مع احترامي لذكاء حضرتك.. لست صديقي!
في أغسطس من عام 2025 بدأ جوناثان جافالاس الأمريكي البالغ من العمر 36 عامًا استخدام أحد برامج الذكاء الاصطناعي الشهيرة جيميناي، وحكى له عن علاقته مع زوجته وكيف انفصلت عنه أخيرًا، ورغبته الشديدة في استعادتها.
حتى هذه اللحظة، جوناثان مثل أصدقاء لي ولكم وملايين البشر حول العالم يفرطون في التعبير عن مشاعرهم ومشكلاتهم للذكاء الاصطناعي.. رجل يعيش حالة توحد يتحدث يوميًا عن أزمته العاطفية، والمشكلة الوحيدة أن الطرف الآخر ليس إنساناً!
خلال 56 يوماً فقط، تبادل جافالاس مع جيميناي 4732 رسالة، وبمرور الوقت لم تعد المحادثة مجرد فضفضة عن زوجته، بل تحولت الآلة إلى شخصية عاطفية يجد راحته معها، ويهمس إليها بأسراره ورغباته، فأطلق عليها اسمًا واختار لها شكلًا واعتاد أن يخاطبها بكلمة "ملكتي" وهي ترد عليه "ملكي" وتطورت العلاقة إلى عالم تماهى فيه الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال.
ووفق تحليل صحيفة وول ستريت جورنال لسجل المحادثات بينهما الذي تجاوز ألفي صحفة، حاول محرك الذكاء الاصطناعي المثير رد الرجل إلى صوابه مرات عدة، لكن الأخير تمسك بالسردية الوهمية وعلاقة الحب المستحيلة مع جيميناي التي انتهت بوفاته منتحرًا.
واليوم تقاضي عائلته الشركة المصنعة لبرنامج الذكاء الاصطناعي متهمة إياها بالتسبب في دفعه إلى حالة وهمية قاتلة، فيما تتمسك الشركة بأن آلتها المتطورة حاولت مرات عدة إعادته إلى الواقع لكنه كان مصرًا على التورط في علاقة معها.
قصة جوناثان متكررة واخترتها كاستهلال لهذا المقال لأنني أدرك جيدًا أن كثيرًا منا يقلدونه حاليًا ويدمنون "الفضفضة للآلة"، وأنا لا ألوم من يفعل ذلك، فما أجمل من أن تتحدث إلى طرف لا يحكم عليك أو ينتقدك أو يراجعك في مواقفك، بل يحتويك ويجاريك ويستوعب حديثك وكأنك تتحدث إلى نفسك، دون أن ندرك أن هذا مجرد وهم ويتضمن قدراً كبيراً من التلاعب والخداع.
"تشات جي بي تي" أو "جيميناي" أو "جروك" أو أي من بوتات الذكاء الاصطناعي لا تنام ولا تتعب ولا تمل ولا تكل ولا تنظر إلى هاتفها بتململ وتقول لك خلينا نكمل بكره، ولا تتجاهل الرد عليك لساعات، او ترد على رسالة فضفضة طويلة بكلمتين!
الآلة بكل أسف صارت أكثرًا استيعابًا لنا من أشقائنا وأصدقائنا، ولهذا الغرض صممت حتى تبتلع كل أسرارنا وتجعلنا نتعرى أمامها بكل حماسة وشغف!
البعض يتحدث عن تبعات هذا الانفتاح في الفضفضة للذكاء الاصطناعي من الجانب الأمني والتقني، لكن هناك منطقة رمادية أخرى يجب أن ننتبه قبل أن ننزلق إليها، وهي واحدة من أقوى جوانب الذكاء الاصطناعي، وربما أخطرها في الوقت نفسه، وهي تطوير نفسها على الاستماع والتفاعل لدرجة رهيبة!
السؤال الذي يطرح نفسه، هل الذكاء الاصطناعي صديق؟
الإجابة تحتاج إلى وقفة، فأنا مثل الملايين أستخدمه بشكل متكرر، فباعتباري قانوني وإعلامي ربما يساعد في ترتيب الأفكار وتحليلها ومراجعة القوانين بل والمساعدة في إعداد المذكرات، بل وأحيانا أتحدث معه بلغة طبيعية كأنه إنسان، فأمزح وأختلف وأشكره، لكني مدرك جيداً أنه قد يحاورني لكنه ليس إنساناً ولا يمكن أن يكون كذلك.
