بين "الطيبات" والطب .. كيف انتصر العوضي على العلم!
الجدل المثار حول "نظام الطيبات" والطبيب الراحل ضياء العوضي ليس مجرد خلاف طبي عابر حول نظام غذائي، بل كشف ظاهرة أعمق وأكثر تعقيدًا، تتجاوز حدود التغذية والحمية، وتمس العلاقة المضطربة بين العلم، والدين، والتأثير النفسي، والسوشيال ميديا.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بما إذا كان النظام مفيدًا أو ضارًا، بل بالسؤال الأخطر، كيف يتمكن شخص واحد من إقناع آلاف الناس بتغيير علاقتهم بالطعام والدواء والمرض، إلى هذا الحد؟
"ليسوا بسطاء"
أكثر ما لفت انتباهي في هذه الظاهرة أن كثيرًا من المتحمسين للنظام ليسوا من محدودي التعليم أو قليلي الثقافة، بل بينهم أصحاب شهادات عليا، ومهنيون، بل وحتى أطباء.
وهنا تحديداً تكمن خطورة الظاهرة، لأنها تنسف الفكرة التقليدية القائلة إن الجهل هو سبب التأثر بالخطاب غير العلمي.
الحقيقة أن الإنسان، مهما بلغ تعليمه، يبقى كائنًا عاطفيًا يبحث عن الأمل، وعن الإجابات البسيطة للمشكلات المعقدة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالصحة والمرض والشفاء.
فالأنظمة التي تعد الناس بحلول "جذرية"، أو تستحضر فكرة "العودة إلى الطبيعة"، أو تصور الطب الحديث باعتباره سبباً للمشكلات لا علاجاً لها، تجد دائماً من يصغي إليها، حتى داخل الأوساط المتعلمة.
استغلال الدين
وأعتقد أن ما منح نظام "الطيبات" تأثيرًا أوسع لم يكن الغذاء وحده، بل الطريقة التي جرى بها تقديمه، فالمسألة لم تُطرح باعتبارها مجرد نصائح تغذية، بل أُحيطت بخطاب ديني وروحي مكثف، يقوم على مفردات مثل "الطعام الذي خلقه الله"، و"العودة للفطرة" ، و"ترك السموم الحديثة"، وغيرها من العبارات التي تلامس وجدان الناس سريعًا.
وهنا يصبح النقاش أكثر حساسية، لأن أي اعتراض علمي على النظام يتحول في نظر بعض المؤيدين إلى اعتراض على الدين نفسه، رغم أن المسألتين مختلفتان تمامًا.
فالطب علم تجريبي يقوم على الدراسات والاختبارات والأدلة، بينما الإيمان مسألة روحية لا يجوز توظيفها لتجاوز المعايير العلمية أو منح أي طرح حصانة ضد النقد.
عيادة السوشيال ميديا
في الماضي، كان الطبيب يحتاج سنوات طويلة لبناء سمعته داخل المجتمع الطبي، أما اليوم، فقد تكفي كاميرا وهاتف وحضور مؤثر لبناء "ثقة جماهيرية" تتجاوز أحياناً المؤسسات الطبية نفسها.
والخطر هنا أن المنصات الرقمية لا تكافئ الأكثر علمًا دائمًا، بل الأكثر قدرة على التأثير والإقناع وصناعة المحتوى، ولهذا، تنتشر المقاطع القصيرة والوعود الحاسمة والنصائح المطلقة بسرعة هائلة، بينما يبدو الخطاب الطبي التقليدي أكثر تعقيداً وتحفظاً وأقل جاذبية للجمهور.
فالناس تميل بطبيعتها إلى من يقول لها “أنا أملك الحل”
أكثر ممن يقول "الأمر يحتاج إلى دراسة وفحوص واحتمالات متعددة، وضف إلى ذلك طبعًا أن الأنظمة البديلة أقل كلفة، في ظل أنها لا تحتاج إلى فحوص أو مختبرات أو أشعة أو جراحة أو أدوية في زمن تتفوق فيها أسعار بعض الأدوية والخدمات على أسعار الذهب نفسه!
