الأربعاء، 07 يناير 2026

09:27 ص

وهم الإمبراطورية.. كيف يُصنَع الخوف من أمريكا أكثر مما تصنع أفعالها؟

ليست خطورة ما قيل عن الولايات المتحدة وفنزويلا كامنة في فحواه المباشر، بل في البنية الذهنية التي يُراد ترسيخها من خلاله. فالنص لا يكتفي بسرد واقعة مزعومة، بل يُقدِّم رؤية كاملة للعالم: عالم بلا قانون، بلا سيادة، وبلا مسافة فاصلة بين القوة والفوضى. وهنا يصبح واجب التحليل أن يتجاوز سؤال: هل حدث هذا أم لا؟ إلى سؤال أعمق: هل يسمح منطق العالم بحدوثه أصلًا؟

الادعاء بأن دولة عظمى يمكنها أن تُعلن إدارة دولة أخرى إدارة مباشرة، وتختطف رئيسها من فراشه، وتتحكم في ثروتها، ثم تُقرّر – متى شاءت– أن “تعيدها لشعبها”، هو ادعاء يستدعي العودة إلى أساسيات الجغرافيا السياسية قبل الانجرار وراء صدمة العبارات. فالدول لا تُدار كالشركات، ولا تُحتل كما تُداهم الشقق، ولا تُختزل السيادة إلى بيان صحفي، مهما بلغ صاحبه من نفوذ.

فنزويلا، في هذا السياق، ليست مجرد خزان نفط معطّل، بل دولة تقع في قلب أمريكا اللاتينية، تلك القارة التي تشكّل تاريخيًا حقل ألغام لأي تدخل أمريكي مباشر. الذاكرة السياسية هناك مشبعة بتجارب الوصاية والانقلابات المدعومة، ما يجعل أي تحرك عسكري فجّ ليس مجرد عملية أمنية، بل شرارة انفجار إقليمي واسع. والجغرافيا هنا ليست خلفية صامتة، بل فاعل رئيسي يفرض حساباته على القرار السياسي.

ثم إن تصوير الولايات المتحدة ككيان يتحرك بإرادة فرد واحد، يتخذ قرار الحرب والاحتلال دون الرجوع إلى مؤسساته، يُناقض طبيعة الدولة الأمريكية نفسها. فهذه دولة مركّبة، محكومة بتوازن دقيق بين البيت الأبيض، والكونغرس، والمؤسسة العسكرية، ومراكز المال، والرأي العام. والقرار الذي يتجاهل هذه المنظومة لا يُنتج قوة، بل يُنتج ارتباكًا داخليًا ينعكس ضعفًا خارجيًا.

أما مشهد “اختطاف رئيس دولة” كما ورد في الخطاب المتداول، فهو أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الواقع الاستراتيجي. فاعتقال رئيس دولة ذات سيادة من داخل بلاده يُعد في القانون الدولي إعلان حرب صريحًا، لا عملية أمنية محدودة. وهو فعل لا يمكن أن يمر دون ردود دولية فورية، تبدأ من مجلس الأمن، ولا تنتهي عند حلفاء واشنطن أنفسهم، الذين لا تعنيهم القوة الأمريكية بقدر ما تعنيهم سابقة الانفلات.

النفط، الذي يُقدَّم في الخطاب بوصفه الدافع الوحيد والمفتاح السحري، لا يمكن فهمه خارج منظومته الاقتصادية العالمية. فالثروة النفطية ليست غنيمة تُحمل بالقوة، بل مورد تحكمه شبكات إنتاج وتسويق واستثمار معقدة، لا تعمل دون استقرار سياسي وشرعية قانونية. 

ومن يتصور أن السيطرة العسكرية تعني تلقائيًا السيطرة على السوق، يتجاهل أن النفط – في العصر الحديث– سلعة سياسية بقدر ما هو سلعة اقتصادية، وأن العبث به دون حساب يرتد على من يعبث به.
والقول بأن القانون الدولي “سقط للأبد” هو تعبير انفعالي أكثر منه توصيفًا دقيقًا. فالقانون الدولي لم يكن يومًا نصًا مقدسًا لا يُنتهك، لكنه أيضًا لم يتحول إلى عدمٍ مطلق. هو منظومة تتآكل، نعم، لكنها ما زالت تفرض كلفة على من يتجاوزها، ولو بعد حين. والتاريخ يعلمنا أن القوى التي تتصرف وكأنها فوق القانون، تدفع الثمن لاحقًا من رصيدها الاستراتيجي، لا فورًا، لكن حتمًا.

الأخطر في الخطاب المتداول ليس تصوير أمريكا كقوة طاغية، بل تصوير العالم كمساحة بلا منطق. فحين يُقال إن كل شيء ممكن، وأن كل القواعد سقطت، وأن المستقبل يُدار بالصدمة وحدها، فإن النتيجة ليست وعيًا سياسيًا، بل شللًا ذهنيًا. وهذا بالضبط ما تفعله السرديات المبالغ فيها: تُقنع الناس بأن الفهم غير ضروري، لأن القوة لا تُفهم بل تُخشى.

أما الربط المتعجل بين هذا السيناريو وبين حرب وشيكة على إيران، فهو نموذج للتفكير القائم على القفز لا التحليل. فالحروب الكبرى لا تُخاض باللمح، ولا تُدار بمنطق “تمهيد نفطي” ساذج، بل بسلاسل طويلة من الإشارات والتحضيرات التي لا تخفى على العالم.

ما يُقدَّم بوصفه واقعًا جديدًا هو في حقيقته خطاب صادم بلا سند بنيوي. خطاب يخلط بين القوة والفوضى، وبين التهديد والتنفيذ، وبين الرغبة والقدرة. والتحليل الرصين لا ينفي الصراع، ولا يُنكر التوحش السياسي في العالم، لكنه يرفض اختزال التاريخ في منشور، والسياسة في مشهد.
فالعالم لم يدخل عصر الإمبراطوريات من جديد، لكنه بالتأكيد دخل عصر تضليل الوعي. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

search