الخميس، 13 أغسطس 2026

02:20 ص

المستشار محمد نجيب يكتب: مصر التي اختفت بين عالمين!

منذ سنوات، لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتسلية أو تبادل الآراء، بل أصبحت النافذة الأولى التي يطل منها العالم على المجتمعات، فالسائح، والمستثمر، والطالب، وحتى من لم يزر مصر يومًا، قد يبني انطباعه عنها من عشرات المقاطع القصيرة التي يشاهدها يوميًا.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بصدق هو: هل ما نراه على الشاشات يمثل المجتمع المصري فعلًا؟
أعتقد أن الإجابة هي: لا.

فالمشكلة لم تعد في وجود محتوى هابط أو استعراضي، لأن هذا موجود في كل دول العالم، وإنما المشكلة تكمن في أن هذا المحتوى أصبح، بفعل خوارزميات المنصات، هو الأكثر انتشارًا، والأقدر على تشكيل الصورة الذهنية عن مصر.
واليوم، يبدو المجتمع المصري على وسائل التواصل وكأنه يتكون من عالمين لا ثالث لهما؛ العالم الأول لفئة ثرية تستعرض تفاصيل حياتها اليومية؛ سيارات فارهة، وقصور، ورحلات، ومقتنيات باهظة الثمن، حتى ترسخت لدى البعض صورة ما يُعرف اصطلاحًا بـ"الإيجيبت"، وكأنها مجتمع منفصل عن بقية المصريين.

أما العالم الثاني، فهو عالم لا يقل خطورة في تأثيره على الصورة العامة؛ محتوى يقوم على الصدمة والإثارة، يستعرض البلطجة والعنف، أو يروج لسلوكيات منحرفة، أو يتاجر بالمآسي والفضائح والجرائم لأنها الطريق الأسرع إلى ملايين المشاهدات.

وبين هذين العالمين.. اختفت مصر الحقيقية، اختفى الطبيب الذي يقضي يومه في المستشفى، والمهندس الذي يبني مشروعًا جديدًا، والمدرس الذي يصنع أجيالًا، والباحث في معمله، وصاحب الورشة الصغيرة، ورائد الأعمال الذي يحاول أن ينجح، والطالب الذي يجتهد من أجل مستقبله.

هذه الأغلبية لا تحقق "التريند"، ولذلك لا يراها أحد، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، إنها ليست أزمة طبقية بقدر ما هي أزمة تمثيل.

لقد أعادت خوارزميات المنصات تشكيل صورة المجتمع، لأنها تكافئ المحتوى الأكثر إثارة، لا الأكثر تعبيرًا عن الواقع،  فالإنسان الذي يعيش حياة طبيعية لا يحقق ملايين المشاهدات، بينما يحققها من يستعرض ثروته، أو يفتعل مشاجرة، أو يحول المأساة إلى وسيلة للشهرة.

ولم يعد تأثير هذه الثقافة مقتصرًا على ما نشاهده، بل امتد أحيانًا إلى طريقة تفاعل البعض مع الأحداث نفسها، ففي بعض الوقائع التي شغلت الرأي العام، ومنها جريمة الرجل الذي قتل شقيقه قبل ساعات في محافظة المنوفية.

فلم يكن أكثر ما أثار الدهشة هو تفاصيل الجريمة وحدها، بل ظهور المتهم في بث مباشر بعد الواقعة محاولًا تقديم روايته أمام الجمهور، لهذه الدرجة بلغ الهوس وإدراك هذه الفئة بمدى تأثير السوشيال ميديا وقدرتها على إدارة الصورة حتى في أحلك اللحظات.

الأخطر من ذلك أن بعض الأشخاص لم يعودوا يتعاملون مع الكاميرا باعتبارها وسيلة لتوثيق ما حدث، بل أصبحت جزءًا من الحدث نفسه، فهناك من يلتقط هاتفه قبل أن يطلب الإسعاف، ومن يصور المشاجرة قبل أن يحاول فضها، ومن يسارع إلى بث روايته قبل أن تبدأ جهات التحقيق في الاستماع إلى الشهود.

