الأحد، 11 يناير 2026

05:40 م

دعاء عبد السلام

الضربة التي لا تقع.. والضربة التي تُخيف الجميع

كلما ارتفع منسوب التوتر في الشرق الأوسط، عاد السؤال نفسه يتردد بإلحاح: هل تضرب إسرائيل إيران؟

والحقيقة أن السؤال، في صيغته هذه، يبدو مضللًا بعض الشيء؛ لأن الضربة ليست قرارًا عسكريًا خالصًا، بل مقامرة سياسية كبرى، ثمنها قد يتجاوز قدرة الجميع على الدفع.

إسرائيل تريد الضربة، لا حبًا في الحرب، بل خوفًا منها. فهي ترى في المشروع النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، وتؤمن أن الانتظار يعني السماح لطهران بامتلاك ورقة لا يمكن نزعها لاحقًا.

من هذا المنظور، يبدو التفكير الإسرائيلي منطقيًا، وربما مبررًا داخل عقيدته الأمنية الصارمة.

لكن المنطق العسكري لا يعيش وحده.

فخلف الرغبة الإسرائيلية يقف شبح الرد الإيراني، لا بالصواريخ فقط، بل بتوسيع دائرة النار عبر حلفاء يمتدون على حدود ملتهبة أصلًا. 

أي ضربة “نظيفة” وسريعة قد تتحول في ساعات إلى فوضى إقليمية مفتوحة، بلا سقف زمني ولا خطوط اشتباك واضحة.

أما الولايات المتحدة، فتقف في المنتصف، تمسك العصا من المنتصف، وتحاول إقناع الجميع بأنها قادرة على الضبط والسيطرة. 

واشنطن لا تريد إيران نووية، لكنها لا تريد أيضًا شرقًا أوسط مشتعلًا، ولا اقتصادًا عالميًا يتلقى ضربة جديدة. لهذا، يبدو الدعم الأمريكي لإسرائيل مشروطًا، ذكيًا، وبارد الأعصاب: حماية، لا تحريض… ردع، لا تفجير.

الضربة، إن حدثت، لن تكون إعلان حرب، بل رسالة.

رسالة تقول: “نستطيع الوصول إليك”.

لكن الرسائل في هذه المنطقة كثيرًا ما تُقرأ خطأ، وتتحول إلى ردود لا يمكن احتواؤها.

المفارقة أن الجميع يتحدث عن الضربة، والجميع يعمل على منعها.

إسرائيل تلوّح بها لرفع كلفة المشروع النووي الإيراني.

إيران تستخدم التهديد لتعزيز أوراقها التفاوضية.

وأمريكا تدير المشهد كي يبقى على حافة الانفجار… لا داخله.

في النهاية، قد لا تقع الضربة.

لكن الأخطر أنها قد تقع في لحظة سوء تقدير، أو تحت ضغط داخلي، أو بدافع إثبات الهيبة، لا الضرورة.

الشرق الأوسط لا يحتاج حربًا جديدة ليعرف أنه هش.

ما يحتاجه هو شجاعة القرار السياسي…

لكن هذه العملة، للأسف، نادرة في زمن الصواريخ

search