السبت، 07 نوفمبر 2026

01:40 م

السبت، 07 نوفمبر 2026

01:40 م

حكم تاريخي.. "الدستورية العليا" تتيح مقاضاة مركز القاهرة للتحكيم مدنيًا

المحكمة الدستورية العليا

المحكمة الدستورية العليا

في حكم قضائي بارز، رسمت المحكمة الدستورية العليا حدود الحصانة الدبلوماسية الممنوحة للمنظمات والمراكز الدولية داخل مصر، بعدما قضت بعدم قبول الدعوى المقامة طعنًا على دستورية قرار رئيس الجمهورية رقم 399 لسنة 1987، بشأن الموافقة على اتفاقية مقر مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، مؤكدة أن الحصانة المقررة للمركز لا تمنع مقاضاته في دعاوى المسؤولية المدنية، ولا تحول دون تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضده بشأن معاملاته الخاصة.

وقضت المحكمة، بجلستها المنعقدة اليوم السبت 7 نوفمبر 2026، برئاسة المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة، بأن الحصانة الدبلوماسية الممنوحة للمركز ليست مطلقة، ولا تمتد إلى المنازعات الناشئة عن المعاملات المدنية والتجارية الخاضعة للقانون الخاص.

الدستورية العليا: حصانة مركز القاهرة للتحكيم لا تمنع مقاضاته مدنيًا

وقالت المحكمة إن اتفاقية مقر مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي استوفت إجراءاتها الدستورية الشكلية، وفقًا لنص المادة 151 من دستور عام 1971، وتضمنت إقامة مقر دائم لمركز متخصص في التحكيم التجاري الدولي بالقاهرة، يتولى تنظيم أعمال التحكيم بصورة مؤسسية وفق قواعد خاصة تتناسب مع طبيعته الدولية.

وأضافت أن الأنشطة التي يباشرها المركز تتشابه مع الأعمال التي تقوم بها مراكز التحكيم التجاري الموجودة داخل الدولة المصرية، ومن ثم لا يجوز اعتبار الاتفاقية من الأعمال السياسية التي تنحسر عنها الرقابة الدستورية.

وأوضحت المحكمة أن ما تضمنته بعض نصوص الاتفاقية بشأن تمتع المركز وموظفيه بالمزايا والحصانات الدبلوماسية لا يغير من طبيعة هذه الأنشطة، إذ يقتصر نطاق تطبيق تلك الحصانات على علاقته بدولة المقر، وفقًا للضوابط القانونية الحاكمة لها.

الحصانة الدبلوماسية لم تعد مطلقة.. والمحكمة توضح الضوابط

وأكدت المحكمة أن الحصانة الدبلوماسية، وفقًا لمبادئ القانون الدولي العام، تمثل قيدًا استثنائيًا على سلطة القضاء في الدولة، إلا أن الفقه والقضاء الدوليين الحديثين استقرا على عدم إطلاق هذه الحصانة، وتحولها إلى حصانة نسبية أو مقيدة تستند إلى المعيار الوظيفي.

وأشارت إلى أن الحصانة تشمل التصرفات والأنشطة التي يباشرها الشخص الدولي في إطار وظائفه الرسمية، وفقًا لقواعد القانون الدولي، لكنها لا تمتد إلى التصرفات التي تدخل بطبيعتها ضمن نطاق أحكام القانون الخاص.

وأضافت أن تطور قواعد القانون الدولي أدى إلى إقرار المسؤولية المدنية للجهات الدبلوماسية عن أعمالها المدنية والتجارية، بما لا يجيز لها التمسك بالحصانة القضائية أمام المحاكم الوطنية عند نظر المنازعات المتعلقة بهذه الأعمال.

المحكمة تستند إلى اتفاقيات الأمم المتحدة بشأن الحصانة القضائية

واستندت المحكمة في حكمها إلى المبادئ الدولية المنظمة لحصانات المنظمات الدولية، مشيرة إلى أن أهلية المنظمة الدولية، باعتبارها أحد أشخاص القانون الدولي، لا ينبغي أن تتجاوز في نطاقها الحدود المقررة للدول.

ولفتت إلى أن منظمة الأمم المتحدة أقرت بدورها ضرورة عدم امتداد الحصانة القضائية إلى العقود التي تبرمها وتخضع لأحكام القانون الخاص.

وأوضحت أن المادة 29 من اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946 ألزمت المنظمة بتحديد وسائل مناسبة لتسوية المنازعات الناشئة عن العقود وغيرها من المنازعات ذات الطبيعة الخاصة التي تكون طرفًا فيها.

واعتبرت المحكمة أن هذا التنظيم يمثل اعترافًا بأهمية إتاحة آليات قانونية لتسوية المنازعات المتعلقة بالمعاملات الخاصة، وأن غياب آلية محددة لا يعني بالضرورة حرمان أصحاب الحقوق من اللجوء إلى القضاء الوطني، بما يتفق مع الحق في التقاضي المكفول بموجب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

كما أشارت إلى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية لعام 2004، التي تضمنت استثناءات من التمسك بالحصانة القضائية في المنازعات المرتبطة بالأنشطة المدنية والتجارية، بما يتيح مساءلة الدول أمام المحاكم المختصة عن مسؤوليتها المدنية الناشئة عن تلك الأنشطة.

القضاء المصري يختص بنظر دعاوى المسؤولية المدنية ضد المركز

وخلصت المحكمة إلى أن النزاع المعروض يتعلق بالمسؤولية المدنية لمركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي عن سداد أتعاب التحكيم المستحقة لمحكمين تعاملوا معه.

وأكدت أن الحصانة من الإجراءات القانونية المقررة للمركز بموجب المادة 4، الفقرتين (أ) و(ب)، من اتفاقية المقر، لا تشمل دعاوى المسؤولية المدنية، سواء كانت عقدية أو تقصيرية، الناشئة عن المعاملات التي تخضع للقانون الخاص بين المركز والغير.

وشددت على أن هذه الحصانة لا تحول كذلك دون تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد المركز بشأن تلك المعاملات، وفقًا للتفسير الصحيح لأحكام اتفاقية المقر.

وبناءً على ذلك، أكدت المحكمة أن محكمة الموضوع تملك المضي في نظر الدعوى المنظورة أمامها والفصل فيها، دون أن تشكل الحصانة الدبلوماسية المقررة لمركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي عائقًا أمام ممارسة القضاء المصري لاختصاصه في منازعات المسؤولية المدنية.

اقرأ أيضًا:

قرار جمهوري بتعيين 4 مستشارين نوابا لرئيس المحكمة الدستورية العليا

search