الأربعاء، 04 فبراير 2026

05:34 ص

وثائق إبستين: حين صرخت الأوراق.. وخرس الإنسان!

تخيّل أن تُفتح غرفة مظلمة بعد سنوات من الإغلاق.. الهواء ثقيل، والغبار متراكم، والأوراق مكدّسة بلا أصوات.. كل ورقة تحمل حكاية، وكل حكاية تحمل وجعًا لم يسمعه أحد في وقته.

هكذا فُتحت وثائق جيفري إبستين، ليس كمفاجأة، بل كاعتراف متأخر من عالمٍ كان يعرف كل شيء لكنه فضّل الصمت.

لم تكن الوثائق صادمة لأنها كشفت أسماء، ولا لأنها أعادت تدوير فضيحة يعرفها العالم منذ سنوات. 
الصدمة الحقيقية كانت في أن الحقيقة احتاجت موت صاحبها كي يُسمح لها بالخروج. فُتحت الملفات بعد أن أُغلق القبر، وتكلمت الأوراق بعدما صمت الجميع طويلًا.

في زحمة النفوذ والتكهنات، اختفى الإنسان مرة أخرى، الضحية لم تكن عنوانًا، ولا اسمًا لامعًا، بل هامشًا في قصة كبيرة لا تخصها. 

وثائق إبستين لم تُكتب بلغة الألم، بل بلغة القانون والوقائع والجداول الزمنية، لكن خلف كل سطر، كان هناك جسد صغير، وصوت خائف، وحياة انقسمت إلى "قبل" و"بعد".

الضحايا في هذه القصة لم يُمنحوا رفاهية الكلام في الوقت المناسب، وحين جاء وقت الكلام، كان العالم منشغلًا بسؤال آخر: من المتورط؟ لا ماذا حدث لمن لا صوت لهم؟ كأن المأساة لا تكتمل إلا حين يُربط اسم الضحية باسم أقوى منها.

هل ما حدث عدالة حقيقية؟ أم مجرد شعور عالمي متأخر بالذنب؟

كرجل قانون أؤكد لكم أن العدالة التي تأتي بعد سنوات من الصمت، وبعد موت المتهم، وبعد أن تشيخ الذاكرة، هي عدالة منقوصة مهما بدت مكتملة على الورق.
الوثائق منحت العالم معلومات، لكنها لم تُعد للضحايا أعمارهم، ولا نومهم، ولا إحساسهم بأنهم كانوا مرئيين يومًا ما، وأخطر ما كشفته الوثائق ليس من ذُكر اسمه، بل من لم يُسأل، ومن تأخر سؤاله، ومن ظل محميًا بالصمت أو بالمكانة أو بالهيبة.

القصة هنا ليست عن شخص واحد منحرف، بل عن منظومة تعرف كيف تؤجل الحقيقة، وكيف تُفرغها من معناها الإنساني حين تظهر.
في هذا العالم، ليست كل الضحايا متساوية، وليست كل الجرائم تستحق نفس الغضب.

من أكثر ما أربكني شخصياً في وثائق إبستين أن بعض الأسماء ارتبطت، لسنوات طويلة، بصورة "المحسن" و"فاعل الخير"، مثل الملياردير وأيقونة التكنولوجيا بيل جيتس، أشخاص مثله تصدّروا مشاهد التبرع، ودعم القضايا الإنسانية، والظهور كحماة للضعفاء، قبل أن تضعهم الوثائق في سياق لا يشبه تلك الصورة اللامعة.

المسألة هنا ليست في إدانة أشخاص بأسمائهم، بل في السؤال الأعمق: كيف يمكن للإنسان أن يرتدي قناع الرحمة في العلن، ويمارس أقسى أشكال الانتهاك في الظل؟ وكيف تتحول أعمال الخير أحيانًا إلى درع أخلاقي، يربك الشكوك، ويؤجل المساءلة، ويمنح الجريمة وقتًا إضافيًا لتختبئ؟

هذه الازدواجية ليست تفصيلًا نفسيًا، بل جزء من منظومة كاملة، تعلّمت أن الفضيلة حين تُعرض جيدًا، قد تُسكت الضحايا، وتُربك المجتمع، وتُقنع العالم بأن الشر لا يمكن أن يخرج من هذا الوجه المألوف.
الإعلام ركض خلف الأسماء الأكثر شهرة، والأكثر إثارة، والأكثر قابلية للتداول،  أما الضحية، فكانت 
"تفصيلًا مؤلمًا وثانوياً" لا يحقق نسب مشاهدة.

في فضيحة القرن، كبر العنوان، وصغر الإنسان، وأصبحت المأساة مادة للنقاش، لا جرحًا مفتوحًا، تنزف منه البشرية ويئن بسببه الضمير الإنساني!
حقيقة واحدة باقية لا تقولها الوثائق صراحة، لكنها تصرخ بها بين السطور، أن العالم كان يعرف، وأن الصمت لم يكن جهلًا بل اختيارًا، وأن الحقيقة لا تموت .. لكنها قد تُحبس طويلًا!

وثائق إبستين لن تُعيد الزمن، ولن تُنقذ من لم يُنقذوا، ولن تشفي ذاكرة اختارت النسيان كي تستمر، لكنها تضع العالم أمام مرآة غير مريحة، خصوصاً حين يكون قادته ورموزه متورطين في أفعال يندى لها الجبين وجرائم لا يمكن أن تسقط بالتقادم، حتى لو أنكرها الجميع!

الضحايا في سجلات إبستين لم يطلبوا الانتقام، طلبوا فقط أن يُصدّقوا، وأن يُقال في وقتٍ ما إن ما حدث لهم كان جريمة، لا تفصيلًا عابرًا!

ربما لا تمنحنا الوثائق عدالة كاملة، لكنها تترك سؤالًا معلّقًا لا يجب أن يُنسى، كم قصة إنسانية أخرى ما زالت حبيسة الأدراج، في انتظار أن يُفتح الباب قبل فوات الأوان؟

رابط مختصر

تابعونا على

search