من استقبال العلمين.. إلى "إنتِ الأونر ولا الدادة؟"
كل ما كانت تفعله أنها تحتضن رضيعتها على شاطئ في قرية فخمة بالساحل الشمالي، لم تكن تصرخ، ولم تكن تخالف قاعدة، ولم تكن تطلب امتيازًا، بل كانت تجلس مع طفلتها، قبل أن يقترب منها موظف أعطى نفسه سلطة وهمية ويسألها بكل بساطة: "إنتِ الأونر ولا الدادة؟"
ربما لم يقصد الإساءة، وربما كانت مجرد عبارة اعتاد أن يرددها، بناء على نظرته إليه، لكن السؤال لم يكن عن ملكية شاليه، بقدر ما كان اعترافًا غير مقصود بأننا نحاكم الناس من مظهرهم قبل أن نعرفهم.
كل ما احتاجه الموظف الأنيق ليبني حكمه أن المرأة كانت ترتدي غطاءً للرأس.
في لحظة، لم تعد إنسانة لها اسم وقصة وحياة، بل أصبحت صورة ذهنية جاهزة، حجاب يعني طبقة اجتماعية معينة، ووظيفة معينة، ومستوى اقتصاديًا معينًا.
وكأن المصرية المحجبة لا يمكن أن تكون صاحبة فيلا دفعت فيها عشرات الملايين، أو سيدة أعمال، أو طبيبة، أو قاضية، أو ببساطة.. مالكة بالمكان الذي تجلس فيه!
المؤلم أن العنصرية هنا ليست بين جنسية وأخرى، ولا بين لون وآخر، بل بين المصري والمصري، نحن الذين اخترعنا لأنفسنا طبقات لها ملامح وملابس ولهجات، ثم بدأنا نصدق أنها حقائق لا تقبل النقاش.
القضية ليست أن موظفًا أخطأ في التقدير، وإنما أن السؤال - الذي كرره بالمناسبة وكأنه لا يصدقها- خرج من فمه بهذه السهولة، لأنه يعرف - أو يظن - أن كثيرين يفكرون بالطريقة نفسها.
هذه الأحكام المسبقة لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، نحكم على الناس من ملابسهم، وسياراتهم، ولهجتهم، وعناوين سكنهم، وحتى من الشاطئ الذي يجلسون عليه، ومن هنا تبدأ الحكاية الأكبر.
في السنوات الأخيرة نشأت داخل مصر عوالم مغلقة، ليس بأسوارها فقط، وإنما بقواعدها أيضًا، منتجعات دفع ملاكها عشرات الملايين لشراء فيلات وشاليهات، ثم فوجئ بعضهم بأن ملكيتهم لا تمنحهم الحق في استقبال أقاربهم أو أصدقائهم على بعض الشواطئ، أو اصطحاب ذويهم إلى أماكن بعينها داخل هذه المنتجعات .. يا لسخرية القدر والظروف!
أي رسالة نرسلها عندما يصبح امتلاك العقار لا يكفي، ويصبح الانتماء إلى "الدائرة الصحيحة" هو الشرط الحقيقي للدخول؟
المشكلة ليست في أن يكون هناك منتجع فاخر، ولا في أن يعيش الناس كما يشاؤون لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الملكية إلى امتياز اجتماعي، ويتحول الضيف إلى شخص يجب فحص هويته الاجتماعية قبل أن يُسمح له بالجلوس على الشاطئ، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بمن يعرف، لا بما يملك، ولا حتى بما يكفله له القانون.
ولذلك لم يعد غريبًا أن يتداول المصريون تعبير "إيجبت" في مقابل "مصر" إذ لم تعد الكلمة مجرد ترجمة إنجليزية لاسم البلد، بل أصبحت في المخيال الشعبي وصفًا لمصر أخرى؛ مصر البوابات الإلكترونية، والأساور الملونة، والشواطئ المغلقة، والدخول المشروط، بينما تقف "مصر" الأخرى خلف الأسوار، تراقب المشهد وكأنها ليست جزءًا منه!
