الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026
10:09 م
لحظة نقل مصطفى بائع السبح بالمرج بعد وفاته
لم يكن عم مصطفى مجرد بائع سبح اعتاد المارة رؤيته أمام مسجد العزيز بالله بمنطقة الزيتون، بل كان وجهًا مألوفًا في الشارع، يمر عليه الناس في ذهابهم وإيابهم، دون أن يتخيل أحد أن يأتي يوم تنتهي فيه حكايته خلف باب غرفة متواضعة، بعيدًا عن أعين الجميع، دون أن يشعر أحد برحيله.
في نهاية موجعة، عُثر على جثمان عم مصطفى داخل غرفة خلف أحد محال السوبر ماركت، بعد نحو ستة أيام من وفاته.
وقال شاهد عيان لـ"تليجراف مصر"، إنه بعدما بدأت رائحة الجثمان تنتشر في المكان، لتكشف عن مأساة إنسان عاش أيامه الأخيرة وحيدًا، حتى غاب عن الدنيا دون أن ينتبه أحد إلى غيابه.
يروي بخيت، أحد شهود العيان، أن صاحب السوبر ماركت أبلغ قسم الشرطة بعدما انتشرت الرائحة في المكان، لتنتقل الأجهزة الأمنية إلى موقع البلاغ، ويصل رجال البحث الجنائي والطب الشرعي لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وبحسب المعلومات المتداولة، أشارت التقديرات الأولية إلى أن الوفاة نتجت عن هبوط حاد في الدورة الدموية، فيما لم تتوافر تفاصيل مستقلة تؤكد ملابسات الوفاة كاملة.
وبعد انتهاء الإجراءات، حضر رجال الإسعاف لنقل الجثمان، لكن انتفاخه صعّب عملية حمله، فاضطر الأهالي إلى التعاون في نقله، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الحزن بالصدمة، بعدما وجدوا أنفسهم أمام نهاية قاسية لرجل اعتادوا رؤيته بين الناس، ولم يتخيلوا أن تكون أيامه الأخيرة بهذه الصورة.
_2870_201349.jpeg)
لم يكن المشهد مجرد خبر عن وفاة رجل مسن، بل حكاية إنسانية مؤلمة عن الوحدة، حين يمر الوقت على إنسان غائب، دون أن يطرق أحد بابه أو يسأل عن أحواله، حتى يصبح اكتشاف رحيله أكثر قسوة من خبر وفاته نفسه.

لكن أكثر ما أثار التساؤلات في حكاية عم مصطفى، ما ذكره شاهد العيان بشأن أسرته؛ إذ قال إن الراحل لديه ثلاثة أبناء يعملون أطباء، من بينهم من يعمل في المجال الجامعي، بينما كان يعيش بمفرده داخل غرفة متواضعة.
لكن بعيدًا عن الأسماء والمهن والمناصب، تبقى الصورة التي تركتها الحكاية في نفوس من عرفوها موجعة؛ رجل أفنى سنوات من عمره، ثم وجد نفسه، بحسب رواية الشاهد، يعيش وحده، قبل أن يرحل في صمت، ولا يُكتشف غيابه إلا بعد أيام.
وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يمكن أن يغيب إنسان عن الحياة، وتمر أيام دون أن ينتبه أحد إلى غيابه؟
ليس السؤال اتهامًا لأسرة بعينها، ولا محاولة للحكم على أشخاص دون معرفة الحقيقة، لكنه دعوة للتأمل في مصير كبار السن الذين قد يعيش بعضهم بعيدًا عن أبنائهم أو أقاربهم، وتتحول وحدتهم مع مرور الوقت إلى معاناة لا يراها أحد.
فالأب الذي يحتاج إلى السؤال والاطمئنان لا تكفيه مكانة أبنائه أو نجاحهم، كما لا تكفيه الكلمات الطيبة إذا غاب الحضور وقت الحاجة. أحيانًا، كل ما يحتاج إليه هو مكالمة قصيرة، أو زيارة عابرة، أو يد تمتد إليه لتشعره بأنه ما زال حاضرًا في حياة من حوله.
وبعد النهاية التي تركت الحزن والأسئلة، جاءت لفتة إنسانية مؤثرة، حين نادى مؤذن أحد المساجد المجاورة لإقامة صلاة الغائب على عم مصطفى عقب صلاة العشاء، في المسجد القريب من محل إقامته بمنطقة المرج، بمدينة التوحيد، المتفرعة من شارع الجمهورية، خلف بلزيمة الإمارات، بحسب المعلومات التي نقلها الأهالي، وكان الدعاء هو ما تبقى لمن أرادوا توديع الرجل، بعدما انتهت حكايته بطريقة لم يتمنَّ أحد أن تكون نهايتها.
مشهد يحمل الكثير من المعاني؛ فبينما رحل عم مصطفى بعيدًا عن الأنظار، اجتمع آخرون للدعاء له، وكأن الحكاية التي بدأت بغياب لم يلحظه أحد، انتهت بنداء يذكّر الجميع بأن وراء كل وجه اعتادوا رؤيته قصة، ووراء كل إنسان احتياجات ومشاعر لا ينبغي أن تُترك للنسيان.
قد لا نعرف كل تفاصيل حياته، ولا ما مر به من ظروف، لكن حكايته تفتح بابًا مهمًا للحديث عن الوحدة التي قد تحاصر بعض كبار السن، وعن مسؤوليتنا جميعًا في ألا يتحول الغياب إلى أمر لا يكتشفه أحد إلا بعد فوات الأوان.
فليس كل من يعيش بمفرده يشعر بالوحدة، وليس كل من يبتعد عن أسرته متروكًا، لكن الاطمئنان والسؤال والمتابعة تظل أمورًا لا ينبغي الاستهانة بها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمن تقدم بهم العمر وأصبحوا أكثر احتياجًا إلى الرعاية والاهتمام.
ربما لم يكن عم مصطفى ينتظر الكثير من الدنيا، وربما كانت أمنياته أبسط مما يتخيل الآخرون، لكن حكايته تذكّرنا بأن الإنسان، مهما تقدم به العمر، يظل بحاجة إلى من يسأل عنه، ومن يلاحظ غيابه، ومن يشعره بأن وجوده ما زال يعني شيئًا.
اقرأ أيضا:
بليغ حمدي.. الموسيقار الذي رحل جسده وبقيت ألحانه في ذاكرة الأجيال
27 أكتوبر 2026 09:59 م
27 أكتوبر 2026 09:02 م
27 أكتوبر 2026 08:47 م
27 أكتوبر 2026 08:14 م
أكثر الكلمات انتشاراً