الأحد، 11 أكتوبر 2026

01:10 ص

الأحد، 11 أكتوبر 2026

01:10 ص

المستشار محمد نجيب يكتب لماذا فقدنا الإحساس بالأمان؟

لم يكن آباؤنا يملكون كل ما نملكه اليوم، لكن كثيرين منهم كانوا يعرفون، أو يعتقدون أنهم يعرفون، إلى أين تمضي بهم الحياة، أما نحن، فنملك أدوات أكثر، ونتواصل مع العالم بضغطة زر، ونرى فرصًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة، لكننا في الوقت نفسه نبدو أكثر قلقًا من الغد، وأقل قدرة على الاطمئنان إلى ما نملكه اليوم.

المفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لجيل يمتلك كل هذه المعرفة والوسائل والخيارات أن يشعر أحيانًا بأنه عاجز عن تأمين أبسط أحلامه؟
المسألة ليست أن الماضي كان أجمل، ولا أن الحاضر أسوأ بالضرورة، فلكل زمن أزماته، ولكل جيل معاركه، لكن شيئًا ما تغيّر في علاقتنا بالمستقبل، لأننا أصبحنا نعيش الحاضر ونحن نفكر في تكلفته، ونخطط للغد ونحن نخشى ألا تسمح لنا الظروف بالوصول إليه.

شاب يتخرج في الجامعة، ويبدأ رحلة البحث عن عمل، ثم يكتشف أن الحصول على وظيفة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على بناء حياة مستقرة، فربما يجد عملًا، ويتقاضى راتبًا، لكنه يظل مضطرًا إلى حسابات معقدة قبل أن يفكر في الزواج أو شراء منزل أو حتى تكوين مدخرات تمنحه شعورًا بالأمان.

وهنا لا نتحدث عن شخص كسول لم يسعَ، أو شاب يرفض تحمل المسؤولية، بل عن شاب يعمل ويجتهد لكن يسيطر عليه شعور بأنه لا يستطيع بناء الحياة التي يريدها!

في حياة أجيال سابقة، كان الزواج وتكوين الأسرة وامتلاك منزل أهدافًا رئيسة، وإن لم تكن سهلة التحقيق للجميع، أما اليوم، تحولت هذه الأهداف إلى سلسلة طويلة من الحسابات والتأجيلات والاشتراطات.

كم أحتاج من المال؟ هل يكفي راتبي؟ ماذا لو فقدت عملي؟ هل أستطيع تحمل مسؤولية أسرة في ظل ارتفاع النفقات؟ وهل سيكون ما أدخره اليوم كافيًا لمواجهة احتياجات الغد؟

لم تعد هذه الأسئلة تخص أصحاب الطموحات الكبيرة وحدهم، بل أصبحت جزءًا من قرارات الحياة اليومية، والمشكلة أن تأجيل قرار واحد قد يجر وراءه قرارات أخرى، إذ يتأجل الزواج انتظارًا للاستقرار المالي، ويتأجل الإنجاب انتظارًا لتحسن الظروف، ويتأجل شراء المنزل انتظارًا لدخل أفضل، ثم يكتشف الإنسان أنه أمضى سنوات في الاستعداد للحياة، من دون أن يشعر بأنه بدأها بالفعل.

من المهم أن نفهم لماذا أصبح الشعور بعدم اليقين حاضرًا بهذه القوة في حسابات المستقبل، وأعتقد أن السبب أنه في الماضي كانت دائرة المقارنة لدى الإنسان أضيق نسبيًا، تقتصر على أقاربه وجيرانه وزملائه، وربما بما يراه في التلفزيون.

أما اليوم، يستيقظ الشاب على حياة مئات الأشخاص، ويتابع نجاحاتهم ورحلاتهم ومنازلهم ومشروعاتهم، ويرى صورًا منتقاة من حياة تبدو مكتملة، رغم أنه لا يعرف ما وراءها، ويصنف نفسه فاشلاً ، لأنه لا يعيش في المنزل الفخم الذي يراه أو يقتني السيارة الفارهة أو يسافر إلى بلدان مختلفة.

هذه منافسة لا تتوقف، ومعاييرها تتغير باستمرار، وما كان يُعد نجاحًا قبل سنوات يبدو اليوم إنجازًا عاديًا، وما كان حلمًا بعيدًا يصبح بفعل التكرار توقعًا يعتقد الإنسان أنه مطالب بتحقيقه، ومن هنا تضاءل شعورنا بالسعادة، فكل ما نملكه يبدو عادياً وتافهاً مقارنة بما يمتلكه آخرون.

مشكلة هذا الجيل أنه اعتاد على السرعة، وعلى الوصول الفوري إلى المعلومات والخدمات، وعلى مشاهدة نتائج الآخرين دون أن يعرف حجم الوقت والجهد اللذين احتاجوا إليهما، لدرجة أنه أصبح يكره الانتظار ويضيق به!

ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نطالب الشباب بالصبر وكأن الصبر وحده قادر على حل كل مشكلة، إذ لا يمكن مطالبة شخص بالانتظار إلى ما لا نهاية إذا كان يعمل ولا يستطيع تغطية احتياجاته الأساسية، أو إذا كانت فرص التقدم أمامه محدودة، أو إذا كان عاجزًا عن التخطيط بسبب تغير الظروف من حوله.

هناك شعور قاس بالخوف من المستقبل، يتطور إلى قلق واكتئاب، لذا يجب أن تتغير معاملتنا مع الأجيال الجديدة، ولا نطلب منهم أن يعيشوا كما عاش آباؤهم، فالماضي لم يكن خالياً من الأزمات، والحاضر يحمل فرصاً للتعلم، والمستقبل ربما يكون أفضل.

نحتاج إلى مجتمع لا يقيس نجاح أبنائه فقط بما يملكونه، ولا يقارنهم بغيرهم، بل يعظم ما يستطيعون بناءه والمحافظة عليه، وإلى بيئة عمل تمنح الاجتهاد فرصة عادلة، كما يجب أن نعزز في شبابنا أن الأمان لا يعني أن تختفي المخاطر، أو أن يضمن الإنسان كل تفاصيل المستقبل.

الأمان هو أن يشعر الشاب بأن لديه فرصة معقولة للتخطيط، ويدرك أن تعثره اليوم لا يعني انهيار حياته غدًا، وأنه لن يظل سنوات طويلة يدور في المكان نفسه.

اقرأ أيضًا:

المستشار محمد نجيب يكتب: أنا .. والعياذ بالله!

search