الجمعة، 15 مايو 2026

11:53 م

الوجع.. هل يمكن أن تكون سببا في حبس ابنتك؟

سؤال يبدو صادماً ومستحيلاً لمعظم الآباء.. لكن بعض الحروب العائلية تصل أحياناً إلى مرحلة يفقد فيها الجميع القدرة على رؤية الخط الأحمر الذي لا يجب تجاوزه أبداً وهو الأبناء!

في القضية التي أثارت جدلاً واسعاً أخيراً، انقسم الناس في تعليقاتهم عبر "تليجراف مصر" بين متعاطف مع أب يقول إنه حُرم من حقوقه لسنوات، ومتعاطف مع فتاتين صغيرتين وجدتا نفسيهما فجأة أمام حكم بالحبس بسبب اتهامات تتعلق بالتزوير للحصول على مفردات مرتب من شركة والدهما، في محاولة لإثبات حق في النفقة.

لكن بعيداً عن الجدل القانوني والانقسام الحاد على مواقع التواصل، يبقى السؤال الأكثر قسوة:
كيف يمكن أن تصل خصومة بين زوجين سابقين إلى هذه النهاية؟

وكيف تتحول علاقة بدأت بالمودة والإنجاب وتأسيس بيت إلى معركة مفتوحة يصبح فيها الأبناء أنفسهم وقوداً للصراع؟

القانون يتعامل مع الواقعة باعتبارها جريمة تزوير يجب النظر إليها وفق الأدلة والنصوص القانونية، وهذا أمر مفهوم في دولة تحكمها المؤسسات والقانون، لكن الحياة الإنسانية أكثر تعقيداً من النصوص وحدها.

فنحن هنا لا نتحدث عن مجرمين محترفين أو شبكة احتيال، بل عن فتاتين في عمر الجامعة والثانوية، نشأتا وسط نزاع عائلي طويل، وتحولتا تدريجياً من ابنتين داخل أسرة مفككة إلى طرفين في حرب أكبر بكثير من عمرهما وخبرتهما وقدرتهما على تقدير العواقب.

المؤلم في مثل هذه القضايا أن الجميع يتوقف أمام سؤال "من المخطئ؟ بينما تضيع الأسئلة الأهم حول من كان يجب أن يحتوي، ومن كان يجب أن يتنازل، ومن كان يملك القدرة على إيقاف الكارثة قبل الوصول إلى ساحات المحاكم؟
الأب، بحكم السن والخبرة والسلطة الأبوية، كان الطرف الأكثر قدرة على إدراك حجم الضرر النفسي والاجتماعي الذي قد يتركه هذا المسار على ابنتيه.
حتى لو افترضنا وجود خطأ حقيقي، وحتى لو كان هناك تجاوز قانوني يستوجب المساءلة، يبقى السؤال الإنساني قائماً، هل كان من الضروري أن تصل الأمور إلى الحبس؟
وهل كان يمكن معالجة الأزمة بطريقة تحافظ على هيبة القانون، من دون أن تتحطم حياة فتاتين في بداية العمر؟

في كثير من النزاعات الأسرية الطويلة، ينسى الأطراف أن الأبناء لا يملكون رفاهية الانحياز الكامل، فالابنة لا تستطيع أن ترى أباها خصماً كاملاً، ولا أمها ملاكاً كاملاً، لكنها غالباً تجد نفسها مجبرة على الانخراط في الصراع، تدريجياً، حتى تصبح جزءاً منه من دون أن تشعر.

والأخطر أن بعض الآباء والأمهات، تحت ضغط الغضب والرغبة في الانتصار، يتحولون من حماية الأبناء إلى استخدامهم كورقة ضغط أو وسيلة لإثبات موقف أو كسب معركة نفسية وقانونية ضد الطرف الآخر.

وهنا تتحول الأسرة من مساحة أمان إلى ساحة حرب مستباح فيها كل شيء،  حتى مستقبل الأبناء وسمعتهم وصحتهم النفسية.

المؤلم أيضاً أن المجتمع يتعامل مع مثل هذه القضايا أحياناً بمنطق التشجيع والانحياز، وكأنها مباراة يجب أن يفوز فيها طرف ويُهزم الآخر، بينما الحقيقة أن الجميع يخسر.
فلا يوجد أب يخرج منتصراً بالكامل من مشهد تُسجن فيه ابنتاه، ولا توجد أم تستطيع اعتبار ما حدث نصراً حقيقياً، ولا فتاتان ستخرجان من هذه التجربة كما كانتا قبلها.

عقوبة الحبس هنا لا تتوقف عند أبواب السجن، فهناك نظرات المجتمع، والوصمة، والانكسار النفسي، والخوف، والأسئلة التي ستلاحق فتاتين صغيرتين لسنوات!

كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف أصبح الأب جزءاً من الطريق الذي قاد ابنتيه إلى هذه النهاية القاسية؟
القانون يطبق النصوص، لكن العائلات لا تُدار بالقانون وحده، فهناك لحظات تصبح فيها الحكمة أهم من التصعيد، والاحتواء أهم من العقاب، والرحمة أهم من كسب جولة جديدة في حرب عائلية لا رابح فيها.
وفي النهاية، يبقى السؤال نفسه معلقاً كما بدأنا المقال: حين تتحول الخصومة بين الأب والأم إلى معركة مفتوحة،  من يحمي الأبناء من أن يصبحوا الضحايا الحقيقيين؟

search