ولهذا أيضًا، لم يكن مستغربًا أن يثير استقبال بعثة المنتخب الوطني في مدينة العلمين كل ذلك الجدل، إذ لم يكن الاعتراض على العلمين، ولا على ما تحقق فيها من تنمية، وإنما لأن كثيرين شعروا - بحق أو بغير حق - أن الرسالة التي وصلت إليهم تقول إن المشهد الوطني أصبح يُصنع في أماكن لا يستطيع أغلب المصريين الوصول إليها.
وعندما تصبح الرمزية بهذا القدر من الحساسية، يصبح الانطباع في السياسة والمجتمع أحيانًا أهم من النية..
المفارقة أن الدستور المصري نفسه أكثر تقدمًا من كثير من ممارساتنا اليومية، إذ يقرر أن المواطنين سواء أمام القانون، ويحظر التمييز بينهم لأي سبب.
وفي دول مثل النرويج وغيرها من الدول التي رسخت مفهوم المساواة، لا يُنظر إلى التمييز في المعاملة على أساس المظهر أو الأصل الاجتماعي باعتباره مجرد تصرف غير لائق، بل سلوكًا تحاربه القوانين والثقافة العامة معًا، ليس لأن تلك المجتمعات خالية من الأحكام المسبقة، وإنما لأنها تدرك أن تركها تنمو بلا مقاومة يعني السماح لها بأن تتحول إلى نظام غير معلن يحدد من يستحق الاحترام، ومن لا يستحقه.
المشكلة إذن ليست في الساحل الشمالي، ولا في المنتجعات، ولا في الثراء، لكن المشكلة في ثقافة التصنيف التي تتسلل إلينا بصمت، حتى أصبح المظهر بطاقة تعريف، والعنوان البريدي شهادة مكانة، واللهجة مؤشرًا على القيمة، والحجاب أو الثياب سببًا كافيًا لإصدار حكم على إنسان لم نتبادل معه كلمة واحدة.
أخطر أنواع العنصرية ليست تلك التي تُكتب في القوانين، بل تلك التي تسكن العقول، إنها العنصرية التي تجعل موظفًا يفترض أن المرأة التي أمامه لا يمكن أن تكون صاحبة المكان لأنها ترتدي الحجاب، والعنصرية التي تجعل مواطنًا يشعر أنه غريب داخل وطنه، لأن عنوانه، أو دخله، أو مظهره، لا يضعه في الفئة "المناسبة".
الوطن لا يُقاس بعدد المنتجعات الفاخرة، ولا بارتفاع أسعار العقارات، وإنما بقدرته على أن يشعر كل مواطن فيه بأنه محترم، لا لأنه غني أو فقير، ولا لأنه يسكن هنا أو هناك، بل لأنه إنسان.
وحين يصبح السؤال الأول الذي نطرحه على بعضنا: "إنتِ الأونر ولا الدادة؟"، فالمشكلة لم تعد في السؤال.. بل في المجتمع الذي جعل هذا السؤال يبدو طبيعيًا، لأن الوطن الذي يقسم أبناءه إلى "أونر" و"دادة"، وإلى "إيجبت" و"مصر"، لا يعاني أزمة منتجعات، بل يعاني أزمة نفسية!.
اقرأ أيضا:
الأكثر قراءة
-
أول تعليق من الكاف حول مشاركة الأهلي في دوري أبطال أفريقيا (خاص)
-
موقع تقديم كلية الشرطة 2026.. رابط التسجيل الرسمي وخطوات التقديم
-
لأصحاب المباني القديمة.. "الكهرباء" تعلن مفاجأة بشأن العدادات الكودية
-
بث مباشر مشاهدة مباراة إسبانيا وبلجيكا لحظة بلحظة في كأس العالم 2026
-
"إنجاز مصر فخر لكل العرب".. الحبتور يكرم أفراد المنتخب بهدية استثنائية
-
للخلف در.. مصر ترفض دخول سفينة للمثليين إلى مياهها
-
فيلا معزولة والخروج ممنوع.. خادم ينهي حياة مسن لسبب صادم ويلقي جثمانه في الصحراء
-
برتبة ضابط صف.. شروط تقديم المعهد الصحي للقوات المسلحة 2026 للإناث والذكور
أكثر الكلمات انتشاراً