الخميس، 24 سبتمبر 2026

03:03 م

الخميس، 24 سبتمبر 2026

03:03 م

محيي الدين نوح من الطب إلى طلب ملحّ للسادات على الجبهة.. سيرة الفدائي وسورة النصر أو الشهادة

اللواء محيي الدين نوح في حوار شامل مع تامر إبراهيم

اللواء محيي الدين نوح في حوار شامل مع تامر إبراهيم

في أحد أيام صيف 1943، وبالتحديد يوم السادس من أغسطس ببندر الزقازيق بمحافظة الشرقية، رُزق المهندس الزراعي خليل مهدي نوح بـ ابن أسماه "محيي الدين"، الذي خطط له منذ حبوه أن يصير طبيبًا أو مهندسًا، لكن أتته من أقدار الله أشياء لم يٌخطط ليها يومًا أو تمر عابرة على باله.

كان المهندسون الزراعيون في ذلك التوقيت يحصلون على "إقطاعية زراعية"، وكان نصيب المهندس خليل مهدي في قطعة أرض بعزبة المربع في كفر الوكالة بمركز شربين بالدقهلية، فاصطحب أسرته إلى هناك للعيش وكان من بينهم الطفل محيي الدين الذي كان عمره وقتها 5 سنوات.

بين الشرقية والدقهلية شبّ محيي الدين واشتد عوده. في الطفولة حرص على لعب الرياضة، وسلك مسلكه داخل حلبات الملاكمة منذ صغره، وكانت الحلبات بوابة العبور إلى شيء غامض يغير مجريات التاريخ.

عين شفيق وإرادة الأم ومواجهة كلاي

في المرحلتين الإعدادية والثانوية كان محيي الدين دؤوبا في لعب الملاكمة، وتكلل دأبه بالحصول على بطولتي: الجمهورية للناشئين، وبطولة الجمهورية مدارس بالثانوي العام.

حصل “محيي” على مجموع 69% في الثانوية العامة، ولأنه كان متفوقًا رياضيًا منحته الدولة 10% زيادة على مجموعه، فصار 79%، لذلك التحق بكلية الطب جامعة القاهرة، وهُناك أيضًا لم يتوقف عن لعب الملاكمة.

قميص وقفازات وقناع وحلبة مربعة تحدوها حبال مشدودة، وفي المنتصف شاب ممشوق القوام قوي البنية، وكل ذلك في الإسكندرية، حيث تجارب تُجرى لاختيار أبرز الملاكمين المصريين للمشاركة في بطولة دولية.

بدأت إحدى المباريات، هناك يواجه طالب كلية الطب محيي الدين نوح، طالبًا من القوات الجوية يُدعى "كيلاني". لكن كان من بين المشاهدين شخصًا يغير مصير طبيب المستقبل تمامًا.

444
طالب كلية الطب محيي الدين نوح في مباراة ملاكمة

بين الحضور كان يتواجد علي شفيق، مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر، وزير الحربية. ورأى طالب الطب يربح مواجهته مع نظيره في الكلية الجوية، فاستدعى ذلك الرابح وسأله: "أنت بتدرس فين؟"، فأعلمه الطالب بدراسته بكلية الطب بجامعة القاهرة، وُهنا قرر شفيق أن يقدم عرضه المصيري: "إيه رأيك ما تيجي تدخل الكلية الحربية؟ الكلية الحربية هتستفيد منك وأنت هتستفيد منها، والمدة هتبقى قصيرة، فشوف أنت رأيك إيه وأنا مكتبي موجود في الحلمية، شوف رأيك إيه وأفضل إنك أنت تدخل الكلية الحربية".

لم يجد محيي الدين نوح أي إجابة يُمكن أن يطرحها على مسامع الرجل المهم علي شفيق، لكنه تلقى العرض وقرر أن يترك القرار بيد والدته، فذهب إلى منزله وسرد ما حدث، فما كان لوالدته السيدة سميرة أحمد دعبس سوى أن تقول: "وافق فورًا، أنا عايزة واحد من أولادي يبقى ظابط في القوات المسلحة يدافع عننا ويدافع عن القوات المسلحة".

غغغ
أجرى محيي نوح اختبارات الكلية الحربية، والتحق بها ومن طبيب إلى ضابط تغير مصيره

في صباح اليوم التالي شدّ محيي الدين نوح ترحاله على منطقة الحلمية حيث يوجد مكتب علي شفيق، وما أن دخل للقاء الرجل أبلغه على الفور بقبول العرض والرغبة في الالتحاق بالكلية الحربية. وهاتف علي شفيق اللواء محمد فوزي، الذي كان وقتها مديرًا للكلية الحربية قبل أن يصبح وزيرًا.

أجرى محيي نوح اختبارات الكلية الحربية، والتحق بها، ومن طبيب إلى ضابط تغير مصيره، لكن ممارسة الملاكمة لم تتوقف، ومارسها بشكل أكبر في الكلية الحربية، تحت إشراف اللواء محمد فوزي، الذي كان يحب المصارعات العنيفة، ويرى فيها أنها خير تأهيل لتخريج مقاتلين.

