الأحد، 20 سبتمبر 2026

10:47 ص

الأحد، 20 سبتمبر 2026

10:47 ص

طفل من رجلين.. وحكم غير مسبوق

من قضايا إثبات النسب التي وردت إلى مكتبي، واقعة بطلتها امرأة أوربية متزوجة من شخص عربي، وتورطت في علاقة محرمة مع آخر من جنسية مختلفة، وحملت من الأخير، ثم سجلت الطفل باسم زوجها.

وبعد مرور عدة سنوات اعترفت للزوج والعشيق بالحقيقة، وثبت من خلال فحص "دي إن إيه" أن الطفل بالفعل ابن الأخير، وطلب الأب إنكار النسب، كما أن الأب البيولوجي تمسك بإثبات النسب إليه لكن توقف الأمر أمام القضاء، ورفضت المحكمة ذلك!

بغض النظر عن ملابسات الدعوى، إلا أنها ليست الأولى التي يصطدم فيها القضاء بقاعدة شرعية سُنت منذ أكثر من ألف سنة وهي أن "الْفِرَاشُ لِلصَّاحِبِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ"، والتي تعني أن الولد يتبع صاحب الفراش (الزوج الصحيح أو الفاسد) متى توفرت شروطه، ويُقدم على غيره من الأدلة.

هناك قضايا تنتهي بحكم قضائي، وهناك قضايا يبدأ السؤال الحقيقي فيها بعد صدور الحكم، وأهمها على الإطلاق في الآونة الأخيرة قضية الطفلة المصرية التي وُلدت نتيجة واقعة اغتصاب، ثم خاضت والدتها الشابة الشجاعة لسنوات معركة لإثبات نسبها، يمثلها محام شاب رائع لم يفقد الأمل واستخدم كل الأدوات الممكنة من أجل قضيته.

الحكم الذي صدر بإثبات نسب الطفلة إلى الرجل الذي أُدين باغتصاب أمها لا يحسم فقط نزاعاً قضائياً ظل مفتوحاً لسنوات، وإنما يفتح باباً أوسع بكثير حول ماذا نفعل عندما يستطيع العلم أن يحدد الحقيقة البيولوجية، بينما تقف أمام هذه الحقيقة قواعد قانونية واجتهادات فقهية تشكلت في زمن لم يكن فيه الإنسان يعرف شيئاً عن الحمض النووي؟

القضية في جوهرها شديدة البساطة، هناك طفلة لم ترتكب أي ذنب، وهناك رجل ثبت بحكم قضائي أنه اغتصب أمها، ولدينا تحليل للبصمة الوراثية يقول إنه والد الطفلة، ومع ذلك احتاج الأمر إلى سنوات حتى تحصل الطفلة على حقها في أن يُكتب اسم أبيها في أوراقها الرسمية.

هنا لا أتحدث عن تأخر الشرع، ولا عن وضع العلم في مواجهة الدين، فالمسألة أعمق من ذلك، إذ أن القواعد الشرعية التي نظمت النسب لم تكن في الأصل تبحث عن الإجابة البيولوجية التي يستطيع العلم أن يقدمها اليوم، وإنما كانت تنظم مجتمعاً بأدوات عصرها، وتضع ضوابط لحماية الأنساب ومنع اختلاطها، وترتب على النسب حقوقاً وواجبات تتجاوز مجرد معرفة الأب البيولوجي.

لكن العالم تغير، فاليوم، لم يعد السؤال، من نعتقد أنه الأب؟ أو من ترجح القرائن أنه الأب؟ إذ أصبح بإمكان خلية من جسد الإنسان أن تقدم إجابة شديدة الدقة.

