الإثنين، 09 نوفمبر 2026
12:49 ص
لم يكن ركاب قطاري حادث العياط يعرفون، وهم يستقلون مقاعدهم، أن بعضهم لن يصل إلى وجهته، وأن رحلة عادية تبدأ بتذكرة وموعد وصول، قد تتحول إلى مأساة تترك خلفها بيوتًا مكلومة، وأسرًا تنتظر خبرًا، وأخرى تتلقى اتصالًا يبدل حياتها إلى الأبد.
سبعة أشخاص، وفقًا للتقديرات المبدئية التي أعلنتها النيابة العامة، فقدوا حياتهم في الحادث، وأصيب 125 آخرون، بينما أعلنت النيابة وفاة قائد القطار رقم 134.
أرقام ثقيلة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعكس حجم ما جرى؛ فالرقم سبعة لا يخبرنا كم طفلًا فقد أباه، ولا كم أسرة فقدت مصدر أمانها، ولا كم أمًا ستظل تتذكر أن ابنها خرج في رحلة ولم يعد، ووراء كل إصابة إنسان يحاول التعافي، وأسرة تترقب أن يعود إليها من تحب سالمًا.
والأشد قسوة أن هذه الحوادث لا تنتهي عند لحظة التصادم؛ فبعد انقضاء مشهد الارتباك والإنقاذ، تبدأ رحلة أخرى أكثر صعوبة في المستشفيات، والبحث عن المفقودين، والتعرف على الضحايا، وانتظار نتائج الفحوص، ومحاولة استيعاب ما حدث ثم يأتي الغد، حين يجد من فقدوا أحباءهم أنفسهم أمام حياة تغيرت فجأة، بينما يستمر العالم من حولهم في حركته المعتادة.
لا نعرف بعد جميع الأسباب التي قادت إلى هذا التصادم، ولا يجوز أن نسبق نتائج التحقيق أو نوزع المسؤوليات قبل أن تكشف اللجنة الفنية والنيابة العامة حقيقة ما جرى.
لكننا نعرف أن من حق كل أسرة فقدت عزيزًا أن تعرف كيف حدث ذلك، ومن حق كل مصاب أن يحصل على الرعاية اللازمة، ومن حق كل راكب أن يشعر بأن عودته إلى بيته ليست مسألة حظ.
إن قيمة التحقيق في مثل هذه الحوادث لا تُقاس فقط بتحديد المسؤول عن الخطأ، وإنما بقدرته على منع تكراره، ومراجعة منظومة التشغيل والسلامة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره، حتى لا تتحول المأساة إلى خبر عابر تطويه الأيام، ثم نعود إلى المشهد نفسه عند وقوع حادث جديد.
لا ينبغي هذه المرة أن تنتهي الحكاية ببيان تعزية، أو زيارة مسؤول إلى موقع الحادث، أو لجنة تحقيق تصدر تقريرًا ثم تنصرف الأمور إلى مسارها المعتاد؛ فتكرار حوادث القطارات يجعل الصرامة في المحاسبة ضرورة لا تحتمل التأجيل، ويجعل الاكتفاء بتحديد الأسباب الفنية، دون مساءلة حقيقية لكل من تسبب بإهماله أو تقصيره، أمرًا لا يليق بحجم الخسائر.
المطلوب ليس البحث عن كبش فداء لإغلاق الملف، بل كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات على امتداد سلسلة التشغيل والرقابة والصيانة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره، أيًّا كان موقعه.
فلا يمكن أن تظل أرواح الركاب رهينة أخطاء تتكرر، ثم نكتفي في كل مرة بوعود تحسين المنظومة وانتظار الحادث التالي.
هذه المرة، يجب أن تكون هناك محاسبة بقدر الفاجعة، وإجراءات تمنع تكرارها؛ لأن دماء الضحايا لا يجوز أن تتحول إلى مجرد رقم جديد في سجل حوادث السكك الحديدية.
في العياط، لم تتوقف قطارات عند محطة، بل توقفت رحلات كان أصحابها يخططون لما بعد الوصول.
وبينما تنشغل التحقيقات بكشف أسباب التصادم، تبقى هناك حكايات إنسانية لا تستطيع أي حصيلة أن تختصرها، وبيوت تنتظر من لن يطرق أبوابها مرة أخرى.
رحم الله الضحايا، ومنح المصابين الشفاء، وألهم أسرهم الصبر، ولعل أقل ما يمكن أن نقدمه لمن فقدوا حياتهم ألا نسمح بأن يصبح موتهم مجرد رقم في نشرة أخبار، أو مأساة مؤقتة تنتهي بانتهاء التغطية.
04 نوفمبر 2026 04:21 م
01 نوفمبر 2026 03:00 م
30 أكتوبر 2026 01:43 م
27 أكتوبر 2026 05:25 م
أكثر الكلمات انتشاراً