الأحد، 08 نوفمبر 2026
02:46 م
العدوان الثلاثي على مصر
تكشف تغطية صحفية لـ “الجارديان” البريطانية لأزمة السويس عام 1956 عن موقف صحفي معارض للعدوان الثلاثي على مصر؛ إذ تبنت الصحيفة منذ بداية الأزمة خطًا تحريريًا رافضًا لاستخدام القوة العسكرية ضد القاهرة عقب قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.
ووصفت الصحيفة التدخل البريطاني الفرنسي بأنه كارثة أخلاقية وسياسية وعسكرية، رغم الضغوط الحكومية والانتقادات الشعبية التي واجهتها الصحيفة، في وقت تصاعدت فيه المواجهة العسكرية وانتهت بوقف إطلاق النار تحت ضغط دولي، لتظل تغطيتها شاهدًا على دور الصحافة في مساءلة السلطة وكشف تداعيات القرارات السياسية والعسكرية.
وجاءت هذه التغطية في وقت تصاعدت فيه المواجهة العسكرية بمشاركة إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، قبل أن تنتهي بوقف إطلاق النار في 6 نوفمبر 1956، تحت ضغط دولي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
في 26 يوليو 1956، أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، التي كانت مشروعًا بريطانيًا فرنسيًا مشتركًا يتولى إدارة القناة منذ افتتاحها عام 1869، وهو القرار الذي اعتبرته بريطانيا وفرنسا تهديدًا لمصالحهما ونفوذهما في المنطقة، لتبدأ بعدها أزمة سياسية وعسكرية انتهت بالعدوان الثلاثي على مصر.

وفي 29 أكتوبر 1956، اجتاحت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء، وبعد يومين، شنت بريطانيا وفرنسا حملة قصف مشتركة استهدفت مواقع عسكرية مصرية، في إطار تحرك عسكري منسق مع إسرائيل بهدف السيطرة على منطقة قناة السويس.
لكن في 6 نوفمبر من العام نفسه، وتحت ضغط دولي مكثف، لا سيما من جانب الولايات المتحدة، وافقت بريطانيا وفرنسا على وقف إطلاق النار الذي دعت إليه الأمم المتحدة، لتنتهي العمليات العسكرية وتبدأ مرحلة جديدة من التحركات الدولية لإنهاء الأزمة.
منذ بداية الأزمة، اتخذت صحيفة “الجارديان” موقفًا معارضًا لاستخدام القوة العسكرية ضد مصر، وذلك في عهد رئيس تحريرها آنذاك أليستر هيذرينغتون، الذي قاد توجهًا تحريريًا انتقد السياسات البريطانية تجاه القاهرة.
وأدانت الصحيفة الإنذار الذي وُجه إلى مصر للمطالبة بانسحاب قواتها من منطقة القناة، ووصفته بأنه “عمل أحمق لا مبرر له”، كما نشرت في افتتاحيتها يوم 5 نوفمبر 1956 انتقادات حادة للإجراءات العسكرية، ووصفتها بأنها “خاطئة بشكل فظيع وغير أخلاقية على الإطلاق”.
أثارت التغطية النقدية التي نشرتها “الغارديان” بشأن الغزو العسكري لمصر استياءً شديدًا لدى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أنتوني إيدن، الذي وصل اعتراضه على موقف الصحيفة إلى محاولة منع هيئة الإذاعة البريطانية “BBC” من الاقتباس مما تنشره، فضلًا عن مطالبته بمنع مراسل الصحيفة للشؤون الدبلوماسية، ريتشارد سكوت، من الظهور على شاشات التلفزيون.
وطالت الصحيفة حالة من عدم القبول لصحفييها في الشارع البريطاني، امتدت ردود الفعل الغاضبة إلى مقر الصحيفة في لندن؛ حيث تعرضت إحدى النوافذ الزجاجية بمكتبها في شارع فليت للتحطيم، في واقعة عكست حجم التوتر الذي صاحب التغطية الإعلامية للأزمة.
ونشرت الصحيفة في 27 يوليو 1956 تقريرًا عن إعلان الرئيس جمال عبد الناصر قرار الحكومة المصرية تأميم شركة قناة السويس، وتخصيص عائدات القناة، التي قدرت بنحو 100 مليون دولار سنويًا، لتمويل بناء السد العالي في أسوان.

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا قد سحبتا خلال الأسبوع السابق عروضهما الخاصة بتمويل مشروع بناء السد العالي، كما أوضح أن بريطانيا كانت أكبر مساهم منفرد في شركة قناة السويس، إذ كانت تمتلك سبعة أسباع أسهمها، وفقًا لما ورد في التقرير.
ولفتت الصحيفة إلى أن امتياز الشركة كان يمتد لمدة 99 عامًا، وكان من المقرر أن ينتهي بعد 13 عامًا من تاريخ التأميم، لتعود بعدها إدارة القناة وامتيازها إلى مصر.
وفي تقرير نشرته في الأول من نوفمبر 1956، تناولت الصحيفة الضربات الجوية التي شنتها القوات البريطانية والفرنسية على عدد من المطارات المصرية، مشيرة إلى أن قاذفات الحلفاء نفذت هجمات مكثفة خلال الليلة السابقة استهدفت أربعة مطارات عسكرية، اثنان بالقرب من القاهرة واثنان في منطقة قناة السويس.
وأوضح التقرير أن طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني المشاركة في الهجمات شملت قاذفات “فيكرز فاليانت”، التي تنتمي إلى الجيل الأول من القاذفات النفاثة البريطانية من الفئة V، وطائرات “إنجلش إلكتريك كانبرا”، كما أشار إلى إعلان أهداف الهجوم في وقت متأخر من الليلة السابقة.

ونقلت الصحيفة تصريحًا لمتحدث باسم الأميرالية البريطانية، أفاد بأن الطراد “نيوفاوندلاند”، الذي كان يشارك في مهام حماية السفن بخليج السويس، اعترض فرقاطة مصرية خلال الليلة السابقة، بعدما لم تستجب لنداء التحدي ولم تتوقف استجابة لطلب التوقف، ما أدى إلى إغراقها ونقل الناجين إلى متن الطراد البريطاني.
وفي افتتاحيتها المنشورة في الأول من نوفمبر 1956، وجهت الصحيفة انتقادات حادة للسياسة البريطانية تجاه مصر، مؤكدة أن ملايين البريطانيين يشعرون بالصدمة إزاء النهج العدواني الذي تتبعه الحكومة.
واعتبرت الصحيفة أن الهجوم العسكري على مصر يمثل كارثة من الدرجة الأولى، وأنه خطأ من جميع النواحي الأخلاقية والعسكرية والسياسية، مشيرة إلى أن التدخل العسكري ألحق ضررًا كبيرًا بسمعة بريطانيا، وأثر على مكانتها داخل حلف “الناتو” والأمم المتحدة، فضلًا عن انعكاساته السلبية على فرص تحقيق الازدهار الاقتصادي البريطاني.
وحذرت الافتتاحية من أن التعافي من تداعيات هذه الكارثة قد يستغرق سنوات، وربما لا يكون ممكنًا، معتبرة أن الحكومة البريطانية أمرت بشن هجوم عسكري على دولة أخرى دون مبرر.
وفي 7 نوفمبر 1956، نشرت الصحيفة تقريرًا بعنوان “انتهاء القتال في مصر: توقف قوات التحالف على بعد 30 ميلًا جنوب بورسعيد”، تناولت فيه تطورات وقف إطلاق النار وتحركات القوات البريطانية والفرنسية.
وأشار التقرير إلى أن القتال في مصر توقف عند منتصف الليل، تنفيذًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه رئيس الوزراء البريطاني أمام مجلس العموم قبل ست ساعات، موضحًا أن قوات التحالف واصلت تقدمها طوال اليوم السابق انطلاقًا من بورسعيد، قبل ورود أنباء عند منتصف الليل عن وصولها إلى منطقة تقع خلف القنطرة، على مسافة 30 ميلًا جنوب بورسعيد.
