الإثنين، 09 نوفمبر 2026
01:46 ص
حادث قطار العياط
يبدو أن كارثة قطار الصعيد عام 2002 لم تكن مجرد حادث حريق في رحلة متجهة إلى أسوان، وإنما كانت بداية لسجل طويل من حوادث السكك الحديدية التي شهدها مركز العياط بمحافظة الجيزة، وتنوعت بين تصادم القطارات، وخروج العربات عن القضبان، وحوادث المزلقانات، ودهس المواطنين أثناء عبورهم شريط السكة الحديد.
فمنذ وفاة مئات الركاب في حريق القطار رقم 832، الذي كان يقل مسافرين عائدين إلى أسرهم لقضاء عيد الأضحى، شهدت المنطقة حوادث متعاقبة، بعضها حصد عشرات الأرواح، وبعضها ترك خلفه ضحايا بأعداد أقل، لكنها جميعًا أعادت طرح تساؤلات بشأن إجراءات السلامة وكفاءة التشغيل وتأمين حركة القطارات.
وكانت العياط على موعد مع حادث جديد في 8 نوفمبر 2026، إثر تصادم قطار متجه إلى الفيوم بمؤخرة قطار القاهرة - أسوان بمنطقة جرزا، في واقعة أسفرت، بحسب أحدث بيانات النيابة العامة المتاحة، عن وفاة 7 أشخاص وإصابة 125 آخرين.
ولم يكن الحادث الأخير أول تصادم تشهده المنطقة بين القطارات؛ إذ سبقه تصادم قطاري بضائع بمحطة البليدة في سبتمبر الماضي، فضلًا عن واقعة مشابهة عام 2009، عندما اصطدم قطار بآخر متوقف على القضبان، وأسفر الحادث عن سقوط قتلى ومصابين.
وتفتح هذه الوقائع ملف حوادث القطارات في العياط، بداية من كارثة 2002، مرورًا بأبرز الحوادث التي شهدتها المنطقة حتى نوفمبر 2026، لرصد ملابسات كل واقعة، وحصيلة ضحاياها، وما انتهت إليه التحقيقات والمحاكمات.
في الساعات الأولى من صباح 20 فبراير 2002، كان القطار رقم 832 يشق طريقه من القاهرة إلى أسوان، وعلى متنه آلاف الركاب الذين استقلوه للسفر إلى محافظات الصعيد وقضاء عيد الأضحى مع أسرهم.
لكن الرحلة لم تصل إلى نهايتها؛ إذ اندلعت النيران في إحدى عربات القطار أثناء مروره بمنطقة العياط، قبل أن تمتد إلى عربات أخرى، وسط تكدس شديد وصعوبة خروج الركاب من العربات المشتعلة.
ومع انتشار النيران والدخان، حاول بعض الركاب النجاة بالقفز من النوافذ، بينما حاصرت ألسنة اللهب آخرين داخل العربات، في واحدة من أكثر حوادث السكك الحديدية دموية في مصر.

ووفقًا لأوراق القضية، تضمنت لائحة الاتهام وفاة 361 شخصًا وإصابة 66 آخرين، فيما اقترب عدد ركاب القطار، بحسب التحقيقات، من 4 آلاف راكب.
وأظهرت التحقيقات أوجه قصور في إجراءات السلامة ومكافحة الحرائق، من بينها وجود طفايات غير صالحة للاستخدام، إلى جانب عدم إيقاف القطار بالسرعة اللازمة بعد اندلاع الحريق، بينما ظلت نقطة بداية الاشتعال محل خلاف فني وقضائي.
وعقب الحادث، تقدم وزير النقل آنذاك إبراهيم الدميري باستقالته، وأُحيل 11 من العاملين بالسكك الحديدية إلى المحاكمة، على خلفية اتهامات بالإهمال والتزوير والتسبب في وفاة الركاب.
وفي 29 سبتمبر 2002، أصدرت محكمة جنايات الجيزة حكمها ببراءة المتهمين جميعًا، لعدم كفاية الأدلة لإثبات مسؤوليتهم الجنائية عن الحريق والوفيات.
ورغم انتهاء القضية بالبراءة، بقيت الكارثة واحدة من أبرز المحطات التي كشفت خطورة القصور في تجهيزات السلامة داخل القطارات.
في 24 أكتوبر 2009، شهدت منطقة كفر عمار بالعياط حادث تصادم بين قطارين، بعدما بدأت الواقعة باصطدام القطار رقم 152، المتجه من الجيزة إلى الواسطى، بجاموسة على القضبان.
وأدى الاصطدام إلى حدوث تلف بمنظومة الهواء الخاصة بالفرامل، ما تسبب في توقف القطار، لكن الإجراءات التي أعقبت توقفه لم تكن كافية لمنع وقوع كارثة جديدة.

