الإثنين، 31 أغسطس 2026

07:14 م

"تهامة" خلف الدخان.. سفينة هاجمها الحوثيون قاد تتبعها إلى شركة سرية في واشنطن (تحقيق)

صورة تعبيرية (مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي"

صورة تعبيرية (مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي"

في الحادي عشر من أغسطس 2026، تحولت سفينة الشحن “TIHAMAH” إلى نقطة اشتعال جديدة في باب المندب، عندما أُصيبت بمقذوفات قرب جزيرة ميون، بعد أيام من مغادرتها ميناء المخا على الساحل الغربي لليمن.

واندلع حريق في السفينة TIHAMAH، وفقد الطاقم السيطرة عليها، قبل أن تتعرض لعملية إنقاذ، وبحلول اليوم التالي، كانت حصيلة القتلى ارتفعت إلى ستة: أربعة من البحارة واثنان من المشاركين في الإنقاذ، إضافة إلى مصابين.

وفي الساعات الأولى، قفز اسم مصر إلى واجهة التغطيات، وُصفت السفينة بأنها "مصرية"، قبل أن تنفي وزارة النقل المصرية أي صلة رسمية بها: علمها تنزاني، ومالكها يمني، وتشغلها شركة تدار عبر أحد فرعها في دولة عربية، ولم تدخل الموانئ المصرية، ولم تكن متجهة إلى مصر أو تحمل بضائع تخص مصريين.

تكشف الوثائق شبكة علاقات بحرية وسياسية، كيف قاد تتبع سفينة ترفع علم تنزانيا إلى مدير تجاري يصعب الوصول إليه، ومالكٍ مسجّل تعاقد مع شركة ضغط أميركية بـ372 ألف دولار، ثم ظهر في إفصاح رسمي ممولًا للمقاومة الوطنية اليمنية؟

كان يمكن للنفي أن يغلق القصة، لكنه، عند مقارنته بالسجلات البحرية ووثائق وزارة العدل الأمريكية، فتح سؤالًا أوسع: لماذا تقود بيانات الملكية والإدارة إلى عنوانين في الإسكندرية، ثم يقود اسم المالك المسجّل إلى عقد ضغط سياسي في واشنطن، وإلى قوة يمنية مسلحة تتمركز في المخا وتقاتل الحوثيين؟

وراجع هذا التحقيق، بيانات السفينة برقمها الدولي، وسجلات الملكية والإدارة، ومساراتها الملاحية، وموقع الشركة المعلن في مصر، ونتائج التواصل مع شركة في إحدى الدول العربية تحمل اسمًها، ثم طابق ذلك مع ملف رسمي مودع بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، والنتيجة ليست إجابة كاملة عن كل ما يتعلق بالسفينة، بل خريطة موثقة لما يمكن إثباته ولما لا يجوز الجزم به بعد

نفي رسمي يفتح باب الأسئلة

في 13 أغسطس، قالت وزارة النقل، إن "TIHAMAH" ترفع علم تنزانيا وإن مالكها يمني الجنسية، وحددت الشركة المشغّلة باسم "Blue Sea for Management Marine"، مضيفة أنها تُدار عبر فرعها في دبي. