الثلاثاء، 10 مارس 2026

12:49 ص

دبي في زمن الحرب

في أوقات الحروب والاضطرابات العالمية، تظهر دائماً أصوات تحاول التشكيك في قدرة المدن الجديدة على الصمود، ومؤخراً عاد هذا الجدل إلى الواجهة بعد مقال للكاتب "جانين جانيش" في صحيفة فايننشال تايمز العريقة بعنوان "لماذا ستقاوم دبي؟" تناول فكرة قديمة في بعض الكتابات الغربية تصف دبي بأنها "بيت من ورق".

لإمارة دبي خصوصية فريدة، فهي بدون مبالغة معشوقة ملايين البشر، لأسباب لا يمكن أن يدركها سوى الذي يعيش بها، أو زارها مرات عدة، وأهم هذه الأسباب أنها "صديقة للإنسان" أيا كانت إمكاناته المادية، فضلاً عن رفاهيتها الاستثنائية وجمالها ونظافتها.. باختصار دبي المكان الذي تشعر بحنين جارف إليه حين تفارقه ولو لأيام قليلة.

وبالمناسبة لقد غادرت دبي في رحلة كان مخططاً لها أن تستمر يومين فقط، لكن اشتعلت شرارة الحرب بينما كنت في الخارج، وأغلق المجال الجوي لدولة الإمارات.

وفي الوقت الذي كان يبحث كثيرون عن رحلة للمغادرة، كنت سأجن للعودة، وحجزت أكثر من خمس تذاكر سفر على رحلات ألغيت جميعها حتى وفقت للعودة إلى دبي مرة أخرى، وكلما سألني أحد أثناء وجودي في الخارج، عن سر إصراري واستعجالي على العودة، لم أملك سوى إجابة واحدة، وهي - دون مبالغة-  “أن روحي في دبي”.

وبالعودة إلى البداية، من المفارقة أن العالم الذي يُفترض أنه الأكثر استقراراً هو نفسه الذي أصبح اليوم ساحة للحروب والاضطرابات، فالقارة الأوربية العجوز التي أنجبت مدناً تاريخية مثل لندن تعيش منذ سنوات على وقع أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة، فضلاً عن الحرب الروسية الأوكرانية المعقدة، وسلسلة من التوترات والصراعات التي أعادت رسم خريطة الاقتصاد العالمي.

في مثل هذا العالم المضطرب، لم تعد قوة المدن تُقاس بعمرها التاريخي، بل بقدرتها على التكيف مع الأزمات، وهنا تحديداً تظهر دبي بصورة مختلفة تماماً عن تلك التي يتخيلها منتقدوها، أو يتمنى حاقدوها.

دولة الإمارات عموماً ودبي على وجه الخصوص سوف ستتجاوز هذه الحرب مهما طالت أو كانت تداعياتها، فدبي اختارت أن تتحول إلى مساحة مفتوحة للعالم.

رجال الأعمال الذين ضاقت بهم القيود في مناطق أخرى، والشركات التي تبحث عن بيئة مستقرة وسط الفوضى الجيوسياسية، وجدوا في دبي مدينة لا تسألهم من أين جاؤوا بقدر ما تسألهم، ماذا يمكن أن تصنعوا هنا؟

وهذه ليست مصادفة، فدبي لم تُبنَ على فكرة الدولة التقليدية أو الاقتصاد المغلق، بل على مفهوم بسيط وذكي، أن تكون مركز التقاء العالم، ولهذا أصبحت خلال سنوات قليلة نقطة عبور لرؤوس الأموال والتجارة والخدمات اللوجستية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

منتقدو دبي يرون في اعتمادها الكبير على الوافدين دليلاً على هشاشتها، لكن الواقع يقول إن هذا التنوع السكاني هو سر قوتها، فحين يضيق العالم بسبب الحروب أو العقوبات أو الأزمات الاقتصادية، تتحول دبي إلى مساحة يلتقي فيها الجميع، المستثمر الأوروبي، ورجل الأعمال الآسيوي، ورائد الأعمال القادم من الشرق الأوسط، فضلاً عن ملايين الموظفين الذين يشكلون لوحة إنسانية فريدة تلونها مائتا جنسية مختلفة..

ولهذا تبدو بعض الانتقادات الغربية لدبي وكأنها تقيس مدينة حديثة بمعايير عالم قديم، فدبي ليست مدينة تشكلت عبر قرون مثل لندن، لكنها أيضاً ليست مدينة تنتظر التاريخ ليمنحها مكانتها، إنها إمارة بُنيت في عصر العولمة، وتفهم قواعده أكثر من معظم المدن العريقة.

وفي عالم يتغير بسرعة بسبب الحروب والصراعات الجيوسياسية، قد تكون هذه القدرة على التحرك السريع هي الفارق الحقيقي بين المدن التي ستصمد وتلك التي ستجد نفسها أسيرة ماضيها.

لذلك، عندما يصف البعض دبي بأنها «بيت من ورق»، ربما يكون الوصف الأدق أنها مدينة تعرف كيف تعيش في عالم لم يعد مستقراً، عالم تتغير خرائطه السياسية والاقتصادية كل يوم، وتنجح فيه المدن التي تملك الشجاعة لتعيد اختراع نفسها باستمرار.

كثيرون حاولوا تشويه صورة دبي، من بينهم دول خسرت كثيراً من أثريائها الذين اختاروا الإمارة الرائعة، لأنهم وجدوا فيها كل شيء، وفيما يظن هؤلاء الحاقدون أن الحرب الدائرة حالياً سوف تقضي على دبي، أرى أنهم لا يدركون أنها ليست مدينة مؤقتة.. بل إمارة وُلدت لتعيش في زمن التحولات الكبرى، لأنها ببساطة لم تنتظر التاريخ ليصنعها.. بل صنعت تاريخها بنفسها.

title

مقالات ذات صلة

search