الأحد، 01 فبراير 2026

03:23 م

شيخ الأزهر يدعو إلى تيسير الزواج وعدم المغالاة في المهور

شيخ الأزهر أحمد الطيب

شيخ الأزهر أحمد الطيب

أكد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ضرورة إنهاء ظاهرة المغالاة في مهور الزواج، لافتا إلى أن التيسير في الزواج يمثل أحد أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن العودة بالزواج إلى صورته البسيطة التي دعا إليها الإسلام باتت ضرورة مجتمعية لمواجهة التحديات النفسية والاقتصادية التي يعاني منها الشباب.

تيسر المهور

وأوضح الإمام الطيب خلال مؤتمر “استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي”، أن الشريعة الإسلامية دعت من خلال النصوص الشرعية إلى تيسر المهور، وإلى الاكتفاء فيها بأيسر الأشياء وأقلها ثمنا، مستندا إلى أن فلسفة الإسلام في قضية المهر تتلخص في أنه “رمز”.

وجاء نص كلمة شيخ الأزهر كالتالي:

وقال شيخ الأزهر الشريف، إن المؤتمر بالغ الأهمية، بل بالغ الخطر أيضا، إذا ما نوقشت قضاياه على ضوء ما يضطرب فيما وراء البحار من نظريات وأطروحات وثورات تتعلق بالمرأة وحقوقها، والتي تبلورت في العقود القليلة الماضية في ثورة على الأسرة، وفي المطالبة بالتحرر من قيودها، ومن انحصار دور الزوجة في الأمومة أو في “عبودية التناسل” حسب ما تقول: الأديبة الفرنسية “سيمون دي بوڤوار”، والتي وصفت مؤسسة الزواج بأنها: “سجن أبدي للمرأة وإعلان لنهاية حياتها وانطفاء آمالها وأحلامها”.

 الحركات النسائية في الغرب

وأضاف الطيب خلال المؤتمر والذي ينعقد برعاية من الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبتنظيم من الأزهر الشريف والمجلس القومي للمرأة ومنظمة تنمية المرأة، بقاعة الأزهر للمؤتمرات بمدينة نصر، أن هذه الحركات النسائية في الغرب تطورت إلى منظمات تسمت باسم: “الفيمينزم”، وتعني: الثورة النساية أو: “نظرية الحقوق الجديدة”، التي تطالب بإعادة تعريف الأسرة واستبعاد أنماطها القديمة، وتبني أنماط جديدة يحل فيها اسم: “الشريك” محل “الزوج” وألا يقتصر مفهوم الأسرة على الشريك والشريكة، وأن يتسع ليشمل الأسرة المكونة من رجلين أو امرأتين تربط بينهم العلاقات المعروفة.

ولفت شيخ الأزهر إلى ظهور مصطلحات جديدة كالأم البيولوجية والأم الاجتماعية والإنجاب الصناعي الذي تطور أخيرا إلى: “الرحم الصناعي” وما يتيحه من إمكان الحمل خارج الجسم الإنساني، وما يوفره للمرأة من حرية مطلقة في الاستغناء عن الرجل استغناء تاما إذا ما رغبت في إنجاب أطفال، يخرجون من بطون الأجهزة طبقا لما تحدده المرأة لطفلها الصناعي من مواصفات وقدرات وأشكال.

قضية المهر تتلخص في أنه “رمز” 

وأوضح الإمام الطيب، أن الشريعة الإسلامية تطالعنا بنصوص شرعية صريحة دعت إلى يسر المهور، وإلى الاكتفاء فيها بأيسر الأشياء وأقلها ثمنا، ذلكم أن فلسفة الإسلام في قضية المهر تتلخص في أنه “رمز” للتعبير عن الرغبة القلبية الصادقة في الارتباط بالزوجة، وليس مظهرا من مظاهر السفه أو البذخ والمباهاة، وما يستتبع كل ذلك من تكاليف ومغارم تضطر الأسر البسيطة إلى الاقتراض والاستدانة ومعاناة هموم وآلام نفسية قد تصاحبها طويلا، وتقض مضجعها ليلا ونهارا، مع أن نبي الإسلام ﷺ نزل في مقدار «المهر» وتيسيره إلى مستوى خاتم من حديد، بل اكتفى فيه بأن يحفظ الزوج زوجته سورة من سور القرآن.

