الخميس، 29 أكتوبر 2026

09:37 م

الخميس، 29 أكتوبر 2026

09:37 م

سامي عبد الراضي يكتب: الوجه الآخر لـ أحمد سعد

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن أحمد سعد في عام 2004.. اتّصل بي في ذلك الوقت رئيس نيابة الهرم المستشار أشرف صلاح إسماعيل: "فيه جثة لشاب لقيناها في شقة مأجّرها مطرب كده اسمه أحمد سعد".. وتابعنا القصة حينها ونشرت التفاصيل في المصري اليوم.. وتم التحقيق مع أحمد بوصفه صاحب المكان، والقتيل كان يخدم في الشقة أو يديرها.. ولم أنس حتى كتابة هذه السطور ما كتبه الصحفي الكبير في الأهرام محمد شمروخ: "القتيل في شقة أحمد سعد كانت عين له مغلقة والثانية مفتوحة.. هكذا أوصوه في الصعيد عندما جاء.. لا تنام وعنيك الاتنين مقفولين.. خليك ديب.. واحدة مفتوحة وواحدة مقفولة.. ويبدو أنه سمع بالنصيحة ونفّذها حتى بعد الموت".. مباحث الهرم وصلت إلى القاتل وهو أحد المترددين على الشقة من الأصدقاء، وقتل ليسرق وقاومه الشاب الصعيدي حتى الموت.

نعود لـ أحمد سعد، والذي بدأ يلمع واستضفناه بعدها بـ3 سنوات في برنامج 90 دقيقة في قناة المحور مع معتز الدمرداش 2008.. ووجدت عملاقاً قادما وصوتاً عظيماً وهو يبتهل وقد دخل تحدي على الهواء أو قل "دويتو ودندنة" مع المبتهل صاحب الصوت العريض والقوي الشيخ منتصر الأكرت.. وكانت ليلة رمضانية ممتعة بين سعد ومنتصر.. هذا نفس طويل وهذا نفس طويل.. هذا يبتهل والثاني يرد.. وهنا يشاركان بصوت واحد وفي نفس واحد وعظمة واحدة.. ما هذا السحر؟!

مرّت فترة طويلة وظهر دكان شحاتة للمخرج خالد يوسف وغنّى أحمد سعد وأبكانا من شعر عمنا جمال بخيت، واللي كانت متفصّلة على المقاس لمصر: "مش باقي مني غير شوية ضي في عينيا.. أنا هديهملك وامشي بصبري في الملكوت.. يمكن في نورهم تلمحي خطوة.. تفرق معاكي بين الحياة والموت".. وغنّاها سعد ملحمة لن يمحوها الزمان.

أحمد، هذا الموهوب والمسحور.. ملحن وصوت شجي لا مثيل له.. لا شبيه لبصمة هذا الصوت ولا قدراته ولا مساحته.. تبكي معه وتفرح معه و"يتحرق قلبك" معه.. ولكن ما هذه النسخة أو "الموديل" لأحمد سعد.. موديل “الخفة”.. وأعني بها خفيف الظل وأعني بها أيضاً إنه “مش تقيل”.. يمزح هنا ويلقي "نكت" هناك، ويدخل الفرح “يقلبه” ويتسلم كارنيه نقابة المهن التمثيلية ويحول الحدث لـ"فقرة كوميدية".. 

ترى فيه علي ربيع وإسماعيل ياسين.. وللأمانة “دمه خفيف”.. روحه حلوة، هل مطلوب من المطرب أن يكون “أوبرالي”.. بدلة وكرافت والناس تصفق له وشكراً.. هل مطلوب منه إنه “من البيت للاستوديو ومن الاستوديو لـ البيت”.. أظن لأ.. فقد كان عبد الحليم حافظ خفيف الظل .. استمع له في جلسة مع الشاعر عبد الوهاب محمد والأخير ينظم كلمات أغنية “مخاصمني بقاله مدة”.. سوف تتأكد إنه “فقري”.. استمع لمكالمته التليفونية الشهيرة مع محمد عبد الوهاب.. وهو يقول “آلووووووو” ويرد عبد الوهاب "آلووووو".. وتشعر أن المكالمة تمت في 2020 وليس عمرها 60 عاماً.. 

هل مطلوب من المطرب أو أحمد سعد إنه يروح الفرح ويغنّي ويمشي.. أظن لأ.. فقد اعتاد الجميع عروس.. عريس.. معازيم..  على ”خطفة أحمد سعد وعلى هزاره" وإنه يقلب الفرح.. ولكن "تنطيط سعد وخفته" تجعله مطرب كبير إلا “حتة صغيرة”.. يفقد جزءا كبيرا من مكانته بهذه الحركات والقصص ولكنها بكل أسف “متطلبات العصر والسوشيال ميديا وشباب اليومين دول”.. ولا أعرف هل نلوم صاحب هذا الصوت أم نصمت ونتابع كل مقتنياته وتحفه في صمت.

ما جعلني أكتب عن أحمد سعد هو ألبومه الساحر والمبهر “الموسيقى العربية”.. كلمات وألحان وإخراج وعظمة و"دغدغة" لقلوب ومشاعر.. بشكل لم نعهده في السنوات الأخيرة.. لا هوه عمرو دياب بأغنية “كلمتين وبس”.. ولا هو حتى شيرين ولا أصالة.. 

هو نسخة خاصة متفردة.. نسخة تعود بك مستخدماً آلة الزمن وتجد نفسك بين مطربين كبار بحق.. تجده بهذا الألبوم ينتج طرباً وغناء افتقدناه سنووااااات طويلة.. تجد عظمة ومقامات و"تقسيم" ومعلمة وإبهار.. تجد بحق أن أحمد سعد أخذك من يدك وعاد بنا إلى زمن جميل.. 

يخطفك بـ"آه من الغياب.. كان البعاد عنك مجنني.. آه مجنني.. غابت عنيك.. غابت وطال الليل.. من شوقي ليك يا حبيبي يا حبيبي أنا شفت الويل".. ومنها تنتقل لـ “إطمن.. يا اللي بعيد أو عن عيني.. عمر البعاد ما قساني.. عمر الوقت ما نساني”.

تسمع وتستمتع وتسأل نفسك.. هل هذا أحمد سعد “بتاعنا”.. هل هذا أحمد سعد “بتاع التهريج”، “بتاع النكت وعمرو أديب”.. ده “بتاع التنطيط”.. تدور برأسك كل هذه الأسئلة.. وتقول هل هذا عيب أحمد سعد.. ولا عيب هذا الزمن الذي نعيش فيه.. بـ"خوارزمياته وسلطانه"، ويجبرنا على الصمت وأن ننجرف لمتطلباته رغم إمكانيات لا نظير لها لواحد مثل أحمد سعد.. عموماً.. لمن يمتلكون أذناً موسيقية، ويبحثون عن طرب أصيل، ويرغبون في العيش لحظات مع زمننا الجميل فليستمعوا له.. ومن يرغب في متابعة سعد "الخفيف وبتاع التنطيط والنكت" فستجدونه قريباً في فرح ما بجوار عروسة ما وينادي على والد العريس ويصرخ في المعازيم: “إيه اليوم الحلو ده”!

search