الأحد، 25 أكتوبر 2026
05:27 ص
حين يقول الرئيس عبدالفتاح السيسي إنه ربما يكون أكثر من تحدث إلى الشعب، يصبح السؤال الأهم: كيف يتحول هذا التواصل إلى استجابة دائمة، وقرارات يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؟
لا تنتهي أهمية الحوار بانتهاء جلساته، ولا يُقاس نجاحه بعدد الساعات التي تحدث فيها المسؤولون، أو بحجم البيانات والأرقام التي عُرضت خلاله، بل بما يبقى منه بعد أن تنطفئ الأضواء، ويعود كل طرف إلى موقعه، وتعود حياة المواطنين إلى إيقاعها المعتاد.
من هنا، تكتسب تجربة «منتدى مصر 2026» أهميتها، ليس فقط باعتبارها مساحة جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسي والحكومة بمواطنين وخبراء وممثلين عن قطاعات مختلفة، وإنما لأنها تفتح بابًا لسؤال أكبر يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع: كيف ينتقل الحوار من مناسبة محددة إلى آلية مستمرة للاستماع، والمراجعة، وتصحيح المسار؟
خلال أيام المنتدى، حرص الرئيس على المشاركة في النقاشات والحديث عن ملفات الدولة وتحدياتها، مؤكدًا أهمية عرض البيانات، والاستماع إلى الآراء والانتقادات، وإتاحة الفرصة للمواطنين لمتابعة ما تحقق وما تستهدف الحكومة إنجازه.
الأمر الذي يضعنا أمام استحقاق لا يقل أهمية عن التواصل نفسه، فالمواطن لا يحتاج فقط إلى أن يسمع رئيسه، بل يريد أيضًا أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن الأسئلة التي تشغله تجد طريقها إلى المسؤول، وأن الملاحظات والانتقادات يمكن أن تسهم في تغيير قرار أو تحسين خدمة أو معالجة مشكلة قائمة.
أهمية المنتدى من وجهة نظري أنه يتيح النظر إلى قضايا الدولة من زاويتين متكاملتين: ما أنجزته الحكومة، وما لا يزال المواطن ينتظر إنجازه، فالدولة لديها مشروعات وخطط وأرقام يمكن عرضها وتفسيرها، لكن المواطن لديه بدوره معايير يومية يقيس بها نجاح السياسات العامة، منها قدرته على تحمل تكاليف المعيشة، وجودة التعليم والرعاية الصحية، وفرص العمل، ومستوى الخدمات، وإمكانية التخطيط لمستقبل أسرته بقدر أكبر من الاستقرار.
رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أشار في عرضه للمنتدى، إلى أن التعليم والأسعار والتضخم والخدمات الصحية والأجور والمعاشات والأمن والاستقرار جاءت ضمن أبرز أولويات المواطنين التي رصدتها عملية جمع الآراء والمقترحات.
هذه الأولويات مهمة لأنها تنقل النقاش من العناوين العامة إلى تفاصيل الحياة اليومية، فالمواطن الذي يسأل عن الأسعار لا ينتظر شرحًا لأسباب التضخم فقط، وإنما يريد أن يعرف ما الذي يمكن فعله للحد من آثاره. والذي يسأل عن التعليم لا يريد عرضًا لحجم الإنفاق وحده، بل يريد أن يرى تحسنًا في جودة ما يحصل عليه أبناؤه. والذي يناقش الخدمات الصحية يريد أن يشعر بأن الخدمة أصبحت أفضل وأكثر إتاحة.
ليس معنى ذلك التقليل من أهمية المشروعات القومية أو مناقشة ما أنجزته الدولة خلال السنوات الماضية، وإنما وضع الإنجاز في سياقه الطبيعي كوسيلة لتحسين حياة الناس، وليس غاية منفصلة عنها.
في ختام المنتدى، أعلن الرئيس استمرار انعقاده سنويًا، مع متابعة ما يتحقق بصورة دورية، وهذه الخطوة تفتح المجال أمام تطوير التجربة، بحيث لا يقتصر المنتدى على استعراض ما مضى، بل يصبح منصة لمراجعة الالتزامات ومناقشة ما تعثر منها وأسباب التعثر.
استدامة التجربة -برأيي- تحتاج إلى قواعد واضحة. أولها نشر التوصيات بصورة محددة، وثانيها تحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذها، وثالثها وضع جداول زمنية ومؤشرات يمكن من خلالها تقييم التقدم، ورابعها إتاحة الفرصة للمواطنين لمتابعة ما تحقق وما لم يتحقق، ولماذا.
كما أن الحوار الحقيقي لا يعني الاكتفاء بسماع الآراء المتفقة مع السياسات القائمة، بل يقتضي إتاحة المجال للنقد الموضوعي، وعرض المشكلات كما هي، والتمييز بين الاختلاف في الرأي وبين تقديم معلومات غير دقيقة، فقبول النقد ليس علامة ضعف، وإنما إحدى وسائل اكتشاف الأخطاء وتحسين الأداء.
والأهم أن تكون هناك مساحة للمراجعة، فقد تكون بعض القرارات ضرورية في وقت معين، ثم تكشف نتائج تطبيقها عن حاجة إلى تعديلها، وقد يحقق مشروع أهدافًا مهمة، بينما تظل هناك جوانب تحتاج إلى تطوير. والدولة التي تملك القدرة على تقييم تجربتها وتصحيح مسارها تمنح مواطنيها سببًا إضافيًا للثقة في مؤسساتها.
لا ينبغي أن يُختزل نجاح المنتدى في موقف مؤيد أو معارض، ولا أن يتحول إلى مناسبة لتبادل المديح أو تسجيل الاعتراضات، بل الأهم أن يكون بداية لمسار يستطيع فيه المواطن أن يرى الصلة بين ما يقوله وما تفعله المؤسسات.
وإذا كان الرئيس قد جعل التواصل المباشر مع الشعب محورًا حاضرًا في المنتدى، فإن الحفاظ على قيمة هذه المبادرة يتطلب ألا يظل التواصل مرتبطًا بحضور الرئيس وحده، بل أن يمتد إلى أداء المؤسسات والوزارات والمحافظات، بحيث يجد المواطن من يستمع إليه، ويجيبه، ويتابع شكواه، ويوضح له ما يمكن تنفيذه وما يتعذر تنفيذه وأسبابه.
فلا يمكن لأي رئيس، مهما بلغت كثافة تواصله، أن يتولى وحده مهمة الاستماع إلى مجتمع كامل أو معالجة مشكلاته، وهنا يأتي دور المؤسسات التي تحول التوجهات العامة إلى إجراءات، والوعود إلى التزامات، والمقترحات إلى سياسات قابلة للقياس.
17 أكتوبر 2026 03:25 م
10 أكتوبر 2026 04:45 م
05 أكتوبر 2026 08:22 م
29 سبتمبر 2026 06:35 م
أكثر الكلمات انتشاراً