الخميس، 01 أكتوبر 2026
01:05 ص
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه الثقافات وتضطرب فيه القيم، لم يعد السؤال عن الهوية ترفًا فلسفيًا، بل ضرورة وجودية. “من أنا؟” لم تعد مجرد عبارة تأملية، بل صرخة داخلية تتردّد في أذهان آلاف الشباب العرب ممن يشعرون بأنهم “غرباء في أوطانهم”.
فما الذي يدفع الإنسان لفقدان هويته أو الشعور بالانفصال عن مجتمعه؟ ولماذا يُولد في بعض البيئات ما يشبه القطيعة النفسية بين الفرد وجذوره؟
تبدأ أزمة الهوية من الداخل، حيث يعيش بعض الأفراد تجارب مؤلمة في طفولتهم: حرمان عاطفي، إهمال تربوي، أو تنمر مجتمعي. هذه الجراح تضعف تكوين “الذات”، وتترك الإنسان عرضة لأي هوية جاهزة قد يجد فيها القبول أو الأمان، ولو كانت مغايرة تمامًا لثقافته الأصلية.
لم يعد الاستعمار اليوم بحاجة لجيوش، بل لشاشات. حين يُقدم الآخر الغربي كنموذج متفوق في كل شيء، ويُصور المحلي على أنه متخلف أو غير عصري، تتسلل مشاعر الدونية إلى اللاوعي الجمعي. وهنا يبدأ التشوّه: انبهار مرضي بالآخر، يقابله نفور من اللغة الأم، والعادات، وحتى الملامح والهوية الدينية.
كيف نتوقع انتماءً من طالبٍ لا يعرف تاريخه؟ أو لا يقرأ بلغة أمه؟ في مدارس كثيرة، يتم تهميش المكون المحلي لصالح مناهج معلبة أو مفروضة، لا ترتبط بالواقع ولا بالحياة، فتتكون فجوة بين الفرد وجذوره. يتحول التعليم إلى ماكينة لتفريغ الانتماء، لا لبنائه.
لا يمكن الحديث عن فقدان الانتماء دون التطرق للسياسة. الأنظمة القمعية، وغياب العدالة الاجتماعية، وانسداد الأفق الاقتصادي، كلها عوامل تدفع المواطن إلى الانفصال النفسي عن وطنه. كيف ينتمي من يشعر بالتهميش أو القهر أو الإهانة؟ حين يتحول الوطن إلى عبء، لا حاضنة، تبدأ رحلة الاغتراب الحقيقي.
في عالم مادي سريع، يغيب المعنى، وتغيب الروح. بعض من يفقدون هويتهم لا يعانون فقط من قمع أو استلاب، بل من فراغ روحي هائل، لا تملؤه الشعارات ولا الموضات ولا العولمة. وحين تغيب البوصلة، يضيع الاتجاه.
الحل ليس في العودة إلى الماضي كما هو، بل في إعادة تأصيل الهوية دون تحنيطها، وبناء انتماء حي لا شعاراتي، يبدأ من المدرسة وينعكس في الإعلام ويترسخ في السياسات العامة. هوية تؤمن بالكرامة، وتحتفي بالاختلاف، وتحترم الإنسان كقيمة عليا.
ففقدان الهوية ليس نهاية الرحلة، لكنه إنذار خطر، إن لم نستيقظ له، فقد نستفيق على مجتمعات بأجساد عربية.. وقلوب لا تنتمي لشيء..
17 سبتمبر 2026 12:33 م
29 أغسطس 2026 02:51 م
28 يوليو 2026 10:54 ص
16 يوليو 2026 08:25 ص
09 يوليو 2026 11:22 ص
08 يوليو 2026 10:16 ص
15 يونيو 2026 05:08 م
07 يونيو 2026 03:24 م
أكثر الكلمات انتشاراً