الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026
09:30 م
جنود الجيش الروسي
تواصل روسيا اعتماد استراتيجية الاستنزاف البشري على جبهات القتال في أوكرانيا، عبر الدفع بموجات متتالية من الجنود إلى خطوط المواجهة، في تكتيك بات يُعرف باسم “المفرمة البشرية”، حيث تتحول أعداد المقاتلين إلى وقود للهجمات الروسية المتواصلة، حتى مع سقوط خسائر بشرية ضخمة.
وفي أحدث مؤشر على التكلفة الباهظة لهذه الاستراتيجية، أعلنت أوكرانيا أن قواتها نجحت في إخراج أكثر من 2500 جندي روسي من القتال، بين قتيل وجريح، خلال 24 ساعة فقط، في الأول من نوفمبر، مسجلة بذلك أعلى حصيلة خسائر يومية للقوات الروسية منذ بدء الغزو الشامل في فبراير 2022، وفق البيانات الأوكرانية، وفقًا لوسائل إعلام أوروبية.
وبحسب البيانات التي أعلنتها كييف، تكبدت القوات الروسية أكثر من 2500 إصابة بين قتلى ومصابين على جبهات القتال المختلفة خلال يوم واحد، متجاوزة الرقم القياسي السابق الذي أُعلن عنه في 22 أكتوبر.
هذه الأرقام تعكس حجم الاستنزاف البشري الذي تتعرض له القوات الروسية في ظل استمرار العمليات الهجومية، خصوصًا مع اعتماد موسكو على الضغط العسكري المتواصل بدلًا من الاكتفاء بالعمليات المحدودة أو التقدم التدريجي.
ولا تقتصر خطورة هذه الخسائر على عدد القتلى والمصابين، بل تمتد إلى تأثيرها على قدرة الجيش الروسي في تعويض الوحدات المنهكة، وإعادة تشكيل القوات، والحفاظ على الكفاءة القتالية على امتداد خطوط الجبهة.
ذكرت وسائل إعلام أجنبية أن روسيا تستخدم استراتيجية تسمى “المفرمة”، حيث تقوم الاستراتيجية على مواصلة الهجوم بأعداد متتالية من مجموعات المشاة الصغيرة، التي تُدفع نحو المواقع الأوكرانية بهدف كشف نقاط الدفاع والتحصينات وتحديد مواقع إطلاق النار، قبل أن تتبعها موجات قتالية أخرى لاستغلال المعلومات التي جرى الحصول عليها.
وتشير التقارير المتعلقة بالتكتيكات الروسية إلى استخدام مجندين جدد ومقاتلين سابقين، بينهم أشخاص جرى تجنيدهم من السجون، ضمن هذه الهجمات، مع قبول مستويات مرتفعة من الخسائر البشرية مقابل تحقيق تقدم ميداني، حتى وإن كان محدودًا.
وبهذا الأسلوب، تتحول القوة البشرية إلى أداة لاستنزاف الدفاعات الأوكرانية، إذ لا تتوقف الهجمات بالضرورة عند سقوط المجموعة الأولى، وإنما تستمر محاولات التقدم بمجموعات جديدة، في محاولة لإرهاق المدافعين وإجبارهم على استهلاك ذخائرهم ومواردهم القتالية.
لا تنفصل هذه الاستراتيجية عن الحسابات السياسية والعسكرية للكرملين، إذ تسعى موسكو إلى انتزاع أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الأوكرانية، خصوصًا في شرق البلاد، قبل أي مسار تفاوضي محتمل لإنهاء الحرب.
وتراهن القيادة الروسية على أن استمرار الضغط العسكري وتحقيق مكاسب ميدانية، حتى بتكلفة بشرية مرتفعة، قد يمنحها أوراق قوة إضافية على طاولة المفاوضات، ويضع أوكرانيا أمام خيارات أكثر صعوبة في ظل تراجع مواردها البشرية والعسكرية.
وتكشف هذه المعادلة عن استعداد روسي لتحمل خسائر كبيرة مقابل الحفاظ على زخم العمليات الهجومية، بما يجعل السيطرة على الأرض أولوية تتقدم في بعض الأحيان على تقليل الخسائر داخل صفوف القوات.
وتشير تقديرات بحثية مستقلة ومعلومات استخباراتية غربية، وفق المعطيات الواردة في التقارير، إلى أن إجمالي الخسائر الروسية، بين قتلى وجرحى، تجاوز 1.4 مليون شخص منذ بداية الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، وفقًا لوسائل إعلام أجنبية.
ورغم ضخامة هذه الحصيلة، لا تواجه موسكو حتى الآن عجزًا كاملًا عن تعويض قواتها، إذ تشير التقديرات إلى قدرتها على تجنيد نحو 30 ألف مقاتل جديد شهريًا، مستفيدة من تقديم مكافآت مالية كبيرة للراغبين في الالتحاق بالجيش، إلى جانب استقطاب مجندين من المناطق الروسية النائية.
وتسمح هذه التدفقات البشرية للجيش الروسي بمواصلة تعويض جانب من خسائره والحفاظ على وجوده العددي على الجبهة، لكنها لا تعني بالضرورة الحفاظ على المستوى نفسه من الكفاءة القتالية.
تتمثل إحدى أبرز نتائج استراتيجية “المفرمة” في الفجوة المتزايدة بين القدرة على تجنيد أعداد جديدة من المقاتلين والقدرة على إعدادهم عسكريًا.
فمع استمرار الحاجة إلى إرسال تعزيزات بشرية إلى الجبهة، قد يصل بعض المجندين الجدد بمستويات تدريب وخبرة أقل من المطلوب، وهو ما ينعكس على أدائهم في المعارك ويزيد احتمالات تعرضهم للخسائر.
وبالتالي، تنجح روسيا في الحفاظ على تدفق بشري مستمر إلى خطوط المواجهة، لكن ذلك يأتي على حساب استنزاف الخبرات القتالية، وإضعاف جودة بعض الوحدات، وإدامة دائرة الهجمات والخسائر المتكررة.
في المقابل، لا تعني الخسائر الروسية المرتفعة أن أوكرانيا تحقق مكاسب دون تكلفة، فالهجمات المتواصلة تفرض ضغطًا بدنيًا ونفسيًا كبيرًا على القوات الأوكرانية، التي تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة موجات متكررة من المقاتلين.
ومع طول أمد الحرب، تتزايد صعوبة الحفاظ على المواقع الدفاعية لفترات طويلة، خصوصًا في ظل نقص القوى البشرية والإرهاق الذي يصيب الوحدات المقاتلة، وهو ما قد يدفع القوات الأوكرانية أحيانًا إلى الانسحاب من مواقع متقدمة أو محصنة لتجنب الوقوع تحت ضغط عسكري أكبر.
وهكذا، تتحول “المفرمة البشرية” إلى معادلة استنزاف متبادلة، تراهن فيها موسكو على تفوقها في القدرة على حشد المقاتلين واستمرار الهجوم، بينما تحاول كييف تقليل خسائرها والحفاظ على خطوط دفاعها، في حرب باتت فيها القدرة على تعويض الجنود والحفاظ على كفاءتهم عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المعارك.
03 نوفمبر 2026 07:10 م
03 نوفمبر 2026 02:56 م
02 نوفمبر 2026 06:57 م
02 نوفمبر 2026 04:21 ص
أكثر الكلمات انتشاراً