مسلك محيي الدين نوح في الملاكمة والكلية الحربية تصادف مع حدث غريب في عام 1961. الملاكم العالمي محمد علي كلاي يزور الكلية الحربية. ويقع الاختيار على محيي الدين نوح للعب مباراة استعراضية مع كلاي، نظرًا لتفرده في اللعبة.

بدأت الرحلة.. طنطاوي والثعلب والنيران الصديقة

في الرابع من أبريل حيث ربيع عام 1963، تخرج الضابط محيي الدين نوح من الدفعة 44 بكلية الحربية، تلك الدفعة التي التحق المتفوقون بها بسلاح الصاعقة مباشرة.

في مدرسة الصاعقة، بدأ محيي الدين نوح في الحصول على فرقة رفقة 500 مقاتل آخرين، وتفوق بها وكان الأول بين أقرانه، فمكث في مدرسة الصاعقة مدرسًا ومعلمًا، يُعلم فنون الاشتباك والقتال والتعايش، والأخير ذلك كان له قصص مثيرة.

القسوة في التدريبات لن تضاهي قسوة الحرب. وتُبنى سواعد الرجال بالمشقة، لكن سواعد الأبطال تُبنى بأضعافها. هذا الأمر آية من آيات تُتلى فعلا لا قولا على رجال الصاعقة المصرية، لذلك كانت التدريبات قاسية للغاية في مناح مختلفة، منها ما علمه الضابط محيي الدين نوح لطلابه في مدرسة الصاعقة.

كانت طوابير التعايش هدفها الأول تأهيل المقاتلين المصريين على التكيف في أقسى الظروف. كيف يظلون أحياء في أماكن بلا شراب أو مأكل. لذلك تدربوا على أكل الثعابين وسائر الزواحف، واستخلاص قطرات المياه من الندى الساقط من السماء.

1
المقاتل محيي الدين نوح

يحكي محيي الدين نوح أنه ذات يوم ذهب لشراء الثعابين والقنافد لتدريب المقاتلين عليها، والبائع كان شخصًا يدعى الحاج محمد طلبة، يسكن في منطقة أبو رواش بالجيزة، وفي تلك الزيارة أصر "طلبة" أن يأكل معه محيي الدين نوح، وكانت الوجبة "ثعلب"، وأكل الضابط المصري، وأصبح ذلك النوع من الطعام شيئا يتدرب عليه مقاتلو الصاعقة باستمرار. لكن ثمة حادثة وقعت كان لها من الأسف نصيب كبير.

كان الضابط محيي نوح يستقل القطار من المنصورة في أولى ساعات اليوم كي يحضر باكرًا إلى مدرسة الصاعقة، وفور وصوله يصطحب الطلاب إلى التبة 168، وهي منطقة جبلية صخرية، وفي يوم من الأيام كان الدرس هو طابور قذف القنابل.

أثناء التدريس سقطت قنبلة من يد محيي نوح في وسط الطلاب، وانفجرت محدثة إصابات بين الطلاب، وسريعًا تم نقلهم إلى مستشفى الحلمية بالقاهرة، وفور عودته كان لديه هواجس كثيرة في رأسه، لكنه التقى الرائد أحمد صلاح عبد الحليم، قائد مدرسة الصاعقة، الذي احتوى الموقف بروح القائد الذي رأى فيما حدث خطأ ناتج عن تدريبات شاقة، والأهم أن أرواح الطلبة لم تتكبد أي خسائر.


حرب اليمن.. الكتيبة 103 صاعقة وشهادة خطيرة

في فبراير عام 1964، غادر محيي الدين نوح مدرسة الصاعقة راحلا إلى اليمن. قبل ذلك التوقيت طلب رئيس الوزراء اليمني عبد الله السلال، من الرئيس جمال عبد الناصر، مساعدته في ثورة التحرير من النظام الملكي ضد الإمام محمد البدر، فوافق جمال واشترك الجيش المصري فيما أطلق عليه بعد ذلك "حرب اليمن".

ذهبت كتيبة مصرية واحدة في بداية الأمر، لكن ثمة خسائر كبيرة حدثت بها، وذهبت كتيبة ثانية وبعدها الكتيبة 103 صاعقة التي كان محيي نوح أحد أبرز ضباطها.

هبطت كتيبة الصاعقة في مدينة الحديدة اليمنية، ثم ارتحلوا إلى العاصمة صنعاء، وهناك حصل محيي نوح على فرقة مظلات، لأن مناطق كثيرة في اليمن ذات طبيعة جبلية وعرة للغاية.

بدأ محيي عمله في اليمن حارسًا شخصيًا لعبد الله السلال، الذي كان تأمينه عملية صعبة للغاية نظرًا لكثرة تواجده بين الناس، ثم بدأ العمليات العسكرية هناك، ومن بينها ما حدث في منطقة الحجلة.

تلك المنطقة حظيت بجبل عال احتلته القوات الملكية اليمنية والمتحالفون معها، واستخدموه لنقطة انطلاق لزراعة الألغام في كل الطرق المحيطة، ما أدى إلى استهداف القوات المصرية بكثافة، ولقطع الإمداد عن القوات المدعومة مصريًا.

كان الهدف الأساسي لكتيبة الصاعقة المصرية هو احتلال ذلك الجبل، فذهب محيي نوح رفقة زميله عباس الباز والعميد سعيد إبراهيم، ونفذوا عملية معقدة للغاية، واحتلوا الجبل وأرغموا القوات المتواجدة به على التقهقر وفتح الطريق أمام القوات المصرية وتأمين عبورها.

من بين المعارك الأخرى التي خاضها ضابط الصاعقة المصري والكتيبة 103، كان ما حدث في منطقة صعدة، التي اتخذت القوات الملكية من جبالها نقطة حصينة بمساعدة القوات الإنجليزية.

4
المقاتل محيي الدين نوح

التكليف جاء للكتيبة المصرية بتفجير شريط كامل يربط القوات ببعضها لعزلهم، فصعد محيي ورفقته في دورية، ومعه مهندسين يحملون متفجرات، ولغموا المنطقة كلها، وبالفعل فجروها بالكامل، إلا أن شللا مؤقتا إثر الإنفجار أصاب محيي نوح الذي أمر رجاله بمغادرة المكان قبل أن يصابوا.

مكث محيي تحت شجرة، وتأخرت عودته إلى الكتيبة، وظنوا أنها مات وبلغوا القيادة العامة بالأمر، إلا أنهم فوجئوا في اليوم التالي بمحيي يدخل الموقع بحالة رثة.

حصل محيي نوح على ترقية استثنائية لرتبة نقيب من جمال عبد الناصر نظرًا لدوره في حرب اليمن، ثم أصيب في إحدى العمليات ونقل إلى القاهرة لتلقي العلاج، ومثلما حصل على ندوب في المعركة، حصل أيضًا على صيت كبير بين المقاتلين.

نكسة 67.. جرح غائر في الأفرول

عاد النقيب محيي الدين نوح إلى مصر بعد 3 سنوات قضاها في اليمن، واستكمل رحلته في الكتيبة 103 صاعقة، إلى أن جاءت الساعة التي غيرت كل شيء، ما قبلها ليس كما بعدها إطلاقًا.

في الخامس من يونيو 1967، شنت إسرائيل هجمات مكثفة على مصر محدثة أضرارا بالغة الخطورة فيما يُعرف بـ "نكسة 67"، وأصبحت سماء مصر مستباحة بعد تدمير المطارات والطائرات المصرية، وواجهت القوات البرية وسائر الفرق عدوا بلا غطاء جوي، فحدثت الكارثة.

في ذلك اليوم كانت الكتيبة 103 صاعقة بمدينة شرم الشيخ، ثم تحركوا إلى رأس محمد، وكان هناك صعوبة في الاتصالات، فسمعوا في الراديو المذيع أحمد سعيد يقول إن جيشنا كبّد العدو خسائر فادحة، لكنهم لم يكونوا على علم بأن ثمة كارثة حدثت.

جاءت الأوامر إلى الكتيبة التي يعمل بها النقيب محيي الدين نوح، بالتحرك من رأس محمد إلى الإسماعيلية، وما أن وصلوا حتى أبلغتهم القيادة بالخروج على طريق "القنطرة - العريش"، حيث هناك لواء مدرع ولواء مشاة إسرائيليين يتحركان لاحتلال القنطرة.

هُناك أدركت الكتيبة الكارثة، لكنهم بدأوا تنفيذ الأوامر، وكان ذلك يوم 6 يونيو، أي اليوم التالي للنكسة. وذهبت الكتيبة في آخر ضوء إلى منطقة الاشتباك وكان تسليحهم عبارة عن بنادق وRPG قديم كان اسمه «RPG  2»، في الوقت الذي يواجهون فيه لوائين مدرع ومشاة بآلاف الأفراد ودبابات متطورة وقنابل كثيرة.

كانت القوات الإسرائيلية لديها دبابات "باتون 48" الأمريكية الحديثة. والمواجهة تكاد تكون مستحيلة بين القوتين. لذلك بدأ محيي الدين نوح وأقرانه في تنفيذ حفر برميلية للمكوث بداخلها، وأخذوا الليل كله يحركون سياراتهم يمينًا ويسارًا لإيهام العدو أنهم فرقة كبيرة.

3
محيي الدين نوح مع زملائه

ما يحدث كان في منطقة جلبانة، حيث مكث المقاتلون في حفر برميلية بأسلحتهم بالبسيطة، وكان العدو يظن أنهم مجموعة كبيرة، حتى جاءت طائرات استطلاع وكشفتهم، وبدأ طيرانهم يقصف كل السيارات.

كانت تلك اللحظات قاسية، فكتيبة الصاعقة المصرية بلا غطاء جوي أو أي سلاح مكافئ يمكنهم به المواجهة، حتى جاء الإمداد وأرسلت القيادة المصرية 10 دبابات من اللواء 14 مدرع، إلا أن طيران العدو دمر الدبابات، وانتظرت كتيبة الصاعقة الإمداد من جديد، لكنه لم يأتِ.

في آخر ضوء يوم 7 يونيو 1967، فتحت القوات الإسرائيلية تشكيلاتها لمهاجمة كتيبة الصاعقة الموجودة في حفر برميلية في الأرض، وحدث الاشتباك. لكن أسلحة قواتنا كانت ضعيفة للغاية، انتهت المعركة إلى احتلال القنطرة.

كان محيي الدين نوح قائد سرية صاعقة، أخذ سريته وذهبوا إلى منطقة الكاب على قناة السويس، واستقلوا قطارًا وذهبوا إلى بورسعيد وهناك نزلوا على مدرسة أشتوم الجميل.

من هناك جاءت الأوامر للنقيب محيي الدين نوح للتحرك مع سريته لإنقاذ الشاردين والمصابين، ثم أوامر أخرى بعد ذلك بالتحرك للانضمام تحت فصيلة في رأس العش وفصيلة في الكاب وفصيلة في التينة لتكوين جبهة قتال.

قص شريط الثأر.. من هنا بدأت حرب الاستنزاف

يوم 30 يونيو 1967، بدأت الدبابات الإسرائيلية تتحرك في محيط قناة السويس، وكان هناك الكتيبة المصرية 43 صاعقة متمركزة في الضفة الشرقية، وسرية النقيب محيي الدين نوح في الضفة الغربية، وكان عرض القناة وقتها قرابة 200 مترًا فقط، ما يسهل التعاون بين القوات المصرية.

في ذلك الوقت حصلت القوات المصرية على أسلحة أفضل من تلك التي كانت بحوزتهم، مثل "RPG 7" الذي كان أفضل من الآخر في اختراق تدريع الدبابات المتطورة لدى القوات الإسرائيلية، بالإضافة إلى مدافع "مكنة" ورشاشات وألغام.

حفرت القوات حفر برميلية واستقروا بها، ووصلت دبابات إسرائيل في الثامنة من مساء الثلاثين من يونيو، ودارت المعركة العنيفة.

كانت القوات المصرية في الضفة الشرقية يقودها الرائد سيد الشرقاوي وبها عدد كبير من الضباط مثل فتحي عبد الله، والملازم الجزار الذي استشهد، وحسني سلام، وفي الضفة الغربية محيي الدين نوح، ونادر عبد الله، وخليل جمعة، وعبد الوهاب الزهيري، ومحمود حنفي وسيد إمبابي.

استمرت المعركة العنيفة قرابة 8 ساعات بين قوات غير متكافئة، واخترقت القوات الإسرائيلية قواتنا ووصل إلى المنطقة كيلو 10، ورأس العش عند كيلو 14، وبنوا موقعًا لهم بعد أن فشلوا في احتلال رأس العش وتكبدوا خسائر فادحة للغاية.

استمرت محاولة السيطرة على رأس العش، وقرروا بناء موقع مقابل لموقع تمركز سرية النقيب محيي الدين نوح، فبعثوا 4 سيارات نصف جنزير ودبابتين لإنشاء الموقع، وهنا فاجئهم محيي الدين نوح ورجاله. إذ ظهر وقصف تلك القوة، وفتح رجاله النار عليهم، ودمروا القوات بالكامل.

لم تكن عملية رأس العش مجرد عملية عسكرية، بل كانت الثأر لما حدث في 5 يونيو 67، وجاء الرد يوم 1 يوليو، أي بعد 25 يومًا فقط، ما أعاد الروح للمقاتلين المصريين بعد خسارة معركة لم يخوضوها من الأساس.


السنترال ومعركة النكتة السخيفة
 

نزل محيي الدين نوح في إجازة إلى أسرته بعد الانتصار في معركة رأس العش، وقرر السفر إلى المنصورة لزيارة والده الذي كان يعمل مديرًا للإصلاح الزراعي هناك، وبعد أن وصل قرر الاتصال ببورسعيد ليطمئن زملاءه ويطمئن على رجاله.

دخل محيي الدين نوح إلى السنترال الموجود على كورنيش المنصورة، وأبلغهم بطلب رقم لبورسعيد، وانتظر لوقت طويل، ثم سأل أحد الموظفين عن سبب تأخر المكالمة وقال له إنه ضابط ويريد الاطمئنان على وحدته، فما كان من الموظف إلا أن سخر منه، وما كان من محيي الدين إلا أن ينفعل بقسوة على الموظف.

نن
المقاتل محيي الدين نوح مع زملائه

تدخل أحدهم وأنقذ الموقف، ودخل إلى "الكابينة" ليتصل بوحدته، وفور خروجه فوجئ بنكات ساخرة وسباب والبعض يهتفون "اقبل اقبل يا ديان" و"يسقط جمال عبد الناصر"، فاستشاط محيي الدين غضبًا واشتبك مع المتواجدين محدثًا إصابات بينهم وتحطيم في السنترال.

ذلك الغضب عاشه محيي الدين نوح مرتين، المرة الأولى في نكسة دون حرب، والثانية من سخرية البعض وسبابهم في الضباط، إلا أنه بعد ذلك قرر أن يقاتل فقط، يقاتل من أجل نصر لا يمكن القبول بغيره.

الصفوة يتجمعون.. ميلاد المجموعة 39 قتال

كانت عملية رأس العش في أواخر يونيو وأول يوليو 1967، قص شريط لمعارك استنزاف مع العدو، حتى أنه من رحمها وُلدت كتيبة ستغير الكثير من مجريات الأحداث فيما بعد.

