لماذا لا يتحركون إلا بعد حديث الرئيس؟!
في لقاء تكريم منتخب مصر لفت انتباهي دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إنشاء برنامج واضح وشفاف لاكتشاف المواهب، مؤكداً أن دولة يزيد عدد سكانها على مئة مليون نسمة لا ينبغي أن يكون لديها موهبة استثنائية واحدة مثل محمد صلاح، بل يجب أن تمتلك منظومة متكاملة لصناعة النجوم.
ولم تمضِ ساعات على ملاحظة الرئيس حتى انهالت التصريحات، وعُقدت الاجتماعات، وتحدث المسؤولون عن خطط وبرامج وآليات اكتشاف المواهب، وكأن الفكرة وُلدت في تلك اللحظة، وليست واجباً يفترض أنهم قائمون عليه بالفعل، أو أمراً بديهياً يعرفه كل من عمل يوماً في الإدارة الرياضية.
هنا يفرض السؤال نفسه: لماذا تتحرك مؤسسات الدولة بهذه السرعة بعد حديث الرئيس، بينما تظل الأفكار نفسها حبيسة الأدراج قبل ذلك؟
وهذا السؤال لا يتعلق بالرئيس، بل بطريقة عمل المؤسسات، فمن الطبيعي أن يضع رئيس الدولة الرؤية العامة، وأن يحدد الأولويات الوطنية، لكن من غير الطبيعي أن تتحول كل فكرة بديهية إلى مشروع عمل فقط بعد أن ترد في خطاب أو تصريح رئاسي.
هل يعكس ذلك ثقافة إدارية تعتبر التوجيه هو نقطة البداية، لا مجرد تعزيز لمسار قائم؟ أم أنه يكشف عن غياب المبادرة لدى بعض المسؤولين؟ أم أن المؤسسات أصبحت تخشى اتخاذ قرارات استراتيجية قبل وجود إشارة واضحة من القيادة؟ أم أن المشكلة أعمق، وتتعلق بضعف نظم المتابعة والمساءلة التي تجعل المسؤول ينتظر التكليف بدلاً من أن يبادر؟
وهناك تفسير آخر لا ينبغي تجاهله، وهو ما يمكن وصفه بـ"الاستجابة الاستعراضية" أو "النفاق المؤسسي"، حيث تتسابق المؤسسات إلى إعلان المبادرات بعد كل توجيه رئاسي، بينما يبقى السؤال الحقيقي: كم من هذه المبادرات يتحول إلى سياسات مستدامة؟ وكم منها يختفي بمجرد انتهاء الزخم الإعلامي؟
وليس ملف الرياضة وحده الذي يثير هذا التساؤل، ففي أكثر من مناسبة، جاءت توجيهات رئاسية بشأن ملفات مثل ضبط الأسواق، وضمان نزاهة الانتخابات، وتبسيط الإجراءات الحكومية، ودعم الصناعة، وتسريع التصالح في بعض الملفات، وتحسين الخدمات العامة، لتشهد بعدها مباشرة موجة من الاجتماعات والتصريحات والخطط التنفيذية.
وهذا يفتح الباب لسؤال مشروع: هل كانت هذه الملفات غائبة عن جدول أعمال المؤسسات، أم أن التوجيه الرئاسي هو الذي منحها الأولوية العملية؟
لقد ترسخت لدى بعض المؤسسات ثقافة خطيرة؛ ثقافة انتظار الإشارة، فلا أحد يريد أن يسبق، ولا أحد يريد أن يبادر، ولا أحد يريد أن يتحمل مسؤولية قرار يمكن اتخاذه اليوم بدلاً من الغد.
والنتيجة أن تتحول الدولة، بكل ما تملكه من أجهزة وخبرات، إلى حالة من رد الفعل الدائم لأطروحات الرئيس، لا الفعل الاستباقي، وكأن المطلوب منه أن يفكر للجميع ويبادر بالنيابة عنهم!
المؤسسات القوية لا تُقاس بسرعة استجابتها بعد التوجيه، وإنما بقدرتها على استشراف المشكلات قبل وقوعها، وبتقديم الحلول قبل أن تُطلب منها، فالمبادرة ليست ترفاً إدارياً، بل هي جوهر العمل التنفيذي.
إن نجاح أي دولة لا يعتمد فقط على وجود قيادة تمتلك رؤية، وإنما يعتمد بالقدر نفسه على وجود مؤسسات تمتلك الجرأة والكفاءة لتحويل تلك الرؤية إلى خطط وسياسات دون انتظار تذكير أو تنبيه.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس هو لماذا يتحدث الرئيس عن منظومة لتطوير كرة القدم؟ بل السؤال الحقيقي لماذا نحتاج في كل مرة إلى أن يتحدث الرئيس حتى تتحرك بعض المؤسسات؟
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
-
براتب يصل إلى 75 ألف جنيها.. وظائف مميزة تشمل السكن وبدلات الانتقال
-
"بعد منشورات التشكيك".. المباحث تواصل التحريات في حريق شقة العمرانية
-
مجانا.. مشاهدة مباراة إنجلترا والأرجنتين في كأس العالم 2026
-
بث مباشر مشاهدة مباراة إنجلترا والأرجنتين اليوم لحظة بلحظة
-
شهادات البنك الأهلي 2026.. استثمر 100 ألف جنيه واحصل على عائد يتخطى 71 ألفا
-
"في مواجهة العاصفة".. لماذا تصدّر حسام عبد المجيد عناوين الصحافة الإسرائيلية؟
-
هل وجود رصيد في البنك يؤدي للحذف من بطاقة التموين؟.. مصدر يوضح
-
"نقرأ الفاتحة على الخاين".. حكاية "أبو حسين" الذي أنهى حياة زوجته وأبنائه الأربعة بأبشع طريقة
مقالات ذات صلة
حسام حسن.. قصة بطل شعبي
07 يوليو 2026 11:17 ص
"المنفسنون" يمتنعون اليوم!
03 يوليو 2026 03:35 م
لماذا يكرهون الساجدين؟
26 يونيو 2026 04:25 م
أبوان جاحدان.. وطفل باعه الجميع!
12 يونيو 2026 02:42 م
أكثر الكلمات انتشاراً