السبت، 24 أكتوبر 2026
05:26 م
مغسلة أموات مع محررة تليجراف مصر
في عالم يتهرب كثيرون من الاقتراب منه، تقف مغسلات الموتى أمام مشاهد قاسية لا تحتملها النفوس بسهولة، بين جثامين ضحايا الحوادث وجرائم القتل، وحالات الوفاة التي يتأخر اكتشافها لأيام، وصولًا إلى الأشلاء البشرية التي تحتاج إلى تعامل خاص قبل تكفينها ودفنها.
وبين مشاهد الموت ورهبة اللحظات الأخيرة، تواصل "أم حمزة"، إحدى مغسلات الموتى، أداء مهمتها التي بدأت قبل نحو 12 عامًا، مدفوعة برغبتها في ستر المتوفين وتعلم أحكام غسل الموتى، لتتحول تجربتها إلى رحلة مليئة بالمواقف الإنسانية الصعبة والتفاصيل التي لا يعرفها كثيرون عن هذا العالم.
وفي تصريحات خاصة لـ"تليجراف مصر"، كشفت أم حمزة كواليس عملها في غسل جثامين ضحايا الحوادث وجرائم القتل، وروت تفاصيل تعاملها مع حالات التحلل والأشلاء البشرية، إلى جانب مواقف مؤثرة عاشتها مع أسر المتوفين.
وتروي أم حمزة أن رغبتها في تعلم غسل الموتى بدأت منذ سنوات طويلة، بعدما شاركت في غسل جدتها، لكنها لم تكن تعرف وقتها تفاصيل عملية الغسل، واقتصر دورها على مساعدة المغسلات وتقديم المياه لهن.
ومع مرور السنوات، تجددت رغبتها في تعلم المهنة خلال عملها في دار للمسنين، بعدما طلبت منها سيدة مسنة أن تتعلم غسل الموتى حتى تتولى غسلها بنفسها بعد وفاتها.
وتقول إنها بدأت البحث عن مغسلات في المساجد القريبة منها لتتعلم على أيديهن، حتى تمكنت من غسل السيدة بعد فترة قصيرة، مؤكدة أن نيتها منذ البداية كانت احتساب العمل لوجه الله، وستر المتوفيات.
وتضيف أن رهبة الموت كانت تسيطر عليها في بداية عملها، خاصة عندما كانت تقترب من الجثمان للمرة الأولى، لكنها اعتادت تدريجيًا التعامل مع الحالات المختلفة، وأدركت أن خوفها أو نفور الآخرين من بعض الجثامين قد يحرم أصحابها من الغسل والتكفين.
ومن أصعب المواقف التي تتذكرها أم حمزة، حالة سيدة ظلت متوفاة داخل شقتها لمدة 8 أيام دون أن يعلم أحد بوفاتها، حتى بدأ الجيران في استشعار رائحة كريهة، فأبلغوا أسرتها التي حضرت وكسرت باب الشقة، لتكتشف وفاة السيدة.
وتوضح أن المشهد كان صعبًا للغاية، إذ رفض أشقاء المتوفاة وأبناء أشقائها الاقتراب من المكان بسبب الرائحة، حتى إنهم كانوا يضعون المياه على السلم بعيدًا عن الشقة، ولم يقتربوا منها إلا بعد انتهاء عملية الغسل وتغير الرائحة.
وتشير إلى أن التعامل مع حالات التحلل يحتاج إلى معرفة دقيقة بكيفية غسل الجثمان، موضحة أنها حرصت على دراسة فقه الجنائز وسؤال المتخصصين، حتى تتمكن من التعامل مع الحالات الصعبة بصورة صحيحة، بدلًا من الاعتماد على الممارسات المتوارثة دون التحقق منها.
وتكشف أم حمزة أنها تعاملت مع جثمان سيدة تعرضت لحروق شديدة بعدما أضرم زوجها النار فيها، مؤكدة أن التعامل مع مثل هذه الحالات يتطلب الحرص الشديد أثناء الغسل، حتى لا تتضرر الأجزاء المتبقية من الجسد.
وتوضح أنها لا تستخدم الليفة التقليدية في غسل الجثامين التي تعاني من حروق شديدة أو تهتك في الجلد، وإنما تستعين بقطن أو إسفنجة، مع الحرص على جمع أي أجزاء من الجلد أو الشعر تنفصل عن الجثمان ووضعها داخل الكفن، حفاظًا على حرمة المتوفاة.
وتضيف أن الهدف الأساسي بالنسبة لها هو التعامل مع الجثمان برفق، والحفاظ على كرامة المتوفى مهما كانت طبيعة إصاباته أو الظروف التي انتهت بها حياته.