جاءت الأوامر عقب عملية رأس العش إلى الكتيبة 103 صاعقة التي يُعد النقيب محيي الدين نوح واحدًا من أبرز مقاتليها، بالتوجه إلى فرع العمليات الخاصة بإدارة المخابرات الحربية في القاهرة، والذي يقوده المقدم إبراهيم الرفاعي.

العلاقة بين محيي الدين نوح وإبراهيم الرفاعي قديمة، فالأخير قاتل في اليمن ضمن الكتيبة 503 صاعقة، والتقى الاثنين في اليمن.

التقى محيي الدين نوع بالرفاعي، وقال له الأخير: "أنا عاوزك تختار لي أحسن العناصر اللي موجودة معاك في الكتيبة وتنضم علينا ونشتغل مع بعض". فاختار نوح أفضل العناصر، وبدأوا العمل تحت قيادة الرفاعي تحت مسميات مختلفة مثل: الكوماندوز المصريين، الفدائيين المصريين، منظمة سيناء العربية. إلى أن قرروا تأسيس مجموعة مستقلة بهم، ووقتها كانوا قد نفذوا 39 عملية ضد العدو لذلك سموها "المجموعة 39 قتال".

بدأ محيي الدين نوح تحت لواء "المجموعة 39 قتال" بقيادة إبراهيم الرفاعي، في تسطير ملحمة كانت وما زالت مصدر إزعاج لإسرائيل، إذ نفذوا عمليات إغارة وكمائن وعمليات خلف خطوط العدو وعمليات في داخل إسرائيل نفسها.  ضربوا منطقتي بيسان وسدوم في داخل إسرائيل، وضربوا إيلات، ودمروا عشرات الدبابات والمركبات، وحصلوا على أول أسير إسرائيلي "يعقوب رونيه"، والأهم من كل ذلك: كسروا الحاجز النفسي بين المقاتل المصري والجندي الإسرائيلي الذي كان يوصف بأنه لا يقهر.

خخخ
المقاتل محيي الدين نوح

يتذكر محيي الدين نوح أول عملية نفذتها المجموعة 39 قتال، وكانت عملية لسان التمساح التي جاءت ردًا على استشهاد الفريق عبد المنعم رياض في السبت 9 مارس 1969 في الإسماعيلية.

جاءت التعليمات وقتها بالثأر للشهيد، فدمرت المجموعة 39 قتال الموقع الذي منه تم استهداف عبد المنعم رياض. كانوا وقتها 64 مقاتلا، واستطلعوا الموقع من أعلى مبنى الإرشاد في مدينة الإسماعيلية، رصدوا كل شيء وكل تسليحه وتسليح أفراده البالغ عددهم 44 شخصًا، وكل نقاطه الحصينة للغاية والبالغ عددهم 14 نقطة حصينة، وكل دشمة كان فيها "فلانكات سكة حديد" وقضبان وخنادق مغطاة بـ "الصاج المعرج"، أي موقع شديد التحصين.

بنت مجموعة الصاعقة المصرية موقعًا مشابهًا للمعسكر الإسرائيلي، وتدربوا عليه، ثم رحلوا وتدربوا في بحيرة قارون على كيفية القتال في البحيرات، ثم تدربوا في النيل على كيفية العبور والقتال، وأخذوا قرابة 40 يومًا يتدربون. وفي ذكرى الأربعين لاستشهاد الفريق رياض، تحركت المجموعة من الإسماعيلية بـ 6 قوارب، ووقتها غطتهم المدفعية بضرب على طول الجبهة لتشتيت العدو، وعبرت المجموعة بالفعل وكانت المسافة من الإسماعيلية إلى الموقع حوالي 3 كيلو متر ونصف في بحيرة التمساح، ووصلوا إلى جنوب الموقع بحوالي 150 مترًا.

إبراهيم الرفاعي طلب رفع ضرب المدفعية، وكان الإسرائيليون وقتها في الخنادق يحتمون بها، فهاجمت المجموعة 39 قتال كل الخنادق والدشم الحصينة بتشكيل مكون من محيي الدين نوح وأحمد رجائي ومحسن طه ومحمد وئام، قادة مجموعات الاقتحام على الأطراف، وفي المنتصف إبراهيم الرفاعي وما بقي من المجموعة، وعلي نصر وإسلام توفيق وأسامة عباس ومجدي عبد الحميد، أبطال البحرية لتأمين نقاط الإنزال.

دارت المعركة العنيفة، وقضت المجموعة 39 قتال على كل قوة الموقع الإسرائيلي وأنزلوا علم الاحتلال ورفعوا العلم المصري، وأصيب محيي الدين نوح إصابة بالغة في تلك المعركة.

الشهيد عارف طريقه للجنة.. وزيارة ناصر

أصيب محيي الدين نوح ونقله زملاؤه إلى مستشفى القصاصين في الإسماعيلية، وكان رفقته الرائد علي نصر، الذي طوال الطريق لم يكن يعرف من أين تأتي كل تلك الدماء السائلة من جسد محيي الدين نوح، ليفاجئه الأخير بقوله: "أنا أتمنى الشهادة عن الإصابة، الشهيد عارف طريقه للجنة ويشفع لـ70 واحد من أهله".

