الثلاثاء، 07 يوليو 2026

09:04 م

حسام حسن.. قصة بطل شعبي

حسام حسن قصة جميلة، بطل شعبي يشبهنا بكل عنفوانه واندفاعه وشجاعته وضعفه وأخطائه، وحين نتحدث عنه فنحن نقصد كذلك توأمه إبراهيم، فهما حبة الفول التي انقسمت نصفين، يصعب تمييزهما في الشكل أو الطباع، أو ردود الأفعال.

حسام حسن مصري حتى النخاع، مثابر مجتهد مقاتل من طراز فريد، فقد حارب بكل ما لديه من قوة حتى يتولى إدارة المنصب الفني الأهم في الكرة المصرية، ثم خاض حرباً أخرى لإثبات استحقاقه بهذه المهمة، والآن صار ملكاً متوجاً في قلوب كثير من رافضيه بقدر محبته في قلوب كل من آمنوا وطالبوا به منذ البداية.

حسام ليس سياسياً على الإطلاق، ولا يمكن أن يكون كذلك لأنه صادق، فما في قلبه يترجم فوراً على لسانه دون اعتبارات أو حواجز، وربما يكون هذا سبب وقوعه في مشكلات عدة، وعدم تفضيله من قبل القائمين على إدارة شؤون الكرة المصرية لأنه ليس مدجناً ولا طيعاً، ويصعب السيطرة عليه أو توقع ردود أفعاله.

لا يمكن أن يزايد أحد على وطنيته وعشقه لبلاده، لأنه اختبر حب الناس حين كان لاعباً فذاً استثنائياً مخلصاً لجمهوره، سواء في النادي أو المنتخب، ومن يحظى بهذا الحب لا يمكنه التضحية به، لذا نصدقه حين يهدينا الانتصار تلو الانتصار، ويقول بكل تلقائية "إن أصعب شعور قد يراوده هو أن يكون سبباً في حزن ملايين المصريين الذين تعلقت آمالهم به هو وأبطاله.

لقد شاهدت حديثه عن القضية الفلسطينية خلال المؤتمر الصحفي أمس عشرات المرات، وفي كل مرة كان يراودني الشعور ذاته بالفخر والحب والاعتزاز، لأنه عبّر بصدق عن مشاعرنا وحزننا وغضبنا وتعاطفنا ومحبتنا للشعب الفلسطيني.

لقد أعاد حسام حسن القضية الفلسطينية إلى الواجهة، ومن منا لا يشعر بسعادة غامرة ممزوجة بألم قاس حين يشاهد أشقائنا في غزة وهما يتابعون بكل شغف مباريات منتخبنا، وسط الأنقاض، والدمار، والخراب، ويفرحون ويرقصون ربما أكثر من نفر منا أصابتهم لوثة عقلية ونفسية تمنعهم من تشجيع منتخب بلادهم.

لم نلتفت كثيراً -رغم استيائنا- لفئة شاذة انتقدته حين رفع العلم الفلسطيني بعد مباراتنا ضد أستراليا، لأن جموع المصريين يحملون هذا العلم بداخلهم، ولدنا وعشنا ونحن نؤمن بهذه القضية ونشعر أن الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ منا، مهما حاولوا تأليبنا ضده، أو تأليبهم ضدنا.

حسام حسن لم يكتف برفع العلم الفلسطيني بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين تحدث بكل إنسانية عن القضية، مؤكداً أن من لا يتعاطف مع أهلنا في غزة أيا كانت ديانته لا يمكن أن يكون إنساناً، وقال بتلقائية وبساطة: “إن الغرب يتعاطف مع الحيوان ويدافع عن حقوقه، فكيف نغمض أعيننا عن حقوق الإنسان، ونتجاهل معاناة الفلسطينيين الذين لا يجد معظمهم الآن بيتاً يؤويهم أو ملجأ يقيهم حر الصيف وبرودة الشتاء”.

لقد انتصر حسام لنا مرتين، الأولى في البطولة الأقوى والأهم في العالم، محققاً إنجازات لم يشهدها تاريخنا، والثانية حين رفع صوت المصريين عالياً وعبر عن مشاعرهم تجاه القضية الفلسطينية، محققاً في دقائق قليلة ما عجزت عنه الدبلوماسية في سنوات.

بشكل عام، أرى أن حسام حسن تغير كثيراً، ونضج أكثر، وظهر لي ذلك حين سُئل بعد مباراة أستراليا عن شعوره بعد أن أثبت جودة المدرب المصري مقارنة بنظيره الأجنبي، فعلى عكس المعتاد والمتوقع، أنصف المدربين الأجانب وقال إن لكلٍ احترامه، والعبرة في من لديه القدرة على تولي المهمة سواء كان مصرياً أو أجنبياً.

هناك فئة حاقدة حاسدة تصر على التقليل منه، ويلوون تصريحاته ويؤولونها لبث الفتنة والوقيعة بينه وبين أسطورة مصر الحية "محمد صلاح" حين قال حسام إنه سعيد بتطوير أداء صلاح بالشكل الذي أفاد الأخير وخدم المنتخب، فقالوا ساخرين ما مفاده "مين حسام حسن اللي يطور نجم بإمكانيات الملك المصري"، رغم أن المنصفين يفهمون جيداً قصده ويدركون أنه يتحدث عن المركز الذي استحدثه لصلاح وكيف أصبح الأنسب لقدراته البدنية والذهنية في الوقت الراهن.

نحن فخورون بالتوأم حسام وإبراهيم، ويكفينا الحالة الجميلة التي نعيشها بفضلهم، ولا أقصد هنا إنجازات المنتخب فقط، لكن أقصد الزخم الإنساني والمشاعر الرائعة، ومن منا ما لم يشعر بالفخر من موقف إبراهيم حسن الذي دافع عن الطفل المصري ضد ضابط أمريكي.

كل ما سبق لا ينفي حاجة حسام المستمرة للتطوير، لأننا جميعاً في حاجة إلى ذلك، فالزمن يتجاوز من يظن أنه أوتي مفاتيح العلم والخبرة، وكرة القدم مثل كل المجالات الأخرى تتطور بسرعة، ولم يعد المدير الفني هو بطل العرض الوحيد لكن يجب أن يكون لديه فريق من المحللين والمساعدين ذوي الكفاءة العالية حتى يساعدونه في اتخاذ القرارات المناسبة.

في عالم أصبحت فيه المشاعر محسوبة، يظل حسام حسن استثناءً، يفرح كما يفرح طفل، ويحزن كما يحزن عاشق، ويقاتل كأنه لا يمثل فريقًا، بل يمثل وطنًا بأكمله، لذلك لم يكن وصول مصر إلى دور الـ16 مجرد إنجاز كروي، بل كان لحظة أعادت البسمة إلى وجوه ملايين المصريين، وأثبتت أن الإخلاص لا يزال قادرًا على صناعة المعجزات.

وربما لهذا سيبقى اسم حسام حسن حاضرًا في ذاكرة الجماهير، ليس فقط لأنه حقق إنجازًا تاريخيًا، بل لأنه منح الناس شيئًا لا يُقاس بالأرقام.. منحهم الأمل.

اقرأ أيضا

"المنفسنون" يمتنعون اليوم!

لماذا يكرهون الساجدين؟

رابط مختصر

تابعونا على

search