تحليل DNA لا يعرف إذا كانت العلاقة التي نتج عنها الطفل زواجاً أو اغتصاباً أو علاقة محرمة، ولا يصدر حكماً أخلاقياً، ولا يفسر الجريمة، ولا يمنح شرعية لعلاقة، بل يجيب عن سؤال واحد فقط، وهو هل توجد علاقة بيولوجية بين هذا الرجل وهذ الطفل؟

وهنا يجب أن نتوقف، فإذا كانت الإجابة العلمية مؤكدة، وإذا كانت واقعة الاغتصاب نفسها قد ثبتت بحكم قضائي، وإذا كانت الطفلة هي الطرف الوحيد الذي لم يكن له أي ذنب في كل ما حدث، فهل يصبح من العدل أن تتحمل هي وحدها آثار الجريمة التي ارتكبها غيرها؟

هذه ليست مسألة طبية فقط، ولا قانونية فقط، ولا دينية فقط، إنها مسألة عدالة، وأعتقد أن أهم ما في هذا الحكم التاريخي الذي أصدرته محكمة استئناف المنصورة أنه لم يتعامل مع الطفلة باعتبارها امتداداً للجريمة التي وُلدت منها، وإنما باعتبارها إنساناً مستقلاً له حقوقه، ولا يمكن أن نتجاهل هنا الفتوى الرائعة لهيئة كبار علماء المسلمين التي أثبتت أن الشرع لا يجب أن يتعارض مع العلم وإنما يكمل إحداهما الآخر.

الحكم غير المسبوق جعل من "مصلحة الطفل" أكثر من مجرد مصطلح قانوني، فالطفلة في هذه الواقعة لا تحتاج إلى اسم الأب لأنها تريد مكافأة الرجل الذي ارتكب الجريمة، ولا لأنها تريد تحويل جريمة الاغتصاب إلى علاقة شرعية، وإنما تحتاج إلى اسم لأنها ولدت، ولأن لها حقاً طبيعياً في الهوية، وفي الأوراق الرسمية، وفي التعليم، وفي أن تعرف أصلها البيولوجي إذا أرادت ذلك عندما تكبر.

والأهم أن إثبات النسب لا يعني تبرئة الجاني من جريمته، فالرجل يمكن أن يكون أباً بيولوجياً وفي الوقت نفسه مجرماً مداناً باغتصاب أم الطفلة إذ لا تناقض في ذلك، فالبيولوجيا لا تمنح البراءة، كما أن الجريمة لا تمحو الحقيقة البيولوجية.

وهنا تحديداً أرى أن علينا أن نفرق بين سؤالين كثيراً ما اختلطا في النقاش: المرتبط بقضايا إثبات النسب الأول، من هو الأب بيولوجياً؟  والسؤال الثاني هو، من يستحق أن يكون أباً في حياة الطفل؟

الأول يستطيع العلم أن يجيب عنه، أما الثاني فهو سؤال أخلاقي وقانوني وإنساني مختلف تماماً، ولذلك فإن الذين يتمسكون بالقواعد الشرعية المنظمة للنسب لديهم سؤال مشروع، وهو هل يكفي التطور العلمي وحده لإعادة تعريف مؤسسة النسب بكل آثارها الشرعية والاجتماعية، والإجابة، في رأيي، ليست بالضرورة نعم.

لكن السؤال المقابل مشروع أيضاً وهو إذا كان العلم قد أصبح قادراً على كشف الحقيقة البيولوجية بدرجة عالية من الدقة، فلماذا لا نستخدم هذه الحقيقة لمصلحة طفل لم يرتكب أي ذنب؟ مثل القضية التي بدأت بها مقالي وقضية الطفلة في واقعة الاغتصاب.

المفارقة أن هذه القضية نفسها لا تبدو وكأنها معركة بين العلم والشرع، فالفتوى التي سبقت الحكم فتحت في هذه الحالة تحديداً باباً للاستناد إلى الحقيقة العلمية، والمحكمة استخدمت البصمة الوراثية إلى جانب الحكم الجنائي.

أي أن ما حدث ربما يكون أهم من مجرد "سابقة قضائية". لأننا – وأتمنى أن تكون توقعاتي دقيقة- بدأنا نرى محاولة للتوفيق بين حقيقتين، الأولى شرعية تنظم النسب، والثانية حقيقة علمية تكشف الأبوة البيولوجية.

وربما يكون هذا هو الطريق الصحيح للمستقبل، فالنصوص والقواعد لا تعيش في فراغ، والعلم لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة تلغي كل ما سبقه، لكن العلم أيضاً لا يمكن تجاهله عندما يصبح قادراً على الإجابة عن أسئلة كان البشر عاجزين عن الإجابة عنها طوال قرون.

search