في مستشفى القصاصين تلقى محيي الدين نوح علاجه الأولي ثم نقل رفقة مصاب آخر بهليوكوبتر إلى مستشفى المعادي العسكري، وكان على متنها اللواء محمد أحمد صادق، مدير المخابرات الحربية والاستطلاع والمشرف المباشر على المجموعة 39 قتال، الذي أبى أن يترك رجاله وأراد الاطمئنان عليهم بنفسه.

في مستشفى المعادي مكث محيي الدين نوح في غرفة للعلاج، واستدعوا أسرته. ثم قال له قائده: "عد نفسك نفسيًا فيه زيارة مهمة هتيجي تقعد معاك تعرف منك ما حدث خلال العملية"، بعدها بفترة قال له: "عد نفسك إنك تقعد مع الرئيس جمال عبد الناصر وتحكي له ما حدث خلال العملية".

دخل الرئيس جمال عبد الناصر إلى غرفة محيي الدين نوح الذي كان برفقة أولاده وقتها، ولاطف الرئيس الأطفال وتحدث معهم، ثم بدأ حديثه مع محيي الدين نوح يعرف منه تفاصيل العملية وما حدث.

9
جمال عبد الناصر يزور المقاتل محيي الدين نوح

كان محيي الدين نوح كغالبية أقرانه من القوات المسلحة، يروح في أنفسهم أنهم "جيل ناصر"، وفسر نوح ذلك بأن عبد الناصر كان زعيمًا وطنيًا وشعبيًا والجميع كان يحبونه ويلتفون حوله، وساعد دول كثيرة في التحرر، وكان لا يبحث عن مجد شخصي.

يروي نوح: "والله العظيم تلاتة أقسم بالله كان بيجي لنا السلاح من روسيا مكتوب على صناديق السلاح ناصر، يعني الروس بيديلك عشان خاطر جمال عبد الناصر. مما لا شك إنه وطني محب لوطنه محب لشعبه، ولذلك لما تنحى إحنا كلنا طلعنا وزعلنا جدًا وبكينا كلنا.. ليه؟ لأن الأب لما بيروح ما بيبقاش البيت فيه خلاص بتحس إن الميزان اختل".

سر رقم 92.. وإعدام الضابط الخائن

92 عملية نوعية نفذتها المجموعة 39 قتال، كل واحدة منهم كان يخرج المقاتلون ولديهم إيمان داخلي إن تلك المرة هي مرة الاستشهاد.

سأل جمال عبد الناصر، المقاتل محيي الدين نوح: "نفسك في إيه يا محيي؟"، فأجاب: "أطلع العملية الجاية مع زمايلي حتى لو أنا مصاب". فتعافى محيي الدين وعاد إلى مجموعته، وقرروا أن يهجموا على لسان التمساح مرة أخرى.

كان العدو عزّز قدراته في الموقع الذي أغار عليه ضباط الصاعقة المصرية، فقرر إبراهيم الرفاعي اقتحام الموقع من ثغرة واحدة فقط وهي المكان الذي يدخل ويخرج منه القوات الإسرائيلية والمعدات.

تلك العملية حدثت بها واقعة لا يمكن نسيانها أبدًا. جهز إبراهيم الرفاعي رجاله، كان محيي الدين نوح قائد مجموعة اقتحام في اليسار، وأحمد رجائي قائد مجموعة اقتحام في اليمين، ومجموعة مع إبراهيم الرفاعي في المنتصف، لكن في أثناء اقتحام الموقع حدثت انفجارات في مجموعات الاقتحام، وأصيب محيي الدين نوح بإصابة بالغة في ظهره، وسقط 9 شهداء وأصيب 23 آخرين من أصل 64 مقاتلا، وانسحبت المجموعة بعد أن اشتبكوا ببسالة فريدة رغم الخيانة.

نعم حدثت خيانة، يروي محيي الدين نوح أن العدو كان ينتظر الفرقة 39 قتال بعد أن وصلت إليه معلومات من الخائن فاروق الفقي، الذي جندته الجاسوسة هبة سليم للعمل لصالح الموساد. والذي أعدمه قائده رميًا بالرصاص بسبب خيانته. وكان تلك الخيانة المسار الوحيد لإسرائيل لإحباط هجمات المجموعة 39 قتال التي كبدتهم خسائر فادحة.

عملية الخليج.. واستشهاد الأسطورة أمير الشهداء

كان من بين عمليات المجموعة 39 قتال ما حدث في الربع الأول من 1970، حيث جاءت تعليمات للمجموعة بتدمير مطار الطور لأن جولدا مائير، رئيس وزراء إسرائيل، كانت تنوي زيارة المطار لترفع معنويات قواتها وتجلس معهم.

تحركت المجموعة على متن 5 قوارب وذهبوا لمنطقة رأس دب على خليج السويس، والمسافة من رأس دب لمطار الطور كانت 40 كم، وحملوا قواذف وصواريخ وألغام على تلك القوارب المطاطية.