فبعد بقاء القطار على القضبان، وصل القطار رقم 188 المتجه إلى أسيوط، واصطدم بمؤخرته، ما أسفر عن سقوط قتلى ومصابين.
وكشفت التحقيقات، التي استندت إلى تقرير لجنة فنية من أساتذة كلية الهندسة بجامعة القاهرة، عن وجود مخالفات وأوجه قصور في إجراءات التشغيل، من بينها تعطيل قائد القطار الثاني جهاز التحكم الآلي في السرعة المعروف باسم ATC، فضلًا عن عدم اتخاذ التدابير اللازمة لتأمين القطار المتوقف.
وتباينت الأرقام المنشورة بشأن ضحايا الحادث؛ إذ ذكرت بعض التغطيات سقوط 30 قتيلًا و58 مصابًا، بينما تضمنت أوراق التحقيق والمحاكمة 18 وفاة و36 إصابة.
وعلى المستوى السياسي، قدم وزير النقل محمد لطفي منصور استقالته في 27 أكتوبر 2009، بعد ثلاثة أيام من الحادث.
وفي يناير 2010، قضت محكمة جنح العياط بحبس ثمانية متهمين من العاملين بالسكك الحديدية، بعقوبات تراوحت بين ثلاث وسبع سنوات، قبل أن تخفف محكمة الجنح المستأنفة الأحكام في مارس من العام نفسه إلى مدد تراوحت بين ستة أشهر وثلاث سنوات، مع الحكم بالتعويض المؤقت.
وفي 4 نوفمبر 2010، اصطدم القطار رقم 82 القادم من القاهرة بسيارة نقل محملة بالطوب أثناء عبورها أحد المزلقانات بمركز العياط.
ولم يسفر الحادث، وفقًا للتغطيات الصحفية المتاحة، عن وقوع وفيات أو إصابات بشرية، لكنه تسبب في تعطيل حركة القطارات لحين التعامل مع آثار التصادم، ولم تتوافر معلومات منشورة عن صدور حكم قضائي نهائي بشأن الواقعة.
في الأول من أغسطس 2014، تحولت محاولة عدد من الركاب الوصول إلى وسيلة مواصلات بديلة إلى حادث مأساوي، بعدما تسبب عطل فني في توقف قطار قادم من الصعيد إلى القاهرة بالقرب من العياط.
وكان خمسة ركاب يستقلون القطار، وقرروا النزول والسير على القضبان في اتجاه المحطة، بحثًا عن وسيلة أخرى لاستكمال رحلتهم، لكن أثناء عبورهم فوجئوا بقطار آخر قادم في الاتجاه المعاكس.
وأسفر الحادث عن مصرع ثلاثة أشخاص وإصابة اثنين آخرين، وأمرت النيابة بدفن جثامين الضحايا وطلبت تحريات الشرطة، كما استدعت مسؤولين بهيئة السكك الحديدية لسماع أقوالهم بشأن ملابسات الواقعة.
من جانبها، أعلنت هيئة السكك الحديدية أن الحادث وقع نتيجة عبور الركاب من منفذ غير رسمي، مؤكدة ضرورة استخدام الأماكن المخصصة لعبور المشاة.
وأعاد الحادث طرح مسألة تأمين الركاب عند تعطل القطارات خارج المحطات، والإجراءات التي يتعين اتخاذها لمنع نزولهم إلى القضبان في ظل استمرار حركة القطارات.
وفي 17 يناير 2015، شهدت منطقة بمها التابعة لمركز العياط حادثًا آخر، بعدما اصطدم قطار ركاب بسيارة نقل، ما أدى إلى خروج القطار عن القضبان وإصابة ثلاثة أشخاص وفق الحصيلة الأولية.
وأرجعت هيئة السكك الحديدية الحادث، في بيان أولي، إلى اقتحام سائق سيارة النقل مزلقان كفر شحاتة رغم إغلاقه، ما تسبب في التصادم وخروج القطار عن مساره.
وعقب الواقعة، جرى إخلاء القطار من الركاب ونقل المصابين إلى المستشفى، فيما دفعت الهيئة بالمعدات اللازمة لرفع آثار الحادث وإعادة تشغيل حركة القطارات.
شهد عام 2016 ثلاث حوادث رئيسية في مركز العياط، أسفرت مجتمعة عن مصرع 14 شخصًا وإصابة 30 آخرين، إلى جانب واقعة منفصلة تمثلت في انفجار عبوة ناسفة بشريط السكك الحديدية.
في صباح 31 يناير 2016، اصطدم قطار متجه إلى الصعيد بسيارة ربع نقل كانت تعبر مزلقان قرية البليدة، ما أسفر عن مصرع سبعة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين.
