السبت، 24 أكتوبر 2026

08:48 ص

السبت، 24 أكتوبر 2026

08:48 ص

سوق المحمول.. كبيره مين؟

لم تعد الزيادات السعرية في سوق المحمول استثناءً، بل أصبحت مشهدًا شهريًا، وأحيانًا تصدر الشركة الواحدة قائمتين أو ثلاثًا للأسعار خلال الشهر نفسه، وكأن المستهلك مطالب في كل مرة بإعادة حساب قدرته على شراء هاتف جديد.

شركة سامسونج، صاحبة الحصة السوقية الأكبر في السوق المحلية، أصدرت قائمتين جديدتين للأسعار خلال شهر أكتوبر وحده، ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة السوق على استيعاب هذه الزيادات المتلاحقة، خصوصًا أن تحركات الشركة الكبرى غالبًا ما تفتح الباب أمام بقية الشركات لإعادة تسعير منتجاتها.

المشكلة لا تتوقف عند عدد القوائم السعرية، بل تمتد إلى حجم الزيادات نفسها، فخلال عام واحد، ارتفعت أسعار بعض فئات الهواتف إلى مستويات تقارب الضعف، وكانت الفئات الاقتصادية صاحبة النصيب الأكبر من المعاناة، لتصبح الهواتف التي كانت في متناول شريحة واسعة من المستهلكين عبئًا إضافيًا على ميزانياتهم.

تواجه صناعة الهواتف ضغوطًا عالمية بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف بعض مكونات التصنيع، لكن ذلك لا يعني أن كل زيادة محلية مبررة، ولا يعفي الشركات من توضيح كيفية انعكاس هذه الضغوط على أسعار منتجاتها، الدولار، الذي يُستدعى كثيرًا لتفسير ارتفاع الأسعار، زاد بنحو 15% خلال العام.

يبرر مسؤولون في شركات المحمول ارتفاع الأسعار بأن السوق المحلية تتحمل أعباء ضريبية ورسومًا تصل إلى 38.5%، لكن هناك فارقًا جوهريًا بين هاتف يجلبه المستهلك من الخارج، وهاتف يُصنع محليًا.

إذا كانت هذه النسبة مرتبطة بالرسوم والضرائب المفروضة على إدخال الهواتف من الخارج، فلا يصح التعامل معها باعتبارها تكلفة تلقائية يتحملها كل هاتف يُنتج محليًا.

الدولة عملت على جذب استثمارات صناعة الهواتف والإلكترونيات، ووفرت حوافز وتيسيرات لتوطين التصنيع، لزيادة الإنتاج المحلي، وتوفير فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الاستيراد والضغط على السيولة الدولارية.

ويستفيد المصنع المحلي من منظومة إنتاج تختلف عن استيراد الهاتف كاملًا، إذ يمكنه استيراد مكونات التصنيع بدلًا من الجهاز النهائي، مع اختلاف المعاملة الجمركية والضريبية وفق طبيعة المكونات والنظام المطبق عليها.

تُطبق نسبة جمركية تبلغ 2% على بعض مكونات الإنتاج، لكن تحديد التكلفة الفعلية يتطلب معرفة المكونات المستخدمة والرسوم الأخرى وتكاليف التشغيل، إلى جانب مدى استفادة كل شركة من الحوافز المتاحة.

توطين الصناعة لا يقتصر على نقل خطوط الإنتاج إلى مصر، بل يستهدف بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توفير منتجات تنافسية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد والمستهلك معًا.

شراء الهاتف من الخارج قد يكون أقل تكلفة في بعض الحالات، حتى بعد احتساب الرسوم المفروضة عليه، فضريبة القيمة المضافة تبلغ 5% في الإمارات و15% في السعودية، وقد يظل الهاتف الذي يُشترى من إحدى الدولتين أقل تكلفة من نظيره في مصر.

لا تكفي هذه المقارنة وحدها لإثبات أن الشركات تبالغ في التسعير، لكنها تفرض ضرورة تقديم بيانات واضحة تفسر الفارق بين أسعار الأجهزة المتماثلة في المواصفات والإصدارات، بدلًا من الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الدولار أو الرسوم أو اضطرابات سلاسل الإمداد.

تستهدف مبادرة "مصر تصنع الإلكترونيات" توطين الصناعة، وبناء قدرات إنتاجية محلية، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة. وطبقت الحكومة منظومة لحوكمة دخول الأجهزة المستوردة، لدعم التصنيع المحلي وتعزيز المنافسة بين المنتج المحلي والمستورد.

لكن، المستهلك لا يعنيه أن يحمل الهاتف شعار "صنع في مصر" بقدر ما يعنيه أن يحصل على جهاز جيد بسعر عادل ومواصفات تتناسب مع احتياجاته وإمكاناته.

لا ينبغي أن يتحول تنظيم الاستيراد إلى وسيلة لتقليص الخيارات المتاحة أمام المواطنين دون تحسن ملموس في الأسعار أو الجودة أو خدمات ما بعد البيع، فحماية الصناعة المحلية هدف مطلوب، لكن نجاحه يظل مرتبطًا بقدرتها على المنافسة وتوفير منتجات مناسبة لمختلف الفئات.

تظهر الأزمة بوضوح في الفئات الاقتصادية، التي يُفترض أن توفر بدائل مناسبة للطلاب ومحدودي الدخل ومن يحتاجون إلى هاتف للاستخدام اليومي دون تحمل تكلفة مرتفعة، حيث تتقلص الخيارات المتاحة بأسعار مناسبة، وسط تزايد الاعتماد على الهاتف في التعاملات المالية والخدمات الحكومية والتعليم والعمل.

من الصعب الحديث عن التحول الرقمي والشمول الرقمي، بينما تصبح تكلفة الحصول على الجهاز نفسه عائقًا أمام بعضهم، فالأمر لا يبدأ بإطلاق التطبيقات والمنصات فقط، بل يتطلب أيضًا إتاحة الأجهزة اللازمة لاستخدامها بأسعار يمكن تحملها.

في ظل حالة الركود التي يعاني منها سوق المحمول، تزداد أهمية مراجعة سياسات التسعير لمصلحة المستهلك والشركات والتجار على حد سواء، فارتفاع الأسعار قد يزيد قيمة المبيعات، لكنه قد يقلص عدد الوحدات المبيعة، ويدفع المستهلكين إلى تأجيل الشراء أو الاتجاه إلى بدائل أخرى.

طالبت شعبة تجار المحمول بإنشاء لجنة لمراجعة الأسعار وضبط السوق ووضع أسعار عادلة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الأجهزة، وهي مطالبة تستحق النقاش.

الدولة قدمت حوافز لتوطين الصناعة، والشركات استفادت من الفرص المتاحة، ونجاح هذه السياسة لا يُقاس بحجم الإنتاج المحلي وحده، بل بقدرة المنتج على المنافسة وتقديم أسعار مناسبة، ومن حق المستهلك أن يعرف كيف تنعكس الحوافز المقدمة للمصنعين على السعر النهائي، وأن يحصل على تفسير واضح للزيادات المتلاحقة.

لا يعني ذلك مطالبة الشركات بالبيع بخسارة، بل يتطلب شفافية في التسعير، ومنافسة حقيقية، ورقابة على أي ممارسات احتكارية يثبت وجودها، فتوطين الصناعة ليس هدفًا منفصلًا عن مصلحة المواطن، بل وسيلة لتحقيقها.

بين الشركات التي تسعى إلى تعظيم عوائدها، والدولة التي تستهدف توطين الصناعة، يظل المستهلك هو الطرف الذي ينبغي ألا يغيب عن المعادلة.

اقرأ أيضا:

الحسابات تُكذّب ادعاءات سامسونج.. الهواتف المستوردة أرخص من المحلية رغم الجمارك

search