ أحدهم يوماً على ترك "الكنبة" والخروج للاعتراض.

عولمة الهواجس: مشروعية الصرخة المصرية

هذا الخوف على الأمن والهوية ليس حكراً على جغرافيا معينة؛ فالشارع المصري يعيش اليوم هواجس مشابهة تستهدف الحفاظ على الهوية الوطنية الفريدة، وحماية مقدرات البلاد ضد الجرائم المنظمة المخربة للاقتصاد، مثل الاتجار في العملة بالسوق السوداء، والتنقيب غير المشروع عن الذهب وتهريبه عبر الحدود.

المطالبة الشعبية في مصر بتقنين أو ترحيل المخالفين لا تنطلق من عقيدة عنصرية كاليمين الأوروبي، بل هي صرخة دفاع شرعي وعقلاني لحماية "القدرة الاستيعابية للدولة" ومواردها الأساسية وبنيتها التحتية التي تئن تحت وطأة استقبال ملايين اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة.

النقطة الفارقة: سقوط قناع حقوق الإنسان

وهنا تبرز المفارقة الصارخة وازدواجية المعايير الدولية؛ لسنوات طويلة، كانت المنظمات الدولية والعواصم الأوروبية تمارس الابتزاز السياسي والحقوقي ضد مصر، وتلوح بالعقوبات لمجرد حديثها عن تنظيم حدودها أو ترحيل من يخرب اقتصادها، تحت شعارات "حقوق الإنسان ومنع الترحيل القسري".
ولكن، بمجرد أن مست النيران أصابع الغرب، سقطت الأقنعة الأخلاقية؛ وصوّت البرلمان الأوروبي رسمياً على شرعنة الترحيل القسري في ساعات معدودة، واستخدمت الشرطة الأوروبية القوة المفرطة وحظر التجوال لإنهاء المظاهرات، ودون أن تنطق منظمة حقوقية واحدة لتدين العنف، بل جرى تأطير الأمر كـ "إنفاذ للقانون وحفظ لهيبة الدولة".
لقد كشفت الأزمة الأوروبية الحالية أن "حقوق الإنسان" كانت مجرد ورقة ضغط سياسية تُشهر في وجه بلادنا؛ وعندما جد الجد، اختارت أوروبا أمنها القومي وقوانينها الصارمة.  والآن أما آن الأوان أن تتعامل بلادنا بحزم وأن تفعل كما فعلت أوروبا لحفظ أمنها القومي؟ أم أن أمننا القومي لا يستحق أخذه على محمل الجد؟ لقد سقطت ورقة التوت الأخيرة عن أصحاب الأجندات الخارجية المتشدقين بكلمات مثل حقوق الإنسان، والحرية، وحرية الرأي والتعبير.. فماذا ننتظر؟!

search