السبت، 03 يناير 2026

12:30 م

د. محمد فتحي

الدكتور محمد فتحي يكتب: ماذا يقول علماء الاجتماع وأساتذة الإعلام عن فرح "كروان مشاكل"؟

قد يستنكر البعض هذ السؤال على أساس أن الخوض فيه إساءة لأولويات المجتمع والإعلام التي تحتاج لمراجعة، لكن في واقع الأمر نحن أمام قضية كبيرة نحتاج للتعامل معها بفهم ووعي بدلًا من تناول كثيرين لها على سبيل الإفيه والتندر الذي يصل للسخط والتنمر.

ماذا حدث؟: تيك توكر مثير للجدل يكرس للتفاهة يعلن عن "فرحه" على حفيدة مطرب شعبي راحل في قاعة "فور سيسونس" - وهي قاعة تحاكي اسم فندق كبير لكن في منطقة شعبية- بحضور "أشباه" لفنانين - هذا هو توصيفهم لأنفسهم وليس تنمرًا بهم، ليحدث تدافع وهرج  ومرج وأنباء عن تحرشات وإصابات ليخرج العريس باكيًا صارخًا "فرحي باااااظ"، وسط أنباء عن تدخل الشرطة والقبض عليه فيما بعد وحصاده للملايين كهدايا من "اللايف"  الخاص بتغطية فرحه.

ماذا يمكننا أن نقول؟ الكثير والكثير والكثير

١) حكمنا في الأساس على ما يحدث ولعنه ووصفه بأنه ثقافة منحطة في زمن منحط كما يصفه البعض، هو في صميم معركة خاصة يخوضها المجتمع المصري منذ سنوات، وهي معركة يصفها "بيير بوردو" في كتابه: "التمييز: نقد اجتماعي لحكم الذوق" بأنها معركة على الشرعية والمكانة تبدأ بحكم "الذوق"، فذوق البعض يحول أصحاب الذوق المختلف إلى "ناس غريبة" دون رغبة في فهم ذوقهم أو كيف وصلوا إليه أو سياقهم الطبيعي، وهو ما يتسبب في "إقصاء" في بعض الأحيان، أو على أقل تقدير تقليل المكانة، والغريب.. الغريب جدًا، أن هذا لا يمنع من الاهتمام الشديد بمتابعة هذا الذوق وتداوله وتناوله كمتغير جديد في الحياة يصبح بعد فترة أساسًا لا يمكن الاستغناء عنه واستحضاره في المعارك المختلفة!!! وضع ما تريد من علامات التعجب

٢) ما رآه وتابعه كثيرون لم يكن سوى عرض خطير لتحول اجتماعي نتابعه ونرصده دون تدخل أو فهم أو محاولة علاج. مرحبًا بكم في فرح صعود طبقة اجتماعية جديدة نشأت وترعرعت بسبب "انسداد" في مسارات الصعود "الطبيعية"، ففي الماضي كان الصعود الاجتماعي مبني على التعليم أو الترقي في المهنة أو حتى الانتماء لمؤسسة كبيرة، وفجأة: “هووووب”. يأتي تيك توكر ويحقق كل ذلك بفيديو أو بواقعة مثيرة للجدل، ويصعد اجتماعيًا وإعلاميًا، ويحقق مكاسب سريعة بمحتوى تافه، ليمثل صعودًا مختلفًا ومرعبًا، ويطبّع الأمور عند أبنائنا والأجيال التي تولد فتجد هؤلاء هم نجومها، ف"سلّم لي" بقى حضرتك على التربية والتعليم والأحلام والطموح طالما أن هناك ما يمكن اختصارها بمنتهى منتهى السهولة

٣) حضور (الأشباه) - حتى اسم القاعة نفسها كشبه بالفندق الكبير- هو في واقع الأمر استكمال لمسلسل صناعة واقع موازي طالما إن الواقع الأصلي صعب. صعب أن نستحضر عبد الحليم حافظ لكن سهل دعوة شبيهه. صعب محمد رمضان يحضر الفرح لكن شبيه جعفر العمدة جاهز. حتى طبقيًا: صعب نعمل الفرح في فورسيزونز نايل بلازا في جاردن سيتي المطل على النيل، لكن سهل جدًا نقيمه في قاعة فورسيسونس في شبرا الخيمة والمطلة على ترعة الإسماعيلية

٤) وسط كل ذلك، وفي واقع اجتماعي مأزوم، سيكون “الظؤال”: لماذا يفعلون ذلك، ولماذا نتابع؟!!
هناك ظن يرقى إلى درجة الاتفاق الضمني في بعض الأحيان والصراع على "المكسب" في أحيان أخرى، مفاده أن الشخصية العامة، أيًا كانت طريقة صناعتها أو صياغتها أو مكانتها أو الجدل حولها، هي مجرد "نمرة" في مسرح الحياة يريد الناس رؤية أدوارها “الواقعية”، وهكذا يتحول الفرح لحدث جماهيري مصور، كل حد بيحضره ليه دور ممثل أو كومبارس. كل موبايل هو كاميرا ناقلة للحدث، ويصبح كل شخص رقم. وكل تصرف محتوى،  والكل يتابع إما بفعل الفضول الطبقي، أو بقلق اجتماعي لا يمنع المشاهدة والمتابعة أو بفعل قلق أخلاقي مشروع بالمناسبة لكن مناخ الاستقطاب الملازم للمعارك يضخمه.

٥) لماذا يهتم الإعلام؟ 
في غياب مؤلم ومخز وبائس ل (رؤية إعلامية)، تختل الأجندة الإعلامية عند المواقع والتي تبحث عن "الريتش" ومن يجذب انتباه الناس، فإذا كانت خوارزميات السوشيال ميديا تدفع بهذه الأخبار أكثر، يصبح لهاث وشهوة المواقع منطقيًا - من وجهة نظرهم طبعًا- وتصبح في مقدمة أولويات "الأجندة" التي تضعها وسائل الإعلام، وبناء على هذا الدفع بمثل هذه الأخبار يصنع الإعلام واقعًا حديدًا يلبي "الاستخدامات والإشباعات" عند الجمهور ، الذي يشعر أن مشاركته - سلبًا أو إيجابًا- برأيه هو علامة حضور وتأثير ومشاركة في "النقاش العام" الدائر، خصوصًا مع تحول الأمر لترند.

كل ما فات هو محاولة فهم وتحليل بدلًا من العرق في رمال متحركة أصبحنا نقبل عليها وننسى القضية الأصلية، فنستخدمها في الميمز والتعليقات والانتقام اللفظي والتشفي الطبقي والهلع الأخلاقي، دون أن نبحث عن "حل"، أو حتى "تفسير"، ودون أن نسأل أنفسنا السؤال الذي يؤرقني بشدة:
لكن هل هناك جهة ما في مصر، أو جهاز ما، أو وزارة ما، أو مسؤول ما يتابع ما يحدث بقلق يستدعي تدخلًا ذكيًا قبل أن نغرق جميعًا في الرمال المتحركة ويتحول المجتمع المصري لحالة يفقد معها هويته وقيمه؟ هل؟؟.. أتمنى.

search