كان ذلك اليوم عاصفًا لأنه في الشتاء، والمقاتلون يتحركون في الظلام التام، أي عملية شديدة التعقيد وشبه مستحيل نجاحها، وخلال تلك الرحلة سقط محيي الدين نوح في مياه خليج السويس، وكان لا أمل في نجاته فقرر أن ينطق الشهادتين لأنه ميت لا محالة.

في ذلك وقت كان محيي قد رزق بطفلة صغيرة، ولا يخفي سره أنه لم يكن سعيدًا بميلادها في البداية لأنه كان يريد ولدا، إلا أنه حينما سقط في الخليج فجأة ظهرت أمامه صورة ابنته تحت القارب، وسمع صوتها في أذنه وهي تقول له: "في الوقت اللي أنا كنت محتاجالك فيه أنت سبتني ومشيت، أنا دلوقتي جاية عشان أنقذك".

6
المقاتل محيي الدين نوح على رأس الصفحة الولى للأهرام

يحكي محيي الدين: "كان معايا مساعد بحري اسمه علي أبو الحسن أول ما بنتي قالت لي الكلمة دي.. وقف القارب مرة واحدة وانتشلني، فطلعت القارب ووصلنا إلى منطقة فيها مركب لبناني شاحطة طلعنا عليها الصواريخ حطينا الألغام على الطرق الترابية بدأنا نضرب المطار لمدة 40 دقيقة.. تدمر المطار تدمير كامل، جولدا مائير ما راحتش وانخفض معنوياتها وكان يوم أسود على إسرائيل وانخفضت معنويات قواتها.

تلك العملية غيرت حياة محيي الدين نوح الشخصية، فعشق بناته وآمن أن ابنته الرضيعة أنقذته من الموت، ليترسخ في ذهنه أن المرأة كل المجتمع وليست نصفه.

لم يكن ذلك هو الشيء الفارق الوحيد في عمليات محيي الدين نوح رفقة المجموعة 39 قتال، لكن هناك شيء ما حدث يبعث على الألم والوجيعة والبكاء.

جاءت الأوامر إلى كل تشكيلات القوات المسلحة بالاشتباك لتحرير الأرض في السادس من أكتوبر 1973. بدأت المعركة الضروس، ولكل مقاتل دور واضح، أما المجموعة 39 قتال كانت مهمتها تدمير مواقع البترول في بلاعيم وأبو زنيمة وأبو رديس ونجحوا في ذلك.

وفي الفترة من 14 أكتوبر حتى 16 أكتوبر حدثت ثغرة الدفرسوار، فجاء التكليف للمجموعة بالتحرك إلى الإسماعيلية يوم 18 أكتوبر، وكانت المهمة تدمير الكبري الكبير الذي أنشأه الإسرائيليون في الدفرسوار.

هه
المقاتل محيي الدين نوح بين كوكبة من المقاتلين المصريين والقادة العسكريين

ترك إبراهيم الرفاعي رجاله في الإسماعيلية وذهب إلى قرية نفيشة التابعة لنفس المحافظة للقاء قادة الجيش، والتقى هناك الفريق سعد الدين الشاذلي، وأخبره أن المجموعة 39 قتال جاءت من القاهرة بمهمة تدمير الكبري لعزل قوات إسرائيل عن بعضها، إلا أن الشاذلي كان له رأي آخر.

قال الشاذلي للرفاعي: "لا، أنتم تدخلوا الثغرة.. أنا قائد الجيش هنا.. تدخلوا تحاربوا القوات العابرة وتجيبوا أعدادها". فسمع الرفاعي الأوامر واصطحب مجموعته وأثناء سيرهم في الطريق خرج عليه جندي مصري بمنطقة سرابيوم وقال له: "حاسب يا فندم العدو عامل لكم كمين قدام". فعاد الرفاعي إلى الشاذلي يخبره بضرورة تغيير الطريق، إلا أن الشاذلي رفض وقال له: "لا، تروحوا من نفس الطريق". بحسب رواية محيي الدين نوح.

تحذير الجندي صدق، كان العدو نصب كمينًا للرفاعي ورجاله في طريق سرابيوم، وبدأ الاشتباك بشكل واسع، وصعد الرفاعي إلى أعلى قاعدة صواريخ ومعه "RPG 7" ومدفع 57، وبدأ يشتبك ليوفر الغطاء لمقاتليه الذين يخوضون معركة شرسة بالأسفل.

كانت الصاعقة تحارب وتقاتل في منطقة أبو عطوة، والمظلات عند جبل مريم والمجموعة 39 قتال في المنتصف، وبدأت تحدث خسائر كبيرة في صفوف العدو، وفجأة اكتشفوا موقع الرفاعي، وضربوه بقذيفة دبابة وأصيب إثرها في القلب مباشرة في اللحظة التي يؤذن فيها الله أكبر ظهر الجمعة 19 أكتوبر 1973.

سقوط إبراهيم الرفاعي شهيدًا كان مؤلمًا بقدر كاف لحزن مقاتليه ومن بينهم محيي الدين نوح، الذي رافق الجثمان إلى مكتب المخابرات الحربية في الإسماعيلية، وسلمه لابن خالته العقيد أحمد حلمي.

