الإثنين، 05 أكتوبر 2026
10:54 م
هناك حالة إنسانية غريبة تصيب بعض المشاهير، تجعل صاحبها، بعد سنوات من النجاح، يرى نفسه في كل صورة، ويسمع اسمه في كل حكاية، ويعتقد أن كل نجاح مر من أمامه لا بد أن يكون له فيه نصيب.
في البداية يبدو الأمر طبيعيًا، فمن حق الإنسان أن يفرح بإنجازاته، وأن يعتز بما صنعه، وأن يدافع عن تاريخه، وأن يقول للناس: أنا فعلت كذا وكذا، لكن المشكلة تبدأ عندما تتضخم الـ "أنا" وتصبح "أنا وحدي".
وعندما يصير نجاح الآخرين امتدادًا لفضله، وفشلهم دليلًا على أنهم لم يسمعوا كلامه، وكل انتصار جماعي مناسبة لإثبات أنه كان البطل الحقيقي وراء الستار، فهنا تبدأ النرجسية.
ولعل كرة القدم المصرية تقدم لنا هذه الأيام أكثر من نموذج يستحق التأمل، ليس لأن هؤلاء الأشخاص بلا إنجازات..
بالعكس تمامًا، المشكلة أنهم أصحاب إنجازات حقيقية، ودعونا نأخذ العزيز حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر نموذجاً.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن حسام حسن أحد أهم الأسماء في تاريخ الكرة المصرية، لاعبًا ومدربًا، وأن له بصمته في قيادة المنتخب، ولا أعتقد أن أحدًا يطالبه بأن يتنازل عن حقه في أن يقول إنه اجتهد، وأن له دورًا فيما تحقق.
لكن منتخب مصر الذي وصل إلى دور الـ16 في كأس العالم 2026 لم يصنعه رجل واحد، بل صنعه لاعبون، وجهاز فني، وجهاز إداري، واتحاد كرة، وجماهير، وأجهزة طبية، وأسر لاعبين، وتاريخ طويل من العمل، وقبل كل ذلك موهبة اللاعبين أنفسهم، وهنا نتحدث عن إنجاز صنع لحظة تاريخية كان من الممكن أن يحتفل بها المصريون كثيراً، لكن بعد العودة، بدأت معارك جانبية لا يتخيلها عقل أو يوقد شرارتها عاقل!
في معسكر سبتمبر الذي انتهى أمس، الحمد لله، شاهدنا العجب، تقليل غير مبرر من حارس مرمى المنتخب محمد الشناوي ووصفه بالمنتهي، ودخول الأهلي على خط الأزمة، وهنا أتوقف، ما الذي كان سيحدث لو اكتفى المدرب بعبارة بسيطة "الشناوي حارس كبير، لكنه مصاب، وأنا اخترت القائمة التي أراها مناسبة" وينتهي الأمر، لكن بعض المشاهير لا يستطيعون مقاومة إغراء المعركة.
لا بد أن يثبتوا أنهم أصحاب القرار، لا بد أن يقولوا إنهم اكتشفوا هذا اللاعب، وأعادوا ذاك، وأنهم كانوا يعرفون قبل الجميع، وكأن الإنجاز لا يكتمل إلا إذا ثبت أن اسمهم كان في منتصفه، مروراً بما تعرض له نجم مصر التاريخي محمد صلاح، ومغادرته المعسكر وتقليل عابر من هذا وذاك وكأن الكواكب كلها تدور حول حسام حسن!
الحكاية نفسها تظهر بصورة مختلفة عند أحمد شوبير، فالرجل له تاريخ طويل وحقيقي في الكرة المصرية والإعلام الرياضي، ومن الصعب اختزال مسيرته في موقف أو تصريح.
لكن شوبير نفسه بالغ إلى حد كبير في وصف مسيرته كرائد في هذا المجال، وقد يكون للرجل فضل كبير في تطور الإعلام الرياضي، وقد يكون بالفعل من أهم من ساهموا في فتح الطريق أمام أجيال من المذيعين والمقدمين.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تقول "كنت واحدًا من الذين أسهموا في تأسيس وتطوير الإعلام الرياضي، وبين أن تتحول القصة إلى "أنا صنعت الإعلام، ولي الفضل في ظهور هذا وذاك!
الأولى اعتراف بالدور، والثانية تكاد تجعل الآخرين مجرد فروع من شجرة شخص واحد، وهنا تكمن مشكلة النرجسية، فصاحبها لا يكتفي بقول "أنا نجحت" بل يصر على أن نجاح الآخرين أيضًا جزء من نجاحه".
