المستشار محمد نجيب يكتب: نحن نولد خبراء
في الماضي كان الإنسان يقضي سنوات طويلة من عمره حتى يصبح خبيراً في مجال ما، يدرس، ويجتهد، ويخطئ، ويتعلم، ثم يأتي يوم يستحق فيه أن يُطلق عليه لقب "خبير".
أما اليوم، فقد حلت السوشيال ميديا هذه المشكلة بالكامل، إذ لم تعد بحاجة إلى شهادة أو خبرة أو سنوات من العمل، بل يكفي هاتف محمول واتصال جيد بالإنترنت، وستجد نفسك بعد دقائق خبيراً في التغذية، ومتخصصاً في الاقتصاد، ومحللاً سياسياً، ومدرباً لكرة القدم، وربما استشارياً في العلاقات الأسرية قبل النوم.
خلال الأسابيع الماضية، وبعد وفاة الدكتور ضياء العوضي سامحه الله، انتشر نظام "الطيبات" بصورة لافتة حتى تحول إلى نوع من الهوس ليس في مصر فقط لكن في كثير من الدول العربية والعالم، لدرجة تصيبني بالذهول من طبيعة النقاشات الدائرة وكيف يدافع عنه الكثيرون بكل قوة رغم ما خلفه الرجل من ورائه من نصائح ووصفات كانت سبباً في تدهور صحة الكثيرين!.
كما أننا اكتشفنا بعد وفاته أن العالم العربي لم يكن يعاني نقصاً في أطباء التغذية كما كنا نظن، بالعكس، يبدو أن لدينا ملايين الخبراء الذين كانوا ينتظرون فقط الفرصة المناسبة للخروج إلى النور.
البيض بعد وفاة الرجل أصبح متهماً في بعض الصفحات، وبريئاً في صفحات أخرى، وخطراً على الصحة عند فريق، ومفتاحاً للعمر الطويل عند فريق آخر، وبين هذا وذاك يقف البيض نفسه حائراً لا يعرف إلى أي مدرسة علمية ينتمي!.
والظاهرة لا تتوقف عند الطعام، خذ كرة القدم على سبيل المثال، نحن بلد يضم أكثر من تسعين مليون مدرب للمنتخب الوطني، وكل مواطن لديه قائمة اللاعبين المثالية، والتشكيل الأمثل، والخطة الأنسب، ورؤية كاملة لمستقبل الكرة المصرية.
المدير الفني لم يكد يعلن قائمته، حتى بدأ البعض في اتهامه بالمجاملة، ولم يخض مباراته الأولى بعد، ومع ذلك حكم عليه البعض إما بالنجاح أو الفشل، فإذا فاز، كان الفوز بلا شك بسبب نصائح هؤلاء الخبراء اللوذعيون، أما إذا خسر، فإن السبب أنه لم يستمع إليهم!.
والأمر نفسه يتكرر في الطب والاقتصاد والتعليم والإعلام، فتجد شخصاً يهاجم نظرية علمية معقدة في تعليق لا يتجاوز سطرين، لكنه يكتب التعليق نفسه بثلاثة أخطاء إملائية وأربعة أخطاء نحوية.
وآخر يشرح للناس كيف تُدار اقتصادات الدول الكبرى، بينما لا يعرف لماذا لا يكفي راتبه حتى نهاية الشهر، وثالث يمنح دروساً في التربية وهو بالكاد يستطيع السيطرة على مجموعة "واتساب" العائلة.
المفارقة أن الخبراء الحقيقيين غالباً ما يتحدثون بحذر، ويستخدمون عبارات مثل "ربما" و"بحسب الدراسات" و"المعطيات المتاحة".
أما خبراء السوشيال ميديا فيتحدثون بثقة مطلقة لا تعرف الشك، وكأنهم كانوا حاضرين لحظة خلق الكون وشاهدوا كل شيء بأعينهم.
المشكلة ليست في أن يكون لكل إنسان رأي، فهذه نعمة، لكن المشكلة حين يتحول الرأي إلى حقيقة مطلقة، وحين تصبح الثقة بديلاً عن المعرفة.
وربما لو بحثنا عن أكثر كلمة مهددة بالانقراض في مجتمعنا فلن تكون كلمة علمية أو فلسفية معقدة، بل عبارة بسيطة جداً وهي “لا أعرف".
فنحن والعياذ بالله نعرف كل شيء، كما أننا، لا نتعلم الخبرة مع الوقت.. بل نولد خبراء.
الأكثر قراءة
-
إيه السبب؟.. القصة الكاملة للقبض على صبري نخنوخ وشقيقه بالقاهرة
-
لينك التقديم للصف الأول الابتدائي 2026 وخطوات التسجيل
-
10800 جنيه شهريًا.. تفاصيل أعلى شهادات الادخار بالبنوك المصرية
-
كيف تحل مشكلة توقف البريد المدرسي الموحد قبل انطلاق امتحانات الثانوية؟
-
المصنعية تقفز 10% يوليو المقبل.. أزمة جديدة تضرب الذهب
-
النقل: تحطم عربة ربع نقل بعد محاولتها اقتحام مزلقان ميت حلفا المغلق
-
مصرع شخص على يد ابن خالته في الهرم
-
وعي الجمهور المصري هو البطل.. بين "السينما الجماعية" لكريم وعز و"المؤامرة الكونية" لرمضان
مقالات ذات صلة
عندما تتحول "الكرة" إلى "كراهية"!
30 مايو 2026 07:10 م
فرصة نادرة لاستعادة الروح
28 مايو 2026 01:23 م
المستشار محمد نجيب يكتب.. ماذا يحدث لنا؟
21 مايو 2026 07:21 م
الوجع.. هل يمكن أن تكون سببا في حبس ابنتك؟
15 مايو 2026 03:20 م
أكثر الكلمات انتشاراً