ونقل التقرير عن رئيس الوزراء البريطاني قوله إن وقف إطلاق النار مشروط بموافقة مصر وإسرائيل، وألا تتعرض قوات التحالف للهجوم، فيما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة في نيويورك استعداده لتقديم الموافقة المطلوبة.
وفي تقرير آخر نشرته الصحيفة في 7 نوفمبر 1956 بعنوان “موقف رئيس الوزراء في خطر: هز الرؤوس بين المحافظين”، تناولت التداعيات السياسية لقرار وقف إطلاق النار داخل حزب المحافظين البريطاني، وحالة الانقسام بين مؤيدي رئيس الوزراء أنتوني إيدن والمعارضين لقراره بالتدخل العسكري في مصر.
وأوضح مراسل الصحيفة للشؤون السياسية أن قرار الحكومة خضع لمراجعة دقيقة من جانب مؤيدي إيدن، الذين كانوا يرغبون في مواصلة العمليات العسكرية داخل مصر، وكذلك من جانب الذين عارضوا منذ البداية الدخول في هذه المغامرة العسكرية.

وأشار التقرير إلى أن عددًا من المحافظين أبدوا استياءهم من الظروف التي دفعت الحكومة إلى إصدار قرار وقف إطلاق النار، معتبرين أن التطورات التي انتهت إليها الأزمة لم تكن الأهداف التي وضعتها الحكومة في بداية تدخلها العسكري.
كما نقل التقرير مخاوف بعض المحافظين من أن تنظر الدول العربية إلى نتائج المواجهة باعتبار أن إسرائيل تمكنت من هزيمة مصر، بينما استطاعت مصر إلحاق الهزيمة السياسية ببريطانيا، مع الإشارة إلى أن مدى تأثير هذه النتائج على الرأي العام العربي ظل أمرًا لم يُحسم بعد.
في المقابل، أعرب مؤيدو وحدة التحالف البريطاني عن ارتياحهم لتراجع الحكومة عن سياسة استعداء الولايات المتحدة، كما رحبوا بالقرار الذي جنب بريطانيا خطر استمرار وجود قواتها ومعداتها العسكرية عالقة في منطقة الشرق الأوسط إلى أجل غير محدد، في ظل تصاعد التوتر مع الاتحاد السوفيتي.
وفي 7 نوفمبر 1956، نشرت الأمم المتحدة قوة طوارئ دولية في مصر؛ بهدف وقف النزاع والمساعدة في تثبيت وقف إطلاق النار، لتبدأ بعدها ترتيبات الانسحاب وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي.
واحتفظت مصر بملكية وسيادة قناة السويس عقب الأزمة، وفي أبريل 1957، أُعيد فتح القناة أمام حركة الملاحة الدولية، بعد إزالة آثار العدوان والعوائق التي تسببت في توقف حركة السفن.
وعلى الرغم من المخاوف التي أثيرت بشأن احتمالية تراجع توزيع صحيفة «الغارديان» نتيجة موقفها التحريري المعارض للتدخل العسكري البريطاني في مصر، فإن النتائج جاءت على عكس التوقعات، إذ لم تشهد الصحيفة الانخفاض الحاد الذي كان يخشاه البعض، بل سجلت زيادة في مبيعاتها، لا سيما في جنوب المملكة المتحدة.
وعكست هذه التجربة جانبًا من دور الصحافة البريطانية في تغطية أزمة السويس، حيث واصلت “الغارديان” انتقادها للسياسة الحكومية والتدخل العسكري، رغم الضغوط السياسية والانتقادات الشعبية، لتصبح تغطيتها لأحداث عام 1956 واحدة من المحطات البارزة في تاريخ الصحيفة وتناولها للقضايا الدولية.
اقرأ أيضًا:
السفن العملاقة تعود.. قناة السويس تسجل أعلى حمولة منذ أزمة البحر الأحمر
08 نوفمبر 2026 02:33 م
08 نوفمبر 2026 10:54 ص
08 نوفمبر 2026 10:37 ص
08 نوفمبر 2026 10:06 ص
أكثر الكلمات انتشاراً