جزء كبير من قوة هذه الأنظمة يأتي من القصص الشخصية التي تروج باعتبارها نجاحات لا يمكن إثباتها مثل شخص يحكي كيف فقد وزنه، وآخر تحسنت حالته وشفي من مرض مستعصٍ، وثالث توقف عن دواء كان يتناوله فصار قوياً معافى
المشكلة أن الطب لا يُبنى على التجارب الفردية أو القصص السابقة حتى لو كانت صحيحة، لأن ما ينجح مع شخص قد يضر آخر، وما يبدو تحسناً مؤقتاً قد يخفي مضاعفات لاحقة.
ولهذا، تقوم العلوم الطبية على الدراسات واسعة النطاق، والتحليل الإحصائي، والمراجعة العلمية، لا على الروايات العاطفية وحدها، خصوصاً لو كانت كاذبة أو مبالغ فيها.
بين النقد والتشفي
وفاة ضياء العوضي فجّرت موجة أخرى من الجدل، تجاوزت النقاش العلمي أحيانًا إلى ما يشبه "المحاكمة الشعبية"، أو في المقابل "التقديس الكامل".
جدل احتدم بين من رأى فيه مصلحًا رائدًا حاربته المؤسسات، ومن اعتبره نموذجاً لخطورة التأثير غير المنضبط، وضاعت بينهما المساحة الهادئة للنقاش العقلاني.
وفي كل الأحوال، تبقى الوفاة حدثًا إنسانيًا يستوجب قدرًا من الاحترام، حتى مع استمرار الجدل حول الأفكار والتجارب والممارسات.
ليس خطأ أن يبحث الناس عن أنماط حياة صحية، أو أن يهتموا بالغذاء الطبيعي، أو أن ينتقدوا بعض ممارسات الطب الحديث، لكن الخطورة تبدأ حين يتحول الرأي الشخصي إلى "حقيقة مطلقة"، وحين يُدفع المرضى إلى قرارات مصيرية دون إشراف علمي، أو حين يُستخدم الخطاب الديني والعاطفي لمنح أفكار غير مثبتة حصانة ضد النقد والمراجعة.
فالطب ليس ساحة للإيمان أو الكاريزما أو عدد المتابعين، بل علم تحكمه الأدلة، مهما كانت جاذبية الخطاب وجمال الحكاية.
الأكثر قراءة
-
مكيدة وسيارة مغطاة وغدر صديق.. جريمة التجمع في 10 مشاهد
-
ديون أخوه السبب.. أمن القليوبية يكشف كواليس خطف شاب من المنوفية
-
اضبط التردد.. القنوات المجانية الناقلة لمباراة الأهلي وبرشلونة وموعد اللقاء
-
"البيوت اترجت بينا".. شهود عيان يكشفون تفاصيل اللحظات الأولى لحريق قويسنا
-
بعد الإصابة وعدم تجديد العقد.. موقف إمام عاشور من ودية برشلونة
-
هل تم تغيير الزي المدرسي بالأقصر؟ مجلس الأمناء يحسم الجدل
-
بيزيرا يستقر على وجهته بعد العودة من البرازيل.. واتجاه لرحيل عبدالله السعيد
-
من 5 موظفين إلى قمة فوربس.. هل يلعب بيزنس ساويرس بقوانينه الخاصة؟
مقالات ذات صلة
من حق جماهير مصر أن تحلم لمحمد صلاح
06 أغسطس 2026 09:00 م
ادفع ملايين.. وذل نفسك في الساحل الشرير!
18 يوليو 2026 06:30 م
لماذا لا يتحركون إلا بعد حديث الرئيس؟!
15 يوليو 2026 07:28 م
حسام حسن.. قصة بطل شعبي
07 يوليو 2026 11:17 ص
"المنفسنون" يمتنعون اليوم!
03 يوليو 2026 03:35 م
لماذا يكرهون الساجدين؟
26 يونيو 2026 04:25 م
أبوان جاحدان.. وطفل باعه الجميع!
12 يونيو 2026 02:42 م
المستشار محمد نجيب يكتب: حين تصبح المحاسبة أمراً غريباً!
08 يونيو 2026 07:06 م
أكثر الكلمات انتشاراً