إنها حالة من السعي المحموم للسيطرة على "الرواية الأولى"، لأن الجميع يدرك أن من يكسب معركة الانطباع الأول على مواقع التواصل قد يكسب تعاطفًا يصعب تغييره لاحقًا، حتى لو أثبتت التحقيقات رواية مختلفة، ولدينا عشرات الحالات التي تؤكد ذلك!

ولا يعني ذلك أن وسائل التواصل هي التي تصنع المجرمين أو تدفع الناس إلى ارتكاب الجرائم، فهذه قضايا معقدة تتداخل فيها عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية، لكن لا يمكن أيضًا تجاهل أنها غيّرت طريقة تفاعل البعض مع الأحداث، حتى أصبحت الكاميرا حاضرة في لحظات كان يفترض أن يسبقها الندم أو الصمت أو محاولة إنقاذ الضحية. 

وهذا التحول، في حد ذاته، يستحق أن يثير قلق المجتمع، لأنه يكشف كيف أصبح السعي وراء التأثير والانتشار قادرًا على إعادة تشكيل السلوك الإنساني في أكثر المواقف قسوة.

عندما تتحول كل مأساة إلى محتوى، وكل جريمة إلى قصة تتنافس الروايات حولها، يصبح السؤال ليس فقط: ماذا حدث؟ بل أيضًا: كيف غيّرت الشاشات طريقة تصرفنا عندما يحدث الأسوأ؟

وللأسف، لا يقتصر أثر ذلك على الداخل المصري، بل يمتد إلى الخارج، فمن الطبيعي أن يعتمد كثيرون على المحتوى الرقمي لتكوين انطباعاتهم عن الدول التي لم يزوروها، وعندما تكون الصورة السائدة محصورة بين الثراء المبالغ في استعراضه، أو المحتوى الذي يقوم على العنف والإسفاف، فإننا نكون أمام صورة مشوهة لا تعكس حقيقة مصر ولا غالبية شعبها.

لكن هل يكون الحل في تشديد الرقابة على المحتوى؟
الإجابة ليست بهذه البساطة، فالرقابة قد تمنع مقطعًا أو تغلق حسابًا، لكنها لن تغير طبيعة المنصات التي تكافئ الإثارة، ولن تنتج تلقائيًا محتوى أفضل، كما أن أي مجتمع يسعى إلى حماية صورته لا ينبغي أن يفعل ذلك على حساب حرية التعبير، بل عبر إيجاد توازن بين الحرية والمسؤولية.

الحل الحقيقي يبدأ من مكان آخر.. يبدأ من الاستثمار في المحتوى الجيد، ودعم صناع المحتوى الذين يقدمون معرفة حقيقية وقصص نجاح ملهمة، وإبراز العلماء والمبدعين ورواد الأعمال والرياضيين والفنانين، لأنهم يمثلون الوجه الحقيقي للمجتمع المصري.

ويبدأ أيضًا بإدراك أن المنصات الرقمية ليست مجرد وسيط محايد، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الصورة الذهنية للدول، لذلك لا بد من حوار جاد مع شركات التكنولوجيا حول مسؤولية خوارزميات التوصية، إلى جانب تعزيز الثقافة الإعلامية، حتى يدرك المستخدم أن ما يحقق ملايين المشاهدات ليس بالضرورة ما يمثل المجتمع.

إن الدول لا تُعرف فقط بما تملكه من آثار أو اقتصاد أو تاريخ، بل أيضًا بالصورة التي تصنعها عن نفسها في العصر الرقمي، ومصر ليست الدولة التي نراها في مقطع لا يتجاوز ثلاثين ثانية، وليست ذلك الشاب الذي يستعرض ثروته، ولا ذلك الشخص الذي يحول الجريمة أو الإسفاف إلى وسيلة للشهرة.

مصر هي ملايين البشر الذين يعملون كل صباح، ويتعلمون، ويبتكرون، ويعالجون المرضى، ويبنون الطرق، ويزرعون الأرض، ويصنعون الأمل بصمت.

وربما يكون السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس: كيف نمنع المحتوى السيئ؟ بل: كيف نضمن ألا يصبح المحتوى الأكثر شذوذًا هو الممثل الوحيد لمصر أمام العالم؟ فالمعركة الحقيقية لم تعد معركة على عدد المشاهدات، بل معركة على صورة وطن.
 

search