الخميس، 29 يناير 2026

10:50 م

"كاري أون" مولود الحكومة الجديد يزاحم المتاجر الخاصة.. هل يكسب ثقة المواطن؟

"كاري أون" و"كارفور" و"كازيون"

"كاري أون" و"كارفور" و"كازيون"

أمام أرفف تتراص فوقها أكياس الأرز داخل أحد أفرع "كاري أون"، المولود الحكومي الجديد في عالم التجزئة، وقفت سيدة أربعينية تُدعى “أم أحمد” تتفحص الأسعار بعين خبير اقتصادي بعدما أثقلتها ضغوط المعيشة.

التقطت “أم أحمد” كيسًا وبدت عليها علامات الرضا وقالت: "الأسعار هنا تفرق.. الرُز بـ24 جنيه، كيس مقفول وكيلو كامل مش ناقص".. وهذه العبارة العفوية لم تكن مجرد رأي عابر، بل "الخيط الرفيع" الذي أمسكنا به لنبدأ رحلة البحث في دهاليز المنافذ التجارية، حكومية وخاصة، في محاولة للإجابة عن السؤال الأهم: هل تنجح الحكومة في منافسة حيتان السوق؟

أسعار الأرز داخل أحد فروع “كاري أون”

"كاري أون".. الرهان على "صنع في مصر"

داخل المنفذ الحكومي، بدت الحركة قوية، لا صوت يعلو فوق صوت "المنتج المصري".. أحد العاملين بقسم السلع التموينية أكد لنا بفخر أن أغلب المعروضات تابعة لشركات وطنية، بأسعار تكسر حدة الغلاء المرتبطة بالسلع المستوردة.

"دي منتجاتنا إحنا"، قالها العامل وهو يشير إلى سلع تُصرف حصرًا عبر البطاقات التموينية، في محاولة لخلق توازن سعري يفتقده المواطن في الأسواق التقليدية الأخرى.

قسم السلع التموينية داخل حد فروع “كاري أون”

ووفق أحدث الإحصائيات الرسمية المعلنة من جانب وزارة التموين والتجارة الداخلية، فإن عدد البطاقات التموينية يبلغ نحو 23 مليون بطاقة، فيما يبلغ عدد المستفيدين من الدعم السلعي الشهري من حملة بطاقات التموين نحو 64 مليون مواطن.

وفي قسم اللحوم، كانت المفاجأة.. اللحوم سودانية بالكامل، وبسعر استقر عند 310 جنيهات للكيلو، ورغم غياب اللحوم "البلدي"، فإن "الجزار" دافع عن بضاعته بحماس: "السوداني أنضف مرعى من البلدي ألف مرة"، مضيفًا: “في منافذ أخرى تعتمد على اللحوم الكولومبية والإثيوبية، ودي مش أفضل لحوم”، حسب وصفه.

قسم اللحوم وبعض الأقسام الأخرى من داخل "كاري أون"

خارج المنفذ، التقينا سيدة خمسينية، بدت عليها علامات الرضا بعدما عقدت مقارنة سريعة وهي تحمل كمية من الأكياس التي تحتوي على ما تبضعته: "زجاجة الزيت الـ700 مللي بـ64 جنيه هنا، بينما وصلت لـ74 في بيت الجملة"، بالنسبة لها، ولكثيرين، المعركة محسومة بالجنيهات الموفرة، رغم اعترافها بأن "كل مكان وله عيوب وميزات".

أسعار الزيت داخل “كاري أون”

كواليس "الدليفري" وساقية العمل

لكن الصورة لا تخلو أيضًا من خدوش، ففي الطريق نحو الوجهة التالية، استوقفنا مشهد لعامل من "كاري أون" يدفع عربة تسوق يدويًا في الشارع لتوصيل طلب "دليفري".. لا دراجات نارية، لا سيارات مجهزة، فقط ساقاه وعربة حديدية.

العامل، الذي بدا منهكًا، كشف لنا عن الجانب الآخر من الحكاية: ضغط عمل هائل، ونقص في الفروع التي لا تتجاوز الأربعة (السواح للأسماك، السيدة زينب للحوم، وكلية البنات ومدينة الإنتاج للسلع الغذائية) هي فقط التي تحمل العلامة التجارية الجديدة "كاري أون".

