الإثنين، 19 يناير 2026

04:29 ص

"مكافأة" أم "صفقة"؟.. ماذا يريد ترامب من تدخله المفاجئ في أزمة سد النهضة؟

ترامب يطرح الوساطة لحل أزمة سد النهضة

ترامب يطرح الوساطة لحل أزمة سد النهضة

أثار عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوسط بين مصر وإثيوبيا لإنهاء أزمة سد النهضة جدلًا واسعًا، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك الملفات المرتبطة بالأمن المائي والأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، فبينما يرى البعض في التحرك الأمريكي فرصة لإحياء المسار التفاوضي المتعثر، يحذر آخرون من أبعاد التوقيت والمضمون، خاصة مع محاولات ربط الوساطة بملفات إقليمية أخرى.

طرح أمريكي للتوسط في أزمة سد النهضة

ترامب وجه رسالة شكر إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، أعرب خلالها عن تقديره للصداقة والشراكة التي قدمها له ولشعب الولايات المتحدة، مؤكدا في خطاب موجه من البيت الأبيض للرئيس السيسي، أن حل التوترات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير يمثل أولوية قصوى على جدول أعماله، مشددًا أنه يعمل من أجل تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط وأفريقيا.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس عبد الفتاح السيسي
ترامب والسيسي

وأعرب الرئيس الأمريكي عن أمله في ألا يؤدي النزاع القائم حول سد النهضة، والذي وصفه بـ"المفهوم"، إلى صراع عسكري واسع بين مصر وإثيوبيا، مؤكدًا أهمية التعامل مع الملف بما يضمن الاستقرار الإقليمي.

مكافأة لمصر

وقال الدكتور هاني الجمل، الباحث في الشؤون الدولية، إن عرض ترامب، التوسط لإنهاء أزمة سد النهضة، في هذا التوقيت يحمل دلالات سياسية مهمة، من بينها كونه نوعًا من المكافأة السياسية لمصر على الدور الكبير والفاعل الذي لعبته خلال الفترة الماضية في عدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها انهاء الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، والتعامل مع تداعياتها الإنسانية والسياسية.

وأشار  الجمل في تصريحات لـ “تليجراف مصر” إلى أن الموقف المصري في أزمة سد النهضة كان واضحًا وثابتًا منذ البداية، لافتًا إلى أن اجتماعات واشنطن السابقة، التي انسحب منها الجانب الإثيوبي، كانت تمثل نقطة مفصلية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بين دولتي المصب ودولة المنبع، وهو ما يؤكد وجود رغبة أمريكية في إنهاء هذا الصراع.

وأضاف، أن أزمة الفيضانات في السودان الأشهر الماضية كشفت بوضوح صحة التحذيرات المصرية بشأن مخاطر السد، حيث تعد مؤشرًا خطيرًا على التداعيات المحتملة لسياسات الملء والتشغيل الأحادي.

ترامب يحترم الأقوياء فقط

وحول طبيعة العلاقة بين ترامب ومصر، وإذا ما كان ينظر إلى مصر باعتبارها حليفًا استراتيجيًا، أم يسعى لتقديم نفسه كـ"رجل سلام" عالمي؟،أوضح الجمل أن ترامب لطالما وصف الرئيس عبد الفتاح السيسي بأنه الرجل الأقوى في المنطقة، وأنه يميل إلى التعامل مع القادة أصحاب النفوذ والثقل الإقليمي.

سد النهضة - أرشيفية
سد النهضة 

القوة الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط

وأضاف أن الرئيس السيسي نجح في تقديم مصر للعالم باعتبارها القوة الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، وهو ما تؤكده العديد من الشواهد، من بينها التوقيع على اتفاق السلام في شرم الشيخ، بحضور الرئيس الأمريكي، فضلًا عن العلاقات المتوازنة التي تربط مصر بكل من روسيا والدول الأوروبية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة ترى في مصر حجر الزاوية في هندسة المشهد الإقليمي في عدد من القضايا، من بينها اليمن، والسودان، والأزمة الإيرانية، ومنطقة القرن الإفريقي، لافتًا إلى أن واشنطن تستطيع انهاء أزمة سد النهضة لما تملكه من أدوات ضغط عسكرية واقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تسعى لتحقيق مكاسب استراتيجية واستثمارية من وراء تدخلها.