وأوضح شيخ الأزهر أن نزول الرسول في مقدار المهر لم يكن ذلك منه ﷺ حطا من قدر الزوجة أو إزراء بهذه الرابطة المقدسة، بل كان من قبيل وضع الأمور في موضعها الصحيح، فالرغبة القلبية، أو الحب الذي يجمع بين قلبين متحابين هو عاطفة نبيلة مقدسة، دونها أموال الدنيا بأسرها، وإذن فليكف فيها ما يشير إلى هذه العلاقة ولو من بعيد.

وتابع: لعلَّ هذا ما دفعَ النبي ﷺ لأنْ يوصيَ الشَّباب –ومن ورائِهم: الأمة كلها- باليُسرِ في “المهور”، وجعل من هذا اليُسر سُنَّةً من سُنَنِه ﷺ، بل تكليفًا شَرعيًّا يُثاب فاعله، وإنْ كان لا يعاقب على تركِه، وفي هذ الأمر يقول ﷺ: “خيرُ الصَّدَاقِ يُسراه”( )، ويقول: “إنَّ أعظمَ النِّساء بركة أيسرهنَّ مؤنة”، وقال له شاب مرَّة: “إنِّي تزوَّجتُ على مائة وسِتِّينَ درهمًا، فاستكثرها النبي ﷺ، وقال للشَّابِّ: كأنَّــكُم تنحتونَ الفضَّة مِن عُرْضِ هذا الجَبَل”.

التحذير من المغالاة

ولخطر المغالاة في المهور على بناء الأسرة في المجتمع، استشهد  الإمام الطيب، بموقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للتحذير من المغالاة، حيث عزم أمير المؤمنين على سن قانون يحدد المهور عند مستوى يستطيعه عامة الناس، ومهد لذلك بخطبة قال فيها: “ألا لا تُغالُوا في المهور؛ فإنَّها لو كانت مكرمةً في الدُّنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رَسُولُ الله ﷺ!؛ ما أصدق امرأة قطُّ من نسائِه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فمَن زاد منكم على «أربعمائةٍ» شيئًا جَعلتُ الزيادة في بيت المال”.

وتابع: “غير أن عمر لم يلبث أن تراجع عن المضي في تنفيذ فكرته هذه، حين وقفت له امرأة قرشية تقول: «ليس ذلك إليك يا عمر. فقال: ولِمَ؟ قالت: لأنَّ الله تعالى يقول في سورة النساء: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}»، فما كان من عُمر إلَّا أنْ قالَ: «اللهُمَّ عفوًا!» أخطأ عُمر وأصابت امرأة”.

وبين شيخ الأزهر أن الآية الكريمة لا تدعو إلى زيادة المهور أو الغلو في قيمتها، ولكنها من باب التشديد على أن "المهر" حق خالص للزوجة، لا يجوز للزوج أن يأخذ منه لا قليلا ولا كثيرا، حتى لو كان ما دفعه مهرا لزوجته “قنطارا من ذهب” فهي على سبيل المبالغة في تحذير الزوج من أن تمتد يده إلى مهر الزوجة.

وتابع أنه قد ترتب على ظاهرة المهور الغالية ظاهرة أخرى، هي: ظاهرة العنوسة وظاهرة العزوبة التي يعاني الشباب -بسببها-، ضغوطا نفسية لا يستهان بها من أجل أن يحتفظ بطهره وعفافه وطاعة أوامر ربه، وليس من شك في أنه لا حل -والوضع كذلك- إلا تيسير الزواج وعودته لصورته البسيطة التي حث عليها الإسلام، وإذا كنا ننادي اليوم بضرورة تجديد الخطاب الديني فإن أول خطاب يجب البدء بتجديده وإعادة إنتاجه هو هذا الموضوع.

اقرأ أيضًا:

أمل عمار: الخطاب الديني المستنير والإعلام الواعي ركيزتان لتمكين المرأة

search