المستشار محمد نجيب يكتب: الغلاء الصامت.. والوجع المكتوم!
عهدته بشوشاً كريماً مراعياً لمن حوله على مدار معرفتنا، ثم افترقت مساراتنا فسافرتُ، ومضى هو في طريقه ملتحقاً بوظيفة مرموقة ومستقرة، ولم يعد يربطنا سوى رسائل ودودة عبر فيسبوك يطمئن بها كل منا على الآخر، حتى قلت الرسائل بحكم الظروف ثم انقطعت تماماً، وحافظنا على شعرة "اللايكات" على منشوراتنا، إلى أن اختفى كلياً منذ قرابة عام، ثم ظهر فجأة من خلال رسالة صادمة.
“ترددت كثيراً قبل الكتابة إليك، لكن لم أجد غيرك بعد أن ضاقت بي السبل، فرغم افتراقنا منذ فترة طويلة، إلا أن لك مكانة كبيرة في قلبي، أنا أعاني من ضائقة مادية بعد أن تراكمت المطالبات واحتياجات الأولاد، ولا أخفيك قولاً أنني أعمل مساء على سيارتي كسائق "أوبر" في مدينة أخرى حتى أتجنب مذلة السؤال، لكنني في حاجة ماسة إلى مبلغ لسداد رسوم مدرسة ابني الأصغر، وسد بعض الفواتير الضرورية"
الرسالة صدمتني لأن مرسلها كان أبعد ما يكون عن السؤال، وبحكم معرفتي به، فهو أكثر الناس تعففاً ولا يمكن أن يطلب المساعدة إلا بعد انسداد كل شرايين الرزق في وجهه، فضلاً عن أنه ابن أعلى شريحة من الطبقة الوسطى، القادرة على إلحاق أطفالها بالمدارس الخاصة، وتوفير جزء من الدخل لقضاء أجازة فاخرة سواء داخل مصر أو خارجها، لكن الواقع المؤلم أن هذه الطبقة تئن في صمت ووجع..
يتحدث كثير من الإعلاميين البارزين عن صعوبة الأوضاع الاقتصادية، ومن المحمود أن تسمح الدولة بهذا الهامش من النقاش المهم والضروري، لكن الحقيقة أن لا طرف رسمي يعلن عن الغلاء اليوم أو يعترف به!
لا بيان رسمي، ولا لافتة تحذير، ولا حتى صدمة واحدة واضحة، فالغلاء لم يعد يقتحم البيوت فجأة، بل يتسلل إليها مثل تسرب قاتل من غاز سام!
زيادة صغيرة في سعر الدواء، قفزة غير مبررة في مصروفات المدارس، ارتفاع في الإيجار، وزيادة في تعرفة المواصلات، كلها زيادات تبدو بسيطة منفردة، لكنها مجتمعة تخنق المواطن دون أن يشعر.
حالة أخرى، لموظف في منتصف الأربعينيات، دخله ثابت، لم يطلب يومًا دعمًا ولا مساعدة، كان من الطبقة ذاتها التي تُوصف بـ"المستقرة"، لكنه اليوم -حسبما روى لي- يراجع فواتيره أكثر مما يراجع أحلامه، واضطر إلى إلغاء الدروس الخصوصية لابنه، وتأجيل عملية جراحية "لما ربنا يفرجها"، وتعلم لأول مرة أن يسأل نفسه قبل أي قرار: هل أقدر؟
المواطن لم يعد يسأل: كيف سأعيش، بل ما الذي سوف أستغنى عنه، وجبة من الخارج، أو علاج، أو شعور كان متوافراً بـ "الأمان!
هكذا تتآكل الطبقة الوسطى، ليس بانهيار مفاجئ، بل بتنازلات صغيرة متتالية ..
طبقة كانت تمثل عمود الاستقرار الاجتماعي، أصبحت اليوم معلقة بين طبقتين، لا هي قادرة على الصعود، ولا مسموح لها بالسقوط!
الغلاء الصامت أخطر من الغلاء الصاخب، لأنه لا يمنحك فرصة التفكير أو التذمر، بل يحدث تدريجيًا، فتتكيف مرغَمًا، وتقنع نفسك أن "الناس كلها كده"، وأن الشكوى لم تعد ترفًا متاحًا، في ظل السعي المستمر عن الرزق!
المأساة ليست في ارتفاع الأسعار فقط، بل في تآكل الإحساس بالمستقبل، فحين يعجز الإنسان عن التخطيط، يفقد شيئًا من إنسانيته دون أن يشعر، وحين يصبح الغلاء صامتًا، يكون أخطر، لأنه يعتادك، وتعتاده، إلى أن تكتشف متأخرًا، أنك لم تعد تعيش!
الأكثر قراءة
-
قبل اجتماع المركزي.. أعلى شهادات ادخار في البنوك الحكومية
-
موعد مباراة مصر والسعودية والقنوات الناقلة
-
فرصة لحديثي التخرج.. “المصرية لنقل الكهرباء” تعلن وظائف جديدة
-
مواعيد امتحانات الترم الثاني 2026، جميع الصفوف
-
من منزلك.. خطوات استخراج شهادة التحركات 2026 والرابط الرسمي
-
قلق في برشلونة بعد إصابة رافينيا خلال ودية البرازيل وفرنسا
-
وداعاً للوخز اليومي.. ابتكار ياباني ينجح في تحويل الإنسولين إلى "أقراص" فموية
-
"هو أنا اللي خلقت نفسي؟".. أب يبكي بعد التنمر على صورته مع أبنائه
مقالات ذات صلة
فؤاد الهاشم .. حين يتحول الغرور إلى جهل!
24 مارس 2026 10:58 م
من الجائحة إلى الحرب.. سر هذه الثقة؟
19 مارس 2026 03:19 م
دبي في زمن الحرب
09 مارس 2026 08:34 م
الامتنان ليس عيبا
06 مارس 2026 02:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً