السبت، 17 يناير 2026

03:31 ص

بعد عامين من الحرب.. أزمة صحة عقلية خانقة داخل الجيش الإسرائيلي

إسرائيلي يحتضن كلب

إسرائيلي يحتضن كلب

سجلت إسرائيل ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات اضطراب ما بعد الصدمة وحالات الانتحار بين جنودها، في أعقاب هجومها الذي استمر نحو عامين على قطاع غزة، بينما يواجه سكان القطاع ما وصفه مختصون بـ«بركان» من الصدمات النفسية جراء الحرب.

ونقلت وكالة «رويترز» عن خبير سريري قوله إن الجنود الإسرائيليين يعانون من خوف دائم من الموت، إضافة إلى أذى نفسي ناتج عن القتل العرضي للمدنيين. وكشفت تقارير حديثة صادرة عن وزارة الدفاع الإسرائيلية ومقدمي خدمات الرعاية الصحية عن تفاقم أزمة الصحة النفسية داخل الجيش، في ظل استمرار القتال في غزة ولبنان، وتصاعد التوترات مع إيران.

اتساع رقعة الحرب وتداعياتها النفسية

وتوسعت الحرب في غزة سريعًا مع تبادل إطلاق النار عبر الحدود بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، ما أدى إلى نشر مئات الآلاف من الجنود والاحتياطيين على الجبهتين، في واحدة من أعنف فترات القتال في تاريخ إسرائيل.

ووفقًا لمسؤولين في غزة ولبنان، أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 71 ألف فلسطيني في قطاع غزة، ونحو 4400 شخص في جنوب لبنان، بينما أعلنت إسرائيل مقتل أكثر من 1100 من مواطنيها منذ 7 أكتوبر 2023.

وخلفت الحرب دمارًا واسع النطاق في قطاع غزة، حيث يعاني نحو مليوني نسمة من نقص حاد في المأوى والغذاء، إضافة إلى تدهور كبير في الخدمات الطبية والصحية.

«بركان» من الصدمات النفسية في غزة

وقال مختصون فلسطينيون في الصحة النفسية إن سكان غزة يواجهون موجة غير مسبوقة من الصدمات النفسية، دفعت أعدادًا كبيرة منهم إلى طلب العلاج، في حين يعاني الأطفال بشكل خاص من أعراض حادة، مثل الكوابيس الليلية وضعف التركيز واضطرابات السلوك.

ارتفاع اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود الإسرائيليين

وتشير دراسات إسرائيلية إلى أن الحرب أثرت بشكل بالغ على الصحة النفسية للجنود المكلفين بتنفيذ الأهداف المعلنة للحرب، والمتمثلة في القضاء على حركة حماس في غزة، واستعادة الرهائن، ونزع سلاح حزب الله.

وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية تسجيل زيادة تقارب 40% في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود منذ سبتمبر 2023، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى 180% بحلول عام 2028.

وأضافت الوزارة أن 60% من بين 22 ألفًا و300 جندي أو فرد يتلقون العلاج من إصابات الحرب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، مشيرة إلى توسيع نطاق خدمات الرعاية الصحية النفسية وزيادة الميزانية المخصصة لها، إلى جانب تسجيل ارتفاع بنحو 50% في استخدام العلاجات البديلة.

من جانبها، أفادت منظمة «مكابي»، ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل، في تقريرها السنوي لعام 2025، بأن 39% من أفراد الجيش الذين يتلقون العلاج لديها طلبوا دعمًا نفسيًا، فيما عبّر 26% عن مخاوف مرتبطة بالاكتئاب.

كما استقبلت منظمات إسرائيلية عدة، من بينها منظمة «هاجال شيلي» غير الحكومية، التي تعتمد على رياضة ركوب الأمواج كوسيلة علاجية، مئات الجنود والاحتياطيين المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب لجوء بعض الجنود السابقين إلى استخدام الكلاب العلاجية.

الأذى الأخلاقي وقتل الأبرياء

وقال رونين سيدي، الطبيب النفسي السريري ومدير أبحاث المحاربين القدامى في مركز «عيمك» الطبي شمال إسرائيل، إن الجنود يعانون من نوعين رئيسيين من الصدمات.

وأوضح أن المصدر الأول يتمثل في «تجارب الخوف العميق» و«الخوف المستمر من الموت» خلال الخدمة في غزة ولبنان، بل وحتى داخل إسرائيل. أما المصدر الثاني فيتمثل في ما يُعرف بـ«الأذى الأخلاقي»، وهو الضرر الذي يصيب ضمير الفرد أو بوصلته الأخلاقية نتيجة أفعال قام بها.

وأضاف سيدي: «العديد من القرارات التي يتخذها الجنود خلال أجزاء من الثانية تحت نيران العدو تكون صحيحة، لكن بعضها لا يكون كذلك، وعندها تُصاب النساء والأطفال أو يُقتلون عن طريق الخطأ. والعيش مع إحساس أنك قتلت أبرياء هو أمر بالغ الصعوبة، ولا يمكن تصحيحه».

شهادات من الميدان

وقال جندي احتياط يُدعى بول، يبلغ من العمر 28 عامًا وهو أب لثلاثة أطفال، إنه اضطر لترك عمله كمدير مشروعات في شركة عالمية، لأن صوت «صفير الرصاص» ظل يلاحقه حتى بعد عودته إلى منزله.

وأوضح بول، الذي فضّل عدم ذكر اسم عائلته حفاظًا على خصوصيته، أنه شارك في مهام قتالية في غزة ولبنان وسوريا، ورغم تراجع وتيرة القتال خلال الأشهر الأخيرة، فإنه يعيش في حالة تأهب دائم، قائلًا: «أعيش بهذه الطريقة كل يوم».

الصدمة غير المعالجة وخطر الانتحار

ويتطلب حصول الجندي على دعم رسمي من الدولة لعلاج حالته النفسية المثول أمام لجنة تقييم تابعة لوزارة الدفاع، لتحديد درجة خطورة حالته ومنحه اعترافًا رسميًا. ويشير مختصون إلى أن هذه العملية قد تستغرق شهورًا، ما قد يثني بعض الجنود عن طلب المساعدة.

وأوضحت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها تقدم دعمًا فوريًا جزئيًا للجنود فور بدء عملية التقييم، مؤكدة أنها كثفت هذه الجهود منذ اندلاع الحرب.

وفي أكتوبر الماضي، خلصت لجنة برلمانية إسرائيلية إلى أن 279 جنديًا حاولوا الانتحار خلال الفترة من يناير 2024 إلى يوليو 2025، وهو ارتفاع حاد مقارنة بالسنوات السابقة. وأشار التقرير إلى أن الجنود المقاتلين شكّلوا 78% من إجمالي حالات الانتحار في إسرائيل خلال عام 2024.

وأكد رونين سيدي أن خطر الانتحار أو إيذاء النفس يتضاعف في حال عدم علاج الصدمة النفسية بشكل مبكر وفعّال.

search