الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

08:53 م

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

08:53 م

المستشار محمد نجيب يكتب: "مش عايز أدخل السجن".. ماذا فعلنا بالتعليم؟

آلمني مشهد الطفل يزن وهو يبكي، ويتوسل إلى أمه أن تعفيه من أداء واجبه المدرسي، بينما تهدده بأن تستدعي الشرطة إذا لم ينتهِ منه، الملايين غيري شاهدوه وتوقفوا أمام دموع طفل صغير لا يفهم لماذا يمكن أن يقوده دفتر الواجب إلى السجن!

لماذا تفعل أم ذلك بابنها؟ ماذا كانت تشعر وهي تراه يبكي؟ هل كانت غاضبة؟ هل كانت تحاول المزاح؟ هل أرادت فقط أن تدفعه إلى إنجاز واجبه بأي وسيلة؟ أم أنها، مثل الكثير من الآباء والأمهات، وصلت إلى لحظة عجز لم تجد فيها سوى التهديد وسيلة لإجباره على الاستجابة؟

لا أعرف الإجابة، ولا أريد أن أحاكم أمًا من دقائق قليلة لا نعرف ما سبقها وما تلاها، لكن ذلك لا يعني أن نتجاهل الخطأ الواضح في المشهد، فالطفل لم يكن يؤدي واجبه لأنه أحب أن يتعلم، ولم يكن يحاول أن يفهم درسًا صعبًا لأنه اكتشف فيه شيئًا جديدًا، بل كان يبكي لأنه خائف.

نحن لا نرسل أبناءنا إلى المدارس لكي يتعلموا كيف يتجنبون العقاب، وإنما لكي يتعلموا كيف يفكرون، ويسألون، ويكتشفون، ويخطئون ثم يحاولون مرة أخرى.

الطفل الذي يربط الكتاب بالخوف، والواجب بالبكاء، والمدرسة بالعقوبة، كيف نطالبه بعد سنوات بأن يكون محبًا للعلم والقراءة والبحث؟

قد ينجح التخويف في إنجاز الواجب اليوم، لكنه لا يصنع بالضرورة إنسانًا يحب أن يتعلم غدًا، وهنا لا بد أن نسأل أنفسنا سؤالًا آخر: هل اختلت بعض مفاهيمنا عن التعليم؟

أنا لا أقول إن التعليم المصري عاجز عن صناعة المتميزين، ولا أؤمن أصلًا بهذه الصورة السوداوية التي تختزل تجربة ملايين الطلاب والمعلمين في أحكام عامة، لدي في محيط أصدقائي نموذج شخصي يجعلني أكثر حذرًا في إطلاق مثل هذه الأحكام.

صديق يعيش في الخارج ويعمل في مجال علمي دقيق، وهو خريج مدارس حكومية مصرية وجامعة مصرية، ويحظى تعليمه وتكوينه العلمي بتقدير كبير في الدولة العظمى التي يعيش بها.

إذن، المشكلة ليست بالضرورة في أن المدرسة المصرية لا تستطيع أن تصنع عالمًا أو مهندسًا أو باحثًا متميزًا، لكن قد تكون المشكلة في الطريقة التي نتعامل بها أحيانًا مع التعليم، وفي اعتقادنا أن الطفل لا يتعلم إلا إذا خاف.

نريد منه درجات مرتفعة، وواجبًا كاملًا، وترتيبًا متقدمًا، وإجابات صحيحة، لكننا ننسى أحيانًا أن وراء كل ذلك طفلًا له مشاعر وقدرات وحدود، وأن التعليم الحقيقي لا يبدأ حين يخاف الطفل من الخطأ، بل حين يشعر بالأمان الكافي لكي يسأل ويجرب ويخطئ.

ثم هناك أمر آخر في المشهد لم أتوقف عن التفكير فيه، ما ذنب رجال الشرطة؟ لماذا نزرع في ذهن الطفل أن الشرطي هو الشخص الذي سيأتي ليأخذه إذا لم يؤد واجبه؟

رجل الشرطة بالنسبة إلى الطفل يجب أن يكون صورة للأمان والحماية، لا «بعبعًا» نستدعيه كلما أردنا أن نجبره على الطاعة.

قد تبدو الجملة عابرة بالنسبة لشخص بالغ، لكنها ليست بالضرورة عابرة بالنسبة لطفل في هذا السن لأنه لا يمتلك القدرة على الفصل بين المزاح والحقيقة، خصوصًا عندما يكون خائفًا ويبكي.

أعتقد أن الدرس الأهم الذي يمكن أن نخرج به من الفيديو، بعيدًا عن حملات الهجوم على الأم أو السخرية منها هو أننا بحاجة إلى أن نراجع الطريقة التي نربي بها أبناءنا على علاقتهم بالتعليم، وبالخطأ، وبالسلطة، وحتى بالخوف.

ليس المطلوب أن نترك الطفل يفعل ما يشاء، ولا أن يتحول البيت إلى مساحة بلا قواعد، فالطفل يحتاج إلى حدود وانضباط ومسؤولية، لكنه يحتاج معها إلى أن يفهم لماذا يتعلم، لا أن يخاف مما سيحدث إذا لم يتعلم.

الواجب المدرسي الذي ينجزه الطفل بسبب الخوف قد يحقق هدفه في تلك الليلة، لكن الهدف الأكبر للتعليم هو أن يأتي يوم يفتح فيه الطفل كتابًا من تلقاء نفسه، لا لأن أحدًا هدده، ولا لأن الشرطة ستأتي، ولا لأن هناك عقوبة تنتظره، وإنما لأنه يريد أن يعرف.

وربما كان السؤال الذي يجب أن يؤلمنا أكثر من بكاء الطفل هو: ماذا نريد أن يتذكر عندما يكبر، هل سيتذكر أن المدرسة كانت المكان الذي اكتشف فيه العالم، أم أنها كانت المكان الذي تعلم فيه أن يخاف؟!

هذه ليست مسألة واجب مدرسي، إنها مسألة إنسان نصنعه، ونراهن عليه في المستقبل فرفقاً يا أم يزن..

search