وكان بين الضحايا أم وطفلاها، إلى جانب مدرس كان في طريقه إلى عمله وعدد من العمال.
وأثارت الواقعة تساؤلات حول حالة المزلقان وإجراءات تأمينه، خاصة مع تضارب الروايات بشأن تعطل جرس الإنذار وعدم إغلاق الحواجز، مقابل روايات أخرى حملت سائق السيارة مسؤولية اقتحام المعبر.
وفي فبراير 2017، أعلنت النيابة الإدارية إحالة أربعة من العاملين بالسكك الحديدية إلى المحاكمة التأديبية، بعد رصد مخالفات تتعلق بسرعة القطار في ظروف الشبورة، وتعطيل جهاز التحكم الآلي، وعدم الالتزام بإشارات التشغيل، إلى جانب قصور في إجراءات التحذير وتأمين المزلقان.
كما أوصت النيابة الإدارية بتطوير المزلقانات والإشارات وأنظمة الاتصال، ومراجعة المعابر المتقاربة.
وفي 7 سبتمبر 2016، وقعت حادثة جديدة بالقرب من قرية البليدة، بعدما انحرف جرار وعربتان من القطار رقم 80 المتجه من القاهرة إلى الصعيد عن مسارهما عند منطقة تحويلة، ما أدى إلى انقلابها.
وكان من بين ركاب القطار مسافرون يستعدون لقضاء إجازة عيد الأضحى مع أسرهم، لكن الحادث أسفر عن مصرع خمسة أشخاص وإصابة 27 آخرين.

وكشفت التحقيقات عن خلاف بين قائد القطار وعامل التحويلة بشأن المسؤولية عن الحادث؛ إذ ألقى كل منهما بالمسؤولية على الآخر.
وتناولت التحقيقات احتمال دخول القطار التحويلة بسرعة غير مناسبة، بينما قال قائد القطار إن إشارة التحويلة تأخرت.
وقررت النيابة حبس قائد القطار وعامل التحويلة أربعة أيام على ذمة التحقيقات، ووجهت إليهما اتهامات بالقتل الخطأ والإصابة الخطأ والإتلاف.
وفي آخر أيام عام 2016، وتحديدًا في 31 ديسمبر، اصطدم القطار رقم 974 بسيارة ميكروباص أثناء عبورها مزلقان قرية العطف بمركز العياط، ما أسفر عن وفاة شخصين كانا داخل السيارة.
وتضاربت الروايات الأولية حول أسباب الحادث وحالة المزلقان، إذ تحدثت رواية عن اقتحام السيارة للمعبر، بينما أشارت تحريات أخرى إلى وجود تقصير من جانب عامل المزلقان.
وأمرت النيابة بحبس عامل المزلقان أربعة أيام على ذمة التحقيق، فيما قررت صرف قائد القطار ومساعده بعد سماع أقوالهما.
وبالتزامن مع حوادث التشغيل والمزلقانات، شهدت منطقة منشأة فاضل بالعياط، في 12 يناير 2016، انفجار عبوة ناسفة بشريط السكك الحديدية أثناء مرور قطار بضائع.
وتسبب الانفجار في انفصال عربتين وإلحاق أضرار بالقضبان، دون إعلان خسائر بشرية.

وأمرت النيابة بتشكيل لجنة هندسية لفحص الخط وإصلاح الأضرار، إلى جانب طلب تقارير الأدلة الجنائية وخبراء المفرقعات لتحديد ملابسات الواقعة.
إلى جانب الحوادث الجماعية، شهدت العياط خلال السنوات التالية وقائع دهس متفرقة، راح ضحيتها مواطنون أثناء عبور شريط السكك الحديدية أو الاقتراب من مسارات القطارات.
ففي أغسطس 2017، سُجلت واقعتان منفصلتان لوفاة موظف وعامل إثر اصطدام قطارين بهما.
وفي 20 يونيو 2021، لقيت سيدتان مصرعهما أثناء عبور شريط السكك الحديدية بمنطقة جرزا، وبعد نحو أربعة أشهر، في 21 أكتوبر، لقي شاب مصرعه في حادث دهس بقرية العطف.
وخلال عام 2022، شهدت المنطقة عدة وقائع وفاة فردية في مارس ومايو وأغسطس، قبل أن تقع مأساة جديدة في سبتمبر، عندما لقي طالبان بالثانوية العامة مصرعهما أثناء عودتهما من درس خصوصي.
وكشفت التحريات أن الطالبين عبرا من فتحة غير رسمية في سور يفصل المنطقة السكنية عن شريط السكك الحديدية، بعدما أزال بعض الأهالي جزءًا من السور لاستخدامه ممرًا.