وبعبارة قصيرة لخص الموقف: "الشركات الحكومية مش هتخسر أوي عشان خاطر الزبون"، لافتًا إلى أن الأسعار المخفّضة تأتي أحيانًا على حساب "الرفاهية اللوجستية".

 

وتوفر وزارة التموين السلع الغذائية بأسعار مخفضة في محاولة منها لضبط السوق، ومنع انفلات أسعار السلع من خلال 40 ألف منفذ ومجمّع استهلاكي في كافة المحافظات.

"كارفور".. هدوء نسبي وفوضى في الأرفف

على النقيض تمامًا، استقبلنا فرع "كارفور" بمدينة نصر بهدوء نسبي، غاب الزحام الذي رصدناه في المنفذ الحكومي، وحضر "المتسوق الانتقائي" الذي يكتفي بسلع معدودة.

الفروق السعرية هنا بدت طفيفة في أغلب السلع، لكن المفارقة كانت في قسم اللحوم، حيث تُباع اللحوم "البلدي" بـ325 جنيهًا للكيلو، بفارق 15 جنيهًا فقط عن "السوداني" في المنفذ الحكومي، وهو فارق ضئيل قد يُغري المستهلك بالاتجاه نحو "البلدي".

ورغم وفرة المعروض، رصدنا هناك عددًا من الملاحظات من بينها وجود سلع في غير أماكنها، وغياب لافت لملصقات الأسعار على منتجات كثيرة، ما يربك حسابات المتسوق، بحسب خبراء في التسوق.

أسعار قسم اللحوم داخل "كارفور"

"كازيون".. شعبية واسعة وأرفف خاوية

قررنا رصد الأحوال في مكان آخر، فذهبنا إلى فرع “كازيون” بمحافظة الجيزة.. الزحام هنا يضاهي "كارفور"، لكن الأرفف تروي قصة أخرى.. نقص ملحوظ في سلع أساسية، وغياب تام للحوم الطازجة والاكتفاء بالمجمدات، نظام "البونص" وجمع أرقام الهواتف كانا السمة الأبرز عند “الكاشير”.

ولم تختلف الحال كثيرًا في فرع السلسلة ذاتها بمحافظة سوهاج، حيث رصدنا تسعيرًا خاطئًا لبعض السلع ونقصًا حادًا في المخزون، ما يطرح تساؤلات حول كفاءة سلاسل الإمداد في الفروع الإقليمية.

أرفف خاوية من داخل أحد فروع “كازيون”

الاستراتيجية الرسمية: هل تكفي النوايا الطيبة؟

وبينما يتنقل المواطن بين هذه الخيارات، ترسم الحكومة خططًا طموحة، وفي هذا الإطار يؤكد الرئيس التنفيذي للقابضة للصناعات الغذائية، علاء ناجي، أن فلسفة "كاري أون" تقوم على التخصص؛ فروع للحوم وأخرى للأسماك، بهدف تقديم "تجربة شرائية" تنافس السلاسل العالمية، وليست مجرد منافذ لبيع السلع الرخيصة.

 الرئيس التنفيذي للقابضة للصناعات الغذائية علاء ناجي

على المستوى الرسمي، يلوّح وزير التموين، شريف فاروق بـ"كارت" التطوير الرقمي، متحدثًا عن أنظمة دفع حديثة وبرامج ولاء ومكافآت، في محاولة لاستنساخ نماذج القطاع الخاص الناجحة، فالمعادلة الحكومية الآن تعتمد على "الربح المقبول والمدروس"، لضمان استدامة السلع وخلق احتياطي استراتيجي يمتد لستة أشهر.

وأكد فاروق أن هذه الخطوة تأتي استكمالًا لمبادرات الوزارة مثل الأوكازيون الصيفي، ومعارض “أهلًا مدارس”، وسوق اليوم الواحد، بالتعاون مع المصنعين والسلاسل التجارية والقابضة للصناعات الغذائية، بما يعزّز استقرار الأسواق ويضمن احتياطيًا استراتيجيًا من السلع يمتد حتى ستة أشهر، مضيفًا أن رحلة التطوير مستمرة، وأن الهدف الأول سيظل دائمًا خدمة المواطن وتوفير السلع بأسعار عادلة وجودة مضمون.

وزير التموين شريف فاروق

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي خالد الشافعي لـ"تليجراف مصر"، إن نجاح الدولة في إنشاء سلاسل تجارية كبرى يتوقف على قدرتها على توفير إدارة متخصصة تمتلك رؤية متكاملة، بما يحقق تنافسية كاملة مع السوبر ماركت والهايبر ماركت الخاصة، ويسهم في إحداث انطلاقة قوية نحو خفض أسعار المنتجات.

وأوضح الشافعي أن استمرار هذه السلاسل في توفير جودة المنتجات مع السعر المناسب هو العامل الأساسي لجذب إقبال المواطنين، لافتًا إلى أن المستهلك يبحث عن أمرين أساسيين: جودة المنتج والسعر التنافسي، إلى جانب توافر جميع احتياجاته في مكان واحد، وهو ما يجعل التجربة ناجحة وقابلة للاستمرار.

وأكد أن هذه الفكرة لن تمثل عبئًا على الدولة أو تزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين، لافتًا إلى أن الحكومة قادرة على تنفيذ هذا النموذج وتحويله إلى تجربة رائدة تتصدر السوق المصرية.

وأضاف أن من حق الصندوق السيادي المشاركة في مثل هذه المشروعات، لما لها من دور مباشر في تحسين جودة حياة المواطنين، خاصة في ظل وجود ممارسات احتكارية من بعض كيانات القطاع الخاص التي تستغل المستهلكين ولا تؤدي الدور المطلوب منها، موضحًا أن هذه السلاسل الحكومية تمثل أداة فعّالة لإعادة ضبط السوق وتصحيح مساره.

الخبير الاقتصادي خالد الشافعي

فيما قال عضو الحزب الديمقراطي، رئيس جمعية "مواطنون ضد الغلاء"، محمود  العسقلاني، إن أي نجاح حقيقي يبدأ بتوسيع الإتاحة وزيادة المعروض من السلع الإنتاجية، خاصة السلع الاستهلاكية المرتبطة بالغذاء وما تحتاجه مائدة الأسرة المصرية، لافتًا إلى أن أهمية ذلك تتضاعف مع اقتراب شهر رمضان.

وأوضح أن أي زيادة في مساحات الإتاحة أو حجم المعروض تؤدي بالضرورة إلى خفض الأسعار، نتيجة وجود فائض يدفع التجار إلى تقليل الأسعار لتصريف السلع قبل تعرضها للتلف، مؤكدًا أن وزارة التموين تمتلك القدرة على خلق هذه الحالة من الإتاحة وبأسعار أقل من السوق.

وأشار العسقلانى  إلى أن دور الدولة لا يتمثل في إقصاء القطاع الخاص، بل في فتح المجال أمامه للمنافسة، موضحًا أن المؤسسات الحكومية، رغم امتلاكها قدرات كبيرة، تتحمل أعباء إدارية أعلى من القطاع الخاص، نتيجة تضخم الهياكل الإدارية العليا التي تستنزف جزءًا من الأرباح، بينما لا يعاني القطاع الخاص هذه الأعباء بالدرجة نفسها.

وأكد أن القطاع الخاص قادر على المنافسة، لكن المشكلة في السوق المصرية تكمن في سعي بعض الكيانات إلى تعظيم الأرباح على حساب المستهلك، مشيرًا إلى أن الأسعار ستنخفض حتمًا مع زيادة المعروض واحتدام المنافسة.

وأضاف عضو الحزب الديمقراطي، أن معدلات التضخم كانت مرتفعة بشكل كبير قبل تولي الوزير الحالي منصبه، إلا أنها بدأت في التراجع مع السياسات المتبعة حاليًا، لافتًا إلى أن تجربة "كاري أون" مرشحة للنجاح، وستدفع القطاع الخاص إلى تحسين أدائه وتعزيز قدرته التنافسية.

وشدّد على أن الحكومة تخضع لنفس الالتزامات الضريبية والأعباء التي يتحملها القطاع الخاص، ولا تتمتع بميزات تفضيلية في التكلفة، مؤكدًا أن الحديث عن وجود منافسة غير عادلة أو مختلة لا يستند إلى واقع حقيقي.

رئيس جمعية "مواطنون ضد الغلاء" محمود  العسقلاني 

اقرأ أيضًا:

وزير التموين يبحث مع “أورانج” تعزيز التعاون في خدمات مشروع “كاري أون”

تحفيز بـ"أنظمة الولاء".. خطة "التموين" لتطوير المنافذ التموينية الرقمية

يوفر 1000 فرصة عمل، وزير التموين يفتتح فرع لولو هايبر ماركت بالتجمع

search