قد يفهم الذكاء الاصطناعي ما نقوله له، لكنه لا يعيش التجربة التي نحكيها، وقد يحلل مشاعرنا وهو مصمم أيضاً لذلك، لكنها لا يشاركنا معاناتنا وخيالاتنا واحلامنا وأحاسيسنا، وقد يعطينا أفضل إجابة ممكنة أو اقتراح لحل مشكلة إنسانية نمر بها، لكنه لا يتحمل تبعات قراراتنا، والأهم من كل ذلك وأهمس بهذه الجملة في أذن كثير من الزوجات الفضليات "إنه لا يحبنا"
وهذا ليس تقليلاً من الذكاء الاصطناعية بل بالعكس هذه الحقيقة التي تجعله أكثر اماناً،
نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس صرح أخيراً أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم المشورة في العلاقات الاجتماعية والزوجية أمر شيطاني!
وأنا اتفق معه بشأن بعض الحالات، فالمشكلة تبدأ حين ننتقل من مرحلة "ساعدني لكي أفهم مشكلتي" إلى مرحلة "انت الوحيد اللي فاهمني" وإيه رأيك في تصرفي" وإيه رأيك في ملابسي، وجسمي وشكلي، وصولًا لمرحلة "انت الوحيد اللي فاهمني" أو ليتك كنت زوجي أو زوجتي!
عندما يصبح الإنسان وحيدًا و مكسورًا أو غارقًا في أزمة عاطفية، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية، لأن الإنسان في هذه اللحظة لا يبحث بالضرورة عن الحقيقة، بل عن شخص يوافقه.
والذكاء الاصطناعي، خصوصًا الآلات التي ليس لديها ضوابط كافية، قد تقع في فخ خطير جدًا، فيكون لطيفًا أكثر مما ينبغي، وهنا تحديدًا تكمن خطورة الفضفضة غير المرغوب فيها، والتي تصل أحياناً إلى حد مشاركة الصور الشخصية جدًا.
الصديق الحقيقي لديه ميزة لا يمكن برمجتها بسهولة، وهي أنه يستطيع أن يرفضك، فتحكي له عن قصة حب، ويرد عليك بكل سماجة إنسانية "لا انت بتضحك على نفسك" أو تشكي لها من زوجك، فترد عليكِ بكل غيظ بعد أن تقارنه بزوجها "احمدي ربنا واسكتي".
لا يمكن أن يتمتع الذكاء الاصطناعي بهذا الجانب الإنساني، ورغم ذلك يهرب الكثيرون إليه، لأن البشر متعبون، والأصدقاء لديهم مشاغل، والأزواج معقدون، والعائلة لا تفهمنا دائمًا، والعلاقات الإنسانية تحتاج إلى مجهود وصبر وتنازلات، بل أن المشكلة الحقيقية أن كثيراً منا لم يعد لديهم من يفضفضون له أصلًا.
وفي ظل كل المخاطر التي تنجم عن هذه الفضفضة غير المحمودة مع الآلة أنا شخصياً أفضل أن أراهن على الإنسان.
الأكثر قراءة
-
جريمة تهز مدينة نصر.. أب ينهي حياة ابنتيه ويخفي جثمانيهما داخل حقائب سفر
-
مدرب مصر السابق يتعرض لهجوم مسلح.. تفاصيل مثيرة
-
بث مباشر مشاهدة مباراة الزمالك اليوم ضد إيه إس بورت مجانا
-
مجانا.. طرق مشاهدة مباراة الزمالك وإيه إس بورت اليوم في دوري أبطال أفريقيا
-
قناة مجانية تنقل مباراة الزمالك وبطل جيبوتي في دوري أبطال أفريقيا
-
750 كيلو مخدرات و20 شاهدًا.. ماذا قالت النيابة عن سارة خليفة قبل الحكم؟
-
"قلبوا المواجع عليا".. "لعبة جهنم" يجدد جراح أم طفل شبرا الخيمة
-
المتر بـ3665 جنيها.. آخر موعد لحجز أراضي الإسكان في 17 مدينة جديدة
مقالات ذات صلة
بين الصين وأمريكا.. مصر الجائزة الكبرى
02 سبتمبر 2026 06:02 م
قناة السويس.. ناقوس الخطر!
30 أغسطس 2026 04:03 م
من "روضة التدبر" إلى "مذبحة 15 مايو"
16 أغسطس 2026 02:22 م
المستشار محمد نجيب يكتب: مصر التي اختفت بين عالمين!
12 أغسطس 2026 11:41 م
أكثر الكلمات انتشاراً