قناة السويس.. ناقوس الخطر!
ليس كل اقتراح اقتصادي يستحق أن يتحول إلى قضية رأي عام، لكن بعض الاقتراحات تصبح خطيرة لا لأنها قابلة للتنفيذ، بل لأنها تكشف عن طريقة تفكير مقلقة، ترى الوطن مجرد قائمة أصول، وترى الأزمات المالية مجرد معادلات محاسبية يمكن حلها بنقل ملكية أصل هنا أو مقايضة أصل هناك!
هذا بالضبط ما أثاره اقتراح رجل الأعمال والمصرفي حسن هيكل بشأن مقايضة الديون بأصول سيادية، ووضع قناة السويس ضمن التصور الذي طرحه، وبغض النظر عن تفاصيل الصياغة أو محاولات التفسير اللاحقة، فإن مجرد إدخال القناة التي حفرت بدماء أجدادنا في أي نقاش يتعلق بالديون كان كافيًا لإطلاق ناقوس الخطر.
هناك فارق جوهري بين عقلية تدير شركة، وعقلية تدير دولة، ففي الشركات، يمكن بيع مصنع أو رهن أصل أو التخارج من نشاط لتحقيق توازن مالي.
أما الدولة، فلا تدير ميزانية فقط، بل تدير سيادة، وأمنًا قوميًّا، وحقوق أجيال، ومقدرات شعب، وهذه ليست أصولًا توضع على طاولة الهندسة المالية كلما اشتدت الضغوط.
لذلك، فإن النجاح في عالم المال والأعمال، مهما كان كبيرًا، لا يمنح صاحبه صكًا بالحديث باسم الاقتصاد الكلي، ولا يجعل كل ما يطرحه قابلًا للتسليم أو التعامل معه باعتباره وصفة إنقاذ، فإدارة الشركات علم، وإدارة الاقتصاد الوطني علم آخر، وبينهما مسافات شاسعة لا تختصرها النجاحات الاستثمارية، إذا كان هناك نجاحاً يذكر من الأساس.
المزعج في اقتراح حسن هيكل ليس فقط مضمونه، بل ما يعكسه من فلسفة باتت تتكرر كلما ذُكرت الديون، فلا حديث عن زيادة الإنتاج، ولا عن تعميق الصناعة، ولا عن مضاعفة الصادرات، ولا عن رفع الإنتاجية أو إصلاح هيكل الاقتصاد، بل دائمًا يكون السؤال: أي أصل يمكن توظيفه أو نقل ملكيته؟ وكأن الدولة لم تعد تملك سوى أصولها، وكأن الاقتصاد الحقيقي أصبح هامشًا، بينما تحولت الأصول إلى المتن الذي يمكن لهذه الحكومة صياغته!
الأصول السيادية ليست "حصالة" نكسرها كلما احتجنا إلى سيولة، وليست عقارات معروضة للبيع أو للرهن أو للمقايضة كلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، بل إنها أدوات قوة، ومصادر دخل مستدام، ورموز سيادية، وخط دفاع اقتصادي للأجيال القادمة.
وقناة السويس ليست مجرد مرفق يحقق مليارات الدولارات سنويًا، بل هي جزء من هوية الدولة المصرية الحديثة، ورمز لاستقلال قرارها الوطني، وموقع استراتيجي يرتبط بالأمن القومي قبل أن يرتبط بالإيرادات.
ومن هنا كان الغضب مفهومًا، وكانت سرعة صدور البيان الحكومي نفيًا لهذا الطرح رسالةً في حد ذاتها قبل أن تكون ردًا عليه.
التاريخ الاقتصادي للدول الناجحة لم يُكتب ببيع مقدراتها أو الزج بها في ترتيبات مالية كلما واجهت أزمة، بل ببناء اقتصاد قادر على خلق الثروة، لا استهلاكها، فالدول التي نهضت لم تفعل ذلك لأنها كانت تملك أصولًا أكبر، بل لأنها امتلكت سياسات أفضل.
ومن حق حسن هيكل، أو غيره، أن يطرح ما يشاء من أفكار – رغم كل ما يشوبها من قصور وشبهات-، فهذا جزء من حرية النقاش، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يرفض الأفكار التي تمس ثوابته، وأن يذكر أصحابها بأن هناك فارقًا بين الابتكار المالي، وبين الاقتراب من مناطق لا يجوز أن تتحول إلى موضوع لتجارب نظرية أو حلول عاجلة.
إن أخطر ما في هذا النوع من الطروحات أنه يطبع فكرة بالغة الخطورة في الوعي العام، وهي أن كل أزمة مالية يمكن حلها بالتصرف في الأصول، وإذا استقرت هذه الفكرة، فلن يكون السؤال في الأزمة القادمة: كيف ننتج أكثر؟ بل سيكون: أي أصل بقي لدينا؟ وهنا تكون الخسارة الحقيقية!
الأكثر قراءة
-
رابط نتيجة قرعة الحج 2026.. أسماء الفائزين عبر بوابة الحج المصرية
-
تفاصيل الانفجار الذي أثار قلق سكان أكتوبر والشيخ زايد
-
زيادة جديدة.. كم سجل سعر الدولار مقابل الجنيه في البنوك اليوم؟
-
حقيقة غلق الطرق الرئيسية في القاهرة والجيزة بسبب زيارة الرئيس الصيني
-
بعد رحيل ابنتهما.. صور نادرة تحكي قصة حب استثنائية بين نجلاء فتحي وسيف أبو النجا
-
"تهامة" خلف الدخان.. سفينة هاجمها الحوثيون قاد تتبعها إلى شركة سرية في واشنطن (تحقيق)
-
7 ساعات بلا توقف.. سبعينية تسرد القرآن كاملًا بعد 10 سنوات من الحفظ
-
بالأسماء.. وكيل "تعليم كفر الشيخ" يعتمد حركة مديري ووكلاء الإدارات التعليمية
مقالات ذات صلة
من "روضة التدبر" إلى "مذبحة 15 مايو"
16 أغسطس 2026 02:22 م
المستشار محمد نجيب يكتب: مصر التي اختفت بين عالمين!
12 أغسطس 2026 11:41 م
عندما يصبح الحسد قاتلاً!
11 أغسطس 2026 07:06 م
من حق جماهير مصر أن تحلم لمحمد صلاح
06 أغسطس 2026 09:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً