الخميس، 22 يناير 2026

02:13 ص

ماذا تريد الحكومة من المصريين في الخارج؟!

ماذا تريد الحكومة من المصريين في الخارج؟! يظل هذا السؤال عالقًا في ذهني كلما تابعت قرارات تُتخذ باسم الدولة، وتُطبّق على المصريين في الخارج دون أدنى إدراك لواقعهم أو لمعاناتهم. وأسأل نفسي، بحكم إقامتي بين مصر والإمارات: هل يُنظر إلى المصري المغترب كمواطن كامل الحقوق، أم كمجرد ماكينة صماء لضخ العملة الأجنبية؟

قرار إلغاء السماح للمصري المغترب بإدخال هاتف محمول كل ثلاث سنوات، وحصر مدة استخدام هاتفه داخل بلاده في ثلاثة أشهر سنويًا ليس فقط قرارًا غير مفهوم، بل هو قرار تعسفي، يخلو من أي منطق اقتصادي أو إنساني، ويعكس فجوة خطيرة بين متخذ القرار والواقع الذي يعيشه ملايين المصريين خارج البلاد.

هذه الحكومة تتعامل مع المصريين في الخارج باعتبارهم مصدرًا مجردًا للعملة الصعبة، لا بشرًا من لحم ودم، لهم التزامات وأسر وضغوط معيشية، ويستحقون التقدير والمراعاة لا التضييق والعقاب المقنّع.

ولعل الأرقام وحدها كافية لفضح هذا التناقض؛ إذ ارتفعت تحويلات المصريين في الخارج خلال عام 2025، من يناير إلى نوفمبر، بنسبة 42%، لتسجل نحو 37.5 مليار دولار، مقارنة بـ 26.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024، متفوقة على جميع مصادر العملة الصعبة الأخرى، سواء قناة السويس أو السياحة أو حتى الاستثمار الأجنبي.

ومع ذلك، أربأ بالمصريين في الخارج أن يزايدوا على وطنهم بما يرفدونه به من عملة صعبة، خاصة وأن الحكومة لا تُقدّر ذلك، بل يبدو أن لديها قناعة راسخة بأنهم مجبَرون على التحويل لمساعدة ذويهم في الوطن، وبالتالي لا يستحقون جزاءً ولا شكورًا.

الأكثر إزعاجًا أن هناك جهلًا فادحًا بحال غالبية المصريين في الخارج. ومن واقع معايشة حقيقية، فإن معظمهم يعمل في وظائف متوسطة، ويعيش بالكاد في الدول التي يقيم فيها، ويكافح لتأمين حياة كريمة لأسرته، لذا كفاكم -بالله عليكم- هذا الظن الساذج بأن المغتربين يغرفون المال من تلال مكدسة بالدراهم والريالات والدنانير.

المصريون في الخارج محرومون، بكل واقعية، من مزايا أساسية يفترض أن تكون حقًا أصيلًا لهم، في مقدمتها فرص التحاق أبنائهم بالجامعات الحكومية في مصر، بدعوى أن إمكاناتهم المادية تفوق ذلك، وأن عليهم التوجه قسرًا إلى الجامعات الخاصة. وهو افتراض ظالم، وقصور فجّ، ومؤلم إلى حد لا يمكن تجاهله.

وأقسم أنني لا أتحدث عن نفسي أو عن ظروفي المادية، لكنني ألمس عن قرب معاناة عشرات المغتربين في دول مختلفة، وكيف يتحملون بصعوبة بالغة كلفة تعليم أبنائهم في مدارس وجامعات تُرهقهم ماديًا ونفسيًا، دون أي سند أو تفهّم من دولتهم الأم.

هذه الحكومة لا تبذل جهدًا حقيقيًا في تعظيم موارد المصريين في الخارج، ولا في تعميق ارتباطهم بوطنهم، ولا حتى في حمايتهم من الصدمات المفاجئة، فالمصري المغترب أكثر عرضة لفقدان عمله من نظيره في الداخل، وتخيلوا معي مواطنًا انقطع رزقه، واضطر للعودة إلى بلاده، ليُفاجأ بأنه مطالب بدفع ضرائب على هاتفه وربما هواتف أفراد أسرته، وفق هذا النظام الجديد المجحف.

الحكومة تدّعي أن هذا القرار جاء دعمًا لمصانع محلية تنتج هواتف محمولة بأسعار تنافسية. لكن الواقع يؤكد أن تلك المصانع، التي تقوم بتجميع هواتف لعلامات مثل “أوبو” و"سامسونج"، تبيع منتجاتها بأسعار أعلى من دول تكتفي بالاستيراد فقط، مثل دول الخليج. فأين هي التنافسية التي يتحدثون عنها؟

لقد تحدثت مع كثير من المصريين في الخارج، وكان القاسم المشترك بينهم هو الإحباط والألم، ليس فقط بسبب قرار بعينه، بل بسبب إحساس عام بعدم التقدير، وبأن هذه الحكومة تتعامل معهم وكأنهم بقرة يُراد حلب آخر قطرة منها، دون أدنى اهتمام بتغذيتها أو رعايتها، وهو تشبيه قاسٍ، نعم، لكنه يعكس إحساسًا عامًا متراكمًا لا يمكن تجاهله.

في غالبية دول العالم، هناك مسارات مخصصة لأبناء البلد في المطارات، ورعاية حقيقية من القنصليات والسفارات، وتعامل راقٍ مع المواطن بوصفه قيمة يجب الحفاظ عليها، أما عندنا، فلو فُتح باب الشكوى على مصراعيه، لاحتجنا إلى حكومة موازية لرصد هموم ومعاناة المصريين في الخارج.

ويبقى السؤال المشروع:

هل المطلوب من المصري في الخارج أن يعمل، ويحوّل، ويسكت، ثم يعود مجردًا من أبسط حقوقه كمواطن؟

المصريون في الخارج لا يطلبون امتيازات، بل معاملة عادلة، واحترامًا يليق بمواطن لم يغادر وطنه كرهًا، بل بحثًا عن لقمة عيش، ثم لم يتخلَّ عنه يومًا!

search