الأكثر قسوة أن هذه النرجسية قد تؤذي أقرب الناس إلينا، فحارس مرمى مصر والأهلي مصطفى شوبير لا يحتاج إلى أن يثبت أنه ابن أحمد شوبير، لأنه أثبت نفسه بالفعل، مقدماً مستويات جعلت اسمه حاضرًا باعتباره حارسًا له شخصيته وقدراته، في أهم محفل عالمي هو كأس العالم.
والأجمل أن مصطفى نفسه، عندما تحدث عن محمد الشناوي، لم يدخل في لعبة «الحارس الأول» و«الحارس الثاني» بالمعنى الذي يحول المنافسة إلى عداوة، بل تحدث عن الشناوي باعتباره واحدًا من أفضل حراس مصر، وأشاد بعقليته وما تعلمه منه.
لكن المشكلة أن الشهرة أحيانًا تجعل الأب يرى نجاح ابنه باعتباره امتدادًا لسيرته الشخصية، فيصبح الابن لا يعيش نجاحه فقط، وإنما يعيش أيضًا تحت ظل اسم أبيه، ورغم تقديري البالغ لشوبير الأب إلا أنه استخدم مفردات تثير سخط المتابع مثل إصراره على وصف مصطفى بأنه حارس مرمى مصر الأول، وكأنه صفة دائمة، الأمر الذي جعل البعض يتحينون فرصة للشماتة، وهذا حدث بالفعل بعد مباراة جنوب إفريقيا الودية.
النرجسية عند المشهور ليست دائمًا غرورًا صريحًا، أحيانًا تأتي في صورة "أنا أعرف أكثر"، وأحيانًا في صورة "أنا صنعت هذا الجيل" أو أنا الذي اكتشفت هذا اللاعب، وأحيانًا تكون أخطر من ذلك كله، حين يصبح الإنسان غير قادر على رؤية نفسه خارج إطار إنجازاته، فإذا نجح، قال "أنا" وإذا فشل قال: "هم".
وإذا نجح شخص آخر، قال: أنا كنت السبب، وإذا اختلف معه أحد، اعتبر الاختلاف جحودًا، وهنا يتحول التاريخ من شيء جميل عاشه الإنسان إلى سجن يعيش داخله.
بالمناسبة، النرجسية قد تكون عرضاً طارئاً، وأنا شخصياً أخاف من هذا المرض، وأشعر في بعض الأحيان أنني أقع في هذا الفخ حين أظل أسيراً لإنجاز حققته في فترة من الوقت.
قد يفرح الإنسان بما أنجز، أو بما بناه، أو بالأشخاص الذين ساعدهم، ثم يبدأ تدريجيًا في تضخيم دوره في رأسه، وهنا يحتاج إلى أن يقف قليلًا أمام المرآة، لكي يتذكر حجمه الحقيقي، فنحن جميعًا عابرون.
كل هذه المعارك التي نعتقد أنها ستغير التاريخ، ستسقط من ذاكرته، وكل هذه البرامج ستتوقف، وكل هذه الأسماء التي تبدو اليوم ضخمة، سيأتي يوم لا يعرفها فيه أحد.
ويظل السؤال الحقيقي الذي يجب أن نوجهه إلى أنفسنا،هل عشنا ونحن نحاول أن نثبت أننا أهم من الآخرين، أم عشنا ونحن نحاول أن نكون نافعين للآخرين؟
أنا لا أريد أن أكون الرجل الذي يعتقد أنه صنع كل شيء، ولا أريد أن أكون أسيرًا لفكرة أن كل نجاح مر من هنا لا بد أن يحمل اسمي، يكفيني أن أكون قد فعلت شيئًا جيدًا، ساعدت إنسانًا، أو تركت فكرة نافعة.
نصيحتي إلى أن نفسي وإلى الكابتن حسام حسن والكابتن شوبير والكابتن ميدو وغيرهم من مشاهير السياسة والفن والرياضة، هي إدراك أن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان الناجح ليس أن يقنع الناس بأنه كان عظيمًا، وإنما أن يصل إلى مرحلة لا يحتاج فيها إلى إقناع أحد.
اقرأ أيضًا:
29 سبتمبر 2026 06:35 م
25 سبتمبر 2026 01:49 م
19 سبتمبر 2026 06:00 م
13 سبتمبر 2026 02:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً