الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

12:45 ص

المستشار محمد نجيب

المستشار محمد نجيب يكتب: قتل أم دفاع عن الشرف.. وهل يفترض أن نتعاطف؟؟

في واقعة سوهاج الأخيرة، لم يكن أكثر ما أثار الجدل هو الجريمة وحدها، وإنما الرواية التي ارتبطت بها، بعدما تحدث المتهم عن «الشرف» باعتباره الدافع وراء ما ارتكبه. 

وبينما تتولى جهات التحقيق والقضاء كشف حقيقة ما جرى ومسؤولية كل طرف، كان لافتًا أن جزءًا من النقاش العام لم يتوقف عند الضحايا أو عند بشاعة القتل، وإنما اتجه إلى سؤال آخر: هل يمكن أن نتعاطف مع قاتل إذا كان يقول إنه قتل دفاعًا عن شرفه؟

السؤال ليس سهلًا، لأن وراءه مشاعر إنسانية معقدة، الخيانة، إن ثبتت، مؤلمة، فالإهانة قد تدفع الإنسان إلى الانهيار، والغضب قد يعمي صاحبه عن التفكير في عواقب أفعاله، لكن هناك فارقًا لا يجوز أن يضيع وسط الانفعال: أن نفهم لماذا غضب شخص، لا يعني أن نقبل بما فعله وهو غاضب، فالقانون لا يعمل بمنطق «أنا شعرت بالإهانة إذن يحق لي الانتقام.

المشرع المصري والمادة 237

وهنا تظهر أهمية الجانب القانوني في مثل هذه الوقائع، فالمشرع المصري وضع في المادة 237 من قانون العقوبات نصًا خاصًا يتعلق بالزوج الذي يفاجئ زوجته حال تلبسها بالزنا فيقتلها هي ومن يزني بها، فجعل له وضعًا عقابيًا مختلفًا، لكن هذا النص ليس شيكًا مفتوحًا باسم «الشرف»، ولا يمنح أي شخص حق قتل من يشك في سلوكه أو يعتقد أنه خانه أو أساء إليه.

الفارق جوهري: القانون ينظم حالة استثنائية بشروطها، ولا يحول الغضب الشخصي إلى سلطة قضائية، وهنا ربما تكون المشكلة الحقيقية أكبر من واقعة سوهاج نفسها.

لماذا يتعامل البعض مع جريمة قتل، بمجرد أن يصف مرتكبها دافعه بأنه «الدفاع عن الشرف»، باعتبارها جريمة يمكن تفهمها أكثر من غيرها؟ لماذا يتحول القاتل أحيانًا في المخيلة الشعبية من شخص ارتكب جريمة إلى «رجل انكسر ففعل ما فعل»؟

مفهوم الشرف

ربما لأن المجتمع نفسه حمل مفهوم الشرف لسنوات طويلة بأكثر مما يحتمل، وربطه أحيانًا بسلوك النساء، وبصورة الرجل أمام الآخرين، وبفكرة أن الإهانة تستوجب الرد، حتى لو كان الرد هو العنف، لكن الشرف، إذا كان قيمة أخلاقية فعلًا، لا يمكن أن يكون طريقًا إلى قتل إنسان.

والأخطر من الجريمة نفسها هو أن يتحول التعاطف مع دوافع القاتل إلى نوع من التطبيع مع الجريمة، أن نقول: «نعم، قتل، لكن عنده أسبابه» ثم نترك كلمة «الشرف» تعمل كأنها عذر أخلاقي يسبق القانون.

يمكننا أن نتعاطف مع إنسان تعرض لصدمة، يمكننا أن نفهم الغضب كما يمكننا حتى أن نتخيل حجم الانهيار النفسي الذي قد يعيشه شخص يعتقد أنه تعرض للخيانة، لكن لا يمكن أن نخلط بين فهم الجريمة وتبريرها.

لأن اللحظة التي يقتنع فيها كل شخص بأن ألمه يمنحه الحق في معاقبة الآخرين بنفسه، لن نكون أمام مجتمع يحتكم إلى القانون، وإنما أمام سلسلة لا تنتهي من الأحكام الشخصية والانتقامات والثأر.

وفي قضية سوهاج، يبقى الحكم للقضاء وحده، وتبقى روايات المتهم وغيره محل فحص وتحقيق، ولا يجوز أن تتحول مواقع التواصل إلى محكمة تصدر أحكامها قبل اكتمال الحقيقة.

وهذه القضية وغيرها تطرح سؤالًا يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا: إذا كان القانون هو الذي يحدد الجريمة والعقوبة، فمن أين جاءنا الاعتقاد بأن كلمة «الشرف» يمكن أن تمنح الإنسان حق إصدار حكم بالإعدام وتنفيذه بنفسه؟

ربما نستطيع أن نفهم القاتل، وأن ندرك ألمه، وأن نعرف كيف وصل إلى لحظة الانفجار، لكن علينا، في الوقت نفسه، أن نحتفظ بالخط الفاصل الذي يحمي المجتمع.

والسؤال الأكثر إلحاحًا هنا: إذا كان الزوج يقيم خارج مصر، وإذا كانت رواية التحقيقات تتحدث عن ترتيبات سبقت المواجهة، من حجز للسفر والوصول إلى مصر ثم الاستدراج واللقاء، فأين كانت لحظة الغضب المفاجئ التي يمكن أن تجعل القتل رد فعل لحظيًا؟

ولو افترضنا جدلًا أن الزوج اكتشف خيانة أو تعرض لصدمة قاسية، فإن أمامه ـ قبل أن تتحول المسألة إلى جريمة قتل ـ أبوابًا كثيرة، كان يستطيع أن يطلقها غير مأسوف عليها، ويلجأ إلى القانون إذا كانت هناك جريمة تستوجب المساءلة.

الطلاق، مهما كان مؤلمًا ويبدو في نظر البعض خياراً ضعيفاً، لكنه لا يحتاج إلى سلاح ولا إلى استدراج ولا إلى مواجهة تنتهي بإزهاق أرواح.
 

وبالمناسبة إذا أثبت التحقيق أن ما سبق الجريمة تضمن بالفعل ترتيبات وسفرًا واستدراجًا، فإننا لا نتحدث فقط عن رجل فقد السيطرة على نفسه في ثانية، وإنما عن سلسلة من القرارات التي امتدت عبر وقت كان يمكن خلاله التراجع في أكثر من محطة.

لماذا لم يلجأ إلى الطلاق

وهنا يصبح سؤال «لماذا لم يلجأ إلى الطلاق؟» أكثر إلحاحًا من سؤال «لماذا قتل؟».

لأن الطلاق كان يمكن أن ينهي زواجًا، أما القتل فلا ينهي الخلاف؛ إنه ينهي حياة، ويفتح في اللحظة نفسها حياة أخرى على السجن والمحاكمة والندم، ويترك وراءه ضحايا لا علاقة لهم بأي قرار اتخذه الزوجان في زواجهما مثل الأبناء الذين يخسرون أما قتلت وأباً سجن وعاراً يستمر طويلاً!

اقرأ أيضا:

المستشار محمد نجيب يكتب: مصر التي اختفت بين عالمين!

search