الإثنين، 08 يونيو 2026

08:47 م

المستشار محمد نجيب يكتب: حين تصبح المحاسبة أمراً غريباً!

ليست الجريمة هي التي تهز ثقة الناس في العدالة دائماً، بل الاعتقاد بأن مرتكبها قد لا يُحاسب!
في كل مجتمع توجد شخصيات تحيط بها هالة من النفوذ، أو القوة، أو العلاقات أو الثروة، إلى الحد الذي يدفع البعض إلى الاعتقاد بأنها أصبحت خارج نطاق المساءلة.

ومع مرور الوقت لا تعود المشكلة في أفعال تلك الشخصيات بقدر ما تصبح في الصورة الذهنية التي تتشكل حولها..  صورة تقول إن هناك مواطنين عاديين يخضعون للقانون، وآخرين لا تصل إليهم يد القانون، وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.

عندما يترسخ لدى الناس شعور بأن بعض الأشخاص محصنون ضد المحاسبة، يتسلل الإحساس بالظلم إلى الوعي الجمعي، ويتحول احترام القانون تدريجياً إلى مجرد التزام مفروض على الضعفاء، بينما يعتقد كثيرون أن النفوذ أو المال أو العلاقات قادرة على صناعة استثناءات خاصة.


هذه الفكرة ربما تكون أشد خطورة من أي جريمة منفردة، لأنها تضرب أحد أهم أسس الاستقرار الاجتماعي وهو الثقة في العدالة، ولذلك فإن خضوع أي شخصية مثيرة للجدل للتحقيق أو المحاكمة لا ينبغي النظر إليه باعتباره انتصاراً ضد شخص بعينه، ولا مناسبة للشماتة أو تصفية الحسابات، لأن الرسائل التي تتركها مثل هذه القضايا في وجدان المجتمع تعيش سنوات طويلة.


المفارقة أن بعض الناس عندما يرون أحد هؤلاء - الذين يظنونهم محصنين من المحاسبة- يخضع للتحقيق أو المحاكمة، لا يفسرون الأمر باعتباره دليلاً على قوة القانون، بل يذهبون مباشرة إلى تفسير آخر مفاده أن هناك خلافاً أو صراعاً أو قراراً بالانتقام، وهذه النظرة تكشف أزمة أعمق من القضية نفسها.

فحين يفقد الناس إيمانهم بقدرة العدالة على العمل بصورة طبيعية، يصبح من الصعب عليهم تصديق أن الإجراءات القانونية تهدف إلى تحقيق العدالة، وأن مؤسسات الدولة  تتحرك لأن لديها ما يستوجب التحقيق والفحص، لا لأن هناك خصومة أو رغبة في العقاب.


الدولة القوية ليست تلك التي لا تُحاسب أحداً، وليست تلك التي تُحاسب الجميع لإثبات القوة، بل هي الدولة التي تجعل المحاسبة أمراً طبيعياً لا يثير الدهشة مهما كان اسم الشخص أو مكانته أو حجم نفوذه.


وعندما يصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها مثول أي شخص أمام جهات التحقيق أمراً عادياً لا استثنائياً، فإن ذلك يعني أن القانون نجح في تحقيق أهم أهدافه وهو إزالة الفوارق النفسية بين الناس أمام العدالة. 

العدالة لا تكتمل فقط عندما يُدان المذنب أو تُثبت براءة البريء، بل تبدأ منذ اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن لا أحد يملك حصانة أبدية، وأن الطريق إلى قاعة المحكمة مفتوحة للجميع بالقدر ذاته.

عندها فقط يتراجع الشعور بالتمييز، ويتراجع الإحساس بالظلم، ويستعيد الناس ثقتهم بأن القانون ليس موجهاً لفئة دون أخرى، بل هو المظلة التي يقف تحتها الجميع دون استثناء.
 

اقرأ أيضُا:

المستشار محمد نجيب يكتب: نحن نولد خبراء

المستشار محمد نجيب يكتب.. ماذا يحدث لنا؟

المستشار محمد نجيب يكتب: الغلاء الصامت.. والوجع المكتوم!

search