الخلافة.. المجموعة 39 قتال لم تكن يتيمة!

بينما كان جثمان الشهيد إبراهيم الرفاعي في مبنى المخابرات الحربية بالإسماعيلية، رأت القيادة أنه لا يمكن أن تُترك المجموعة 39 قتال دون قائد جديد.

العقيد مازن مشرف قائد مكتب المخابرات بالإسماعيلية قال لمحيي الدين نوح: "تعليمات اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية إنك تتولى القيادة بعد إبراهيم الرفاعي، تطلع دلوقتي على قيادة الجيش تاخد مهمة جديدة من قيادة الجيش، والمشاة هتستلم المكان اللي أنتم قاعدين فيه".

تحرك محيي الدين نوح، خليفة إبراهيم الرفاعي، إلى لقاء اللواء عبد المنعم خليل، قائد الجيش الثاني، والذي أبلغه أن هناك طائرة تجري إنزالا لمؤن للقوات الإسرائيلية ومهمة المجموعة 39 قتال ضربها. فأبلغه محيي الدين بأن المسافة التي سوف تقطعها المجموعة لضرب الطائرة كافية لأن تنزل الطائرة مؤنها وترحل وبالتالي تفشل العملية، فكلفه خليل بمهمة أخرى.

WhatsApp Image 2026-09-24 at 1.03.24 PM
المقاتل محيي الدين نوح

أول مهمة لمحيي الدين نوح وهو قائد للمجموعة 39 قتال كانت الصعود إلى جبل مريم الذي تشتبك فيه قوات المظلات مع القوات الإسرائيلية. وذهبت المجموعة إلى هناك، وكانت العمليات عنيفة والاشتباكات دموية، وفور وصوله التقى العميد محمود عبد الله، قائد المظلات وعدد من الضباط، واشتبكوا مع قوات العدو وكبدوها خسائر فادحة وأفشلوا خطة دخول الإسماعيلية والسيطرة عليها.

لقاء السادات وبدو سيناء والمقاومة الشعبية

يتذكر محيي الدين نوح زيارة كانت فارقة للغاية في رحلته، تلك الزيارة التي أجراها الرئيس محمد أنور السادات إلى المجموعة 39 قتال، وكانت تلك أول زيارة للسادات للجيش بعد توليه الحكم.
كان السادات يستعد لمؤتمر صحفي وسط المجموعة، وبدأ الحديث، إلا أن محيي الدين نوح فاجأ الرئيس ورفع يديه للسؤال وقال له: "قول يا محيي يا ابني"، وسأل محيي: "التزمتوا بوقف إطلاق النار وهذا نتيجة لمبادرة روجر في شهر 8.. أنا بطلب من حضرتك نستمر في عملنا القتالي كي لا نمنح العدو فرصة لاستعادة بناء مواقعه ورفع معنوياته ونحبط نحن". ابتسم الرئيس وقال: "يا محيي يا ابني انتوا هتشتغلوا واحنا هنشتغل.. التزمنا فقط بالمبادرة مبدئيا لكنكم هتعملوا زي ما أنتوا وبإذن الله النصر قادم".

5
المقاتل محيي الدين نوح خلال زيارة الرئيس السادات للجبهة

كان لهذا اللقاء تأثير مهم في نفوس محيي الدين نوح ورجاله، الذي استغلوا وقف إطلاق النار وأجروا عمليات استطلاع واسعة وحصلوا على معلومات مؤثرة كان لها دورها البالغ في المعارك.

على جانب آخر، وبينما كان محيي الدين نوح ورجال الصاعقة وسائر مقاتلين الجيش المصري يحاربون من أجل الأرض، كان هناك أيضًا بدو سيناء الذين عاونوا الجيش في حرب الاستنزاف ومعركة التحرير.

يحكي المقاتل محيي الدين نوح أن بدو سيناء كانوا عناصر رئيسية في معاونة المجموعة 39 قتال في تنفيذ عملياتهم من خلال المعلومات والمعاونة والإرشاد في الطرق الوعرة.

أيضًا المقاومة الشعبية في مدن القناة الذين سطروا بطولات كبيرة خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.

إسرائيل.. كانت وتظل العدو الأول

الرتبة العسكرية لمحيي الدين نوح هي اللواء، لكنه لا يحب أن تناديه اللواء فلان، لكن أن تقول الفدائي اللواء محيي الدين نوح، إذ يؤمن إيمانا قاطعا أن جميع ما قاتلوا في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر ما هم إلا فدائيون خرجوا لا لأن يعودوا إلى منازلهم، بل ليعود كامل الأرض المسلوبة إلى الوطن، لذلك كان كل عملهم فداء لمصر وأرضها.

مرت السنون وأصبح عمر اللواء محيي الدين نوح 84 عامًا، ورغم كل ما عاشه إلا أنه ما زال مؤمنًا أن إسرائيل كانت وتظل العدو الأول لمصر، إلا أن الوضع تغير الآن، فالجيش المصري شديد القوة، والرسالة التي قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي كانت جلية: "الجيش اللي عملها مرة يقدر يعملها كل مرة".

search