الإثنين، 05 يناير 2026

03:15 ص

العقوبات أتت بثمارها، كيف خنقت أمريكا الاقتصاد الفنزويلي قبل القبض على مادورو؟

تدهور الاقتصاد في فنزويلا

تدهور الاقتصاد في فنزويلا

عاد اسم فنزويلا إلى الواجهة العالمية بقوة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد، في خطوة أثارت موجة تساؤلات واسعة حول مصير الاقتصاد الذي يُعد أحد أكثر اقتصادات العالم هشاشة بعد سنوات من الانهيارات المتراكمة.

المشهد اليوم في فنزويلا ليس سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا، في ظل الانكماش الحاد وانهيار العملة وتراجع إنتاج النفط، وحدوث تضخم بحجم غير مسبوق، وسط حصار وعقوبات أمريكية خانقة استهدفت الشريان الرئيسي للاقتصاد الفنزويلي.

اقتصاد فقد أكثر من ثلثي حجمه

الحصيلة الاقتصادية في فنزويلا تظهر صورة قاسية، فمنذ 2013، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بأكثر من 70%، في واحدة من أعمق حالات الانكماش الاقتصادي في التاريخ الحديث خارج أوقات الحرب، وذلك وفق “بلومبرج”.

وفي عام 2013 كان الناتج يتجاوز 320 مليار دولار، أما اليوم فتقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أنه اقترب من 82.7 مليار دولار سنويًا فقط، مع نمو سنوي ضئيل لا يتجاوز 0.5% في بعض السنوات الأخيرة. 

وهذا الانكماش يعكس فشل نموذج اقتصادي اعتمد اعتمادًا شبه كامل على النفط، الذي مثل نحو 58% من دخل الدولة في 2024، بينما بقيت القطاعات الإنتاجية الأخرى هامشية وغير قادرة على امتصاص الصدمات.

العملة تنهار والتضخم يلتهم الجيوب

الـبوليفار الفنزويلي يعيش واحدة من أسوأ رحلات العملات في التاريخ، حيث فقد أكثر من 99.9% من قيمته، حتى بعد محاولات رسمية متكررة لحذف أصفار من العملة كخطوة شكلية للسيطرة على الانهيار.

وهذا السقوط دفع الاقتصاد بالفعل لاعتماد واسع على الدولار الأمريكي، حيث تجرى أكثر من 60% من المعاملات التجارية بالعملة الأمريكية. 

ناهز الدولار الأمريكي الواحد حوالي 304 بوليفار فنزويلي

أما التضخم، فرغم انخفاضه عن ذروته الفلكية السابقة، فإن الصندوق الدولي يقدر التضخم السنوي الحالي بنحو 270%، مع توقعات بأن يرتفع إلى 680% في 2026، وهو من الأعلى عالميًا. 

ونتيجة لهذه الأرقام، يعيش 86% من الفنزويليين تحت خط الفقر، فيما يصرف العاملون الحد الأدنى من الأجور الذي يعادل أقل من دولار واحد شهريًا عند تحويله إلى الدولار الأمريكي.

النفط.. ثروة ضخمة وحاضر متراجع

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم بنحو 303 مليار برميل، متفوقة على الدول الكبرى في أوبك، وذلك وفق “فايننشال تايمز”.

ولكن هذه الثروة الهائلة لم تُترجم إلى إنتاج حقيقي يلبي الاحتياجات، ففي السنوات الماضية تراجع الإنتاج من أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا إلى مستويات تتراوح حول 940 ألف برميل يوميًا في بداية 2025، وهو أقل بكثير من الإمكانات التاريخية للبلاد. 

ورغم أن متوسط الصادرات وصل في بعض أشهر 2025 إلى 1.09 مليون برميل يوميًا وهو أعلى مستوى منذ 2020 إلا أن العقوبات الأمريكية وضعت عراقيل لوجستية أدت إلى ضعف الصادرات وخسارة عائدات ضخمة. 

وبحسب تقديرات غير رسمية، بلغت خسائر فنزويلا من عائدات النفط خلال سنوات العقوبات، أكثر من 150 مليار دولار، إضافةً لتراجع الاستثمار في قطاع النفط الحيوي (تقدير مبني على أرقام اقتصادية متداولة وتقارير سابقة.)

العقوبات والحصار.. خنق مالي ونفطي

العقوبات الأمريكية لم تقتصر على النفط وحده، بل امتدت إلى النظام المالي بأكمله، مع عزل البلاد عن الأسواق العالمية ومنعها من الوصول إلى التمويل الدولي والتعاملات المصرفية العادية. 

هذا الحصار أسفر عن انخفاض الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات حرجة، قدرت في بعض الفترات بأقل من 6 مليارات دولار مقارنة بأكثر من 40 مليار دولار قبل الأزمة، ما زاد الضغط على العملة ورفع تكاليف الاستيراد. 

انخفضت الاحتياطيات الأجنبية إلى 6 مليارات دولار وفق تقديرات دولية

وتشمل العقوبات الأمريكية الأحدث، حظر ناقلات نفط وشركات مرتبطة بالقطاع، بينما فرضت الولايات المتحدة حصارًا كاملًا على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات والتي تحاول التداول عبر طرق لا مركزية تُعرف بـ"الأسطول الظلي". 

ما تبقى من الاقتصاد.. هل هناك بصيص أمل؟

رغم الأزمة، يشهد الاقتصاد بعض الإشارات المتضاربة، حيث تشير بيانات حديثة إلى نمو اقتصادي في الربع الثالث من 2025 بنحو 8.7%، بدفع من زيادة نشاط النفط (+16% تقريبًا) ونمو نسبي في النشاط غير النفطي أيضًا، وذلك وفقًا لـ"تريدنج ايكونومي".

لكن المحللين الاقتصاديين يشيرون إلى أن هذا النمو لا يعني انتعاشًا حقيقيًا، ما لم تقترن إصلاحات هيكلية واسعة، وتنفيذ استثمارات ضخمة يُقدر بعضها بعشرات المليارات من الدولارات لإعادة بناء البنية التحتية النفطية، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد الحصري على النفط.

اقرأ أيضًا:-

من هي ماريا كورينا ماتشادو المرشحة لقيادة فنزويلا بعد اعتقال نيكولاس مادورو؟

انتهت باعتقال مادورو، 10 محطات لقطار التوتر بين أمريكا وفنزويلا

تصعيد خطير ونريد دليلًا، أول تعليق من فنزويلا على اعتقال مادورو وزوجته

search