وتقول أم حمزة إنها تعاملت مع حالات متعددة لضحايا جرائم القتل والانتحار، بينها سيدة تعرضت للطعن بسكين، وأخرى تعرضت للحرق على يد زوجها، فضلًا عن حالات وفاة ناتجة عن الانتحار.
وتوضح أن غسل ضحايا جرائم القتل لا يختلف في أساسه عن غسل بقية المتوفين، لكن التحدي يكمن في التعامل مع الجروح وآثار التشريح، ومحاولة إحكام الكفن للحفاظ على نظافته حتى وصول الجثمان إلى مثواه الأخير.
وتتذكر إحدى الحالات التي لم تغب عن ذاكرتها، وهي فتاة جامعية تبلغ من العمر 22 عامًا، كانت تعاني الاكتئاب وتتلقى العلاج، وحاولت الانتحار أكثر من مرة قبل وفاتها.
وتقول إن غسل الفتاة كان يسيرًا، وإن ملامح وجهها بدت لها هادئة ومطمئنة، وهو ما ترك أثرًا إنسانيًا عميقًا بداخلها، مؤكدة أنها لا تستطيع الجزم بحسن خاتمة أي شخص من خلال مظهر الجثمان، فذلك أمر لا يعلمه إلا الله.
وعن أصعب ما واجهته خلال عملها، تشير أم حمزة إلى غسل ضحايا حوادث القطارات، خاصة الحالات التي تصل فيها الأشلاء منفصلة عن بعضها، مؤكدة أن التحدي الأكبر يتمثل في جمع الأجزاء والتعامل معها بما يحفظ كرامة المتوفى.
وتروي أنها شاهدت إحدى الحالات التي وصلت فيها أجزاء الجثمان داخل كيس تابع للإسعاف، ولم يكن الجسد متصلًا أو مكتملًا بالصورة المعتادة، بل كانت هناك أجزاء منفصلة تحتاج إلى الغسل والتجفيف والتكفين.
وتوضح أنها تبدأ بغسل الأجزاء المتاحة وتجفيفها، ثم تضع طبقات من المشمع، وتحاول ترتيب أجزاء الجثمان بعناية، بما يضمن ستر المتوفى والحفاظ على حرمته أثناء نقله ودفنه.
وتؤكد أن هذه الحالات تحتاج إلى قدر كبير من الصبر والقدرة على تجاوز الخوف، لأن أصحابها لهم الحق في أن يُعاملوا بكرامة، مهما كانت بشاعة الحادث الذي تعرضوا له.
وتكشف أم حمزة عن تعرضها لطلبات غريبة من بعض أقارب المتوفين، من بينها طلب سيدة الحصول على الليفة المستخدمة في غسل إحدى المتوفيات، اعتقادًا منها أنها قد تساعد ابنتها على الإنجاب، وهو ما رفضته أم حمزة.
كما روت موقفًا آخر طلبت فيه أسرة فتاة لم تتزوج وضع الحناء على يديها قبل تكفينها، اعتقادًا منهم أنها ستصبح عروسًا في الجنة، لكنها رفضت تنفيذ الطلب لعدم وجود سند شرعي له، بحسب ما أوضحته.
وتشدد على حرصها على تسليم مستلزمات الغسل والتخلص منها بطريقة مناسبة، وعدم السماح باستخدامها في ممارسات أو معتقدات خاطئة.
وعن مخاطر المهنة، توضح أم حمزة أنها تعرضت للإصابة بفيروس كورونا خلال فترة الجائحة، بعدما لم تكن تلتزم بارتداء الكمامة بصورة منتظمة، رغم ارتدائها الملابس الواقية في بعض الحالات.
وتؤكد أن إيمانها بأهمية عملها واحتساب الأجر لا يعني الاستغناء عن الاحتياطات اللازمة، مشيرة إلى أن التجربة علمتها ضرورة الأخذ بالأسباب والالتزام بإجراءات الوقاية أثناء التعامل مع الجثامين.
وتختتم أم حمزة حديثها بالتأكيد على أن غسل الموتى بالنسبة لها ليس مجرد عمل، بل مسؤولية إنسانية ودينية تتطلب العلم والصبر والرحمة، حتى يحصل كل متوفى على حقه في الستر والكرامة، مهما كانت ظروف وفاته.
24 أكتوبر 2026 05:20 م
24 أكتوبر 2026 05:04 م
24 أكتوبر 2026 05:02 م
24 أكتوبر 2026 04:33 م
أكثر الكلمات انتشاراً