مكاسب وصفقات لأمريكا

وأكد أن الإدارة الأمريكية ترى أن وجودها في الصراعات بالشرق الأوسط يحقق لها مكاسب متعددة، خاصة في ظل تفكير مصر والسعودية وتركيا في إقامة تحالفات عسكرية مع الصومال لتحجيم الدور الإثيوبي في المنطقة، بعد تحركات إثيوبيا وإسرائيل للاعتراف بـ"صومالي لاند" كنقطة نفوذ لهما في القرن الإفريقي.

هاني الجمل

وأوضح الجمل أن التحرك الأمريكي لم يأتِ بمعزل عن الدور السعودي، خاصة بعد توقيع اتفاقيات اقتصادية ضخمة تقدر بتريليونات الدولارات، إلى جانب صفقات تسليح كبرى، من بينها مقاتلات "إف-35"، وهو ما أعاد ترتيب أولويات الإدارة الأمريكية في المنطقة والتي من بنيها دعم مصر.

التعامل بحذر شديد

أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن العرض الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التوسط بين مصر وإثيوبيا في أزمة سد النهضة يجب التعامل معه بحذر شديد، سواء من حيث التوقيت أو المضمون، موضحا أن الرد المصري على الطرح جاء متزنًا ويحمل قدرًا كبيرًا من الحنكة السياسية، حيث ربط بين الالتزام بقواعد القانون الدولي من ناحية، وتسليط الضوء على شواغل مصر الحقيقية تجاه التصرفات الأحادية التي تنتهجها إثيوبيا من ناحية أخرى.

وأشار أستاذ العلوم السياسية، إلى أن إعادة إحياء الوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة، بالتزامن مع التذكير بالدور المصري المحوري في أزمة غزة، يثير مخاوف متعددة، مؤكدًا أن الربط بين الملفين يحمل مخاطر محتملة، من بينها ما قد يُطرح بشأن مخططات تهجير سكان قطاع غزة، الذي رفضته مصر أكثر من مرة، في مقابل تحريك ملف السد الإثيوبي.

اللقاء المرتقب بين السيسي وترامب

وتطرق سلامة إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وترامب خلال الأسبوع المقبل، مؤكدًا أهمية الاستعداد الجيد لهذا اللقاء، خاصة في ظل طبيعة ترامب السياسية المعروفة، والتي تقوم في الأساس على منطق الصفقات والمصالح، وليس بالضرورة على فكرة المكافأة السياسية.

الدكتور حسن سلامة

وأضاف أن الولايات المتحدة تمتلك مصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة في إثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي، وهو ما قد يدفع الجانب الإثيوبي لتفسير أي تحرك أمريكي باعتباره انحيازًا لمصر، وهو أمر قد ترفضه أديس أبابا، مما يطرح تساؤلات حول مدى جدية وقابلية الوساطة الأمريكية للنجاح.

وأكد سلامة أن الواقع الحالي يفرض التعامل مع حقيقة أن سد النهضة قد تم بناؤه بالفعل، وأن التفاوض في هذه المرحلة يجب أن يتركز على آليات إدارة السد، سواء فيما يتعلق بعمليات الملء أو التفريغ، وهو ما نصت عليه الاتفاقيات السابقة، سواء الاتفاق الملزم الموقع بين الدول الثلاث، والذي تنصلت منه إثيوبيا، أو المقترح الأمريكي الصادر عام 2020، والذي انسحبت منه إثيوبيا أيضًا.

وشدد سلامة على أن التفاوض في المرحلة الراهنة يختلف جذريًا عما كان عليه قبل عشر سنوات، مؤكدًا ضرورة وضع إطار واضح ومحدد للدخول في أي مفاوضات جديدة، يقوم على تنفيذ خطة محددة المعالم والأهداف، وليس مجرد فتح مسار تفاوضي جديد بلا ضمانات.

اقرأ أيضًا:

ترامب لـ السيسي: أشكرك على دورك في غزة.. ومستعد لحل أزمة سد النهضة

الصحافة العالمية تقرأ رسالة ترامب للسيسي بشأن سد النهضة، ماذا قالت؟

search