وفي يناير 2023، لقي شاب مصرعه إثر اصطدام قطار به بمحطة العياط، بينما شهد أغسطس من العام نفسه إصابة رجل ببتر في ساقه، بعدما سقط أسفل قطار أثناء محاولته النزول منه عند دخول المحطة.
وفي سبتمبر 2025، سُجلت وفاة شاب آخر في حادث دهس بالعياط.
وتكشف هذه الوقائع أن ملف السلامة في المنطقة لا يقتصر على حركة القطارات ذاتها، وإنما يمتد إلى تأمين مسارات المشاة، وإغلاق الفتحات غير الرسمية، وتوفير وسائل آمنة لعبور القضبان.
قبل حادث جرزا في نوفمبر 2026، شهد مركز العياط تصادمًا آخر بين قطاري بضائع، في 10 سبتمبر، داخل حوش محطة البليدة.
وأدى التصادم إلى خروج جرار وعربتين عن القضبان، وإصابة قائد قطار ومساعده، دون إعلان سقوط وفيات.
وأعلنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر الدفع بفرق الطوارئ والأوناش للتعامل مع آثار الحادث، فيما وجه وزير النقل بتشكيل لجنة فنية للوقوف على أسبابه وتحديد المسؤوليات.
وتطرح الواقعة تساؤلات بشأن نتائج الفحص الفني الذي أُجري عقب التصادم، ومدى تنفيذ التوصيات التي انتهت إليها اللجنة، خاصة مع وقوع حادث جديد بين قطارات الركاب في المنطقة نفسها بعد أقل من شهرين.
تكشف الوقائع السابقة أن الحوادث التي شهدتها العياط لم تقع بسبب عامل واحد؛ فبينما ارتبط حريق 2002 بمشكلات السلامة ومكافحة الحرائق، كشف تصادم 2009 عن أوجه قصور في تأمين القطارات المتوقفة وأنظمة التحكم، فيما تركزت حوادث أخرى حول المزلقانات والعبور غير الآمن.
وتبرز من مراجعة التحقيقات عدة ملفات رئيسية، في مقدمتها كفاءة الإشارات وأنظمة التحكم الآلي، والالتزام بإجراءات التشغيل، وتأمين القطارات عند تعطلها أو توقفها على القضبان.
كما تكشف حوادث المزلقانات ودهس المشاة عن أهمية تطوير المعابر، وإحكام الرقابة على الفتحات غير الرسمية، وتوفير مسارات آمنة للمواطنين في المناطق السكنية القريبة من خطوط السكك الحديدية.
وفي هذا الإطار، تكتسب توصيات النيابة الإدارية الصادرة عام 2017 أهمية خاصة، بعدما تضمنت تطوير الإشارات والاتصالات، وصيانة أجهزة التحكم، ومراجعة المزلقانات المتقاربة، وتدريب العاملين على إجراءات التشغيل والسلامة.
لكن تكرار الحوادث لا يعني بالضرورة أن العياط تستحوذ على غالبية حوادث القطارات في مصر؛ إذ لا تتوافر بيانات إحصائية تفصيلية منشورة تسمح بمقارنة معدلات الحوادث في المركز ببقية المناطق.
وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجلت مصر 170 حادث قطار خلال عام 2025، مقابل 220 حادثًا خلال عام 2024 بانخفاض نسبته 22.7%، وهي أرقام على مستوى الجمهورية لا تكشف بمفردها نصيب العياط من إجمالي الحوادث.
أعاد تصادم قطاري جرزا في 8 نوفمبر 2026 فتح ملف تأمين القطارات المتوقفة على القضبان، بعدما اصطدم القطار رقم 134 بالعربة الأخيرة للقطار رقم 2010 أثناء توقف الأخير في الاتجاه نفسه، وفق المعاينة الأولية للنيابة العامة.

وأسفر الحادث عن وفاة 7 أشخاص وإصابة 1 25آخرين، بحسب أحدث بيان للنيابة العامة أمكن الاطلاع عليه.
وأمرت النيابة بتشكيل لجنة فنية لفحص العربات والقضبان وأنظمة التشغيل والسلامة، للوقوف على الأسباب الفنية للتصادم وتحديد المسؤوليات، إلى جانب استكمال التحقيقات وسماع أقوال المصابين والشهود.
ورغم التشابه الظاهري بين حادث جرزا وحادث تصادم قطاري العياط عام 2009، فإن تحديد ما إذا كانت الأسباب الفنية أو أخطاء التشغيل قد تكررت يتوقف على نتائج التحقيقات الجديدة.
اقرأ أيضًا
بعد حادث العياط.. أول استجواب برلماني لوزير النقل عن مليارات التطوير
08 نوفمبر 2026 07:35 م
08 نوفمبر 2026 11:31 م
08 نوفمبر 2026 05:05 م
08 نوفمبر 2026 10:40 م
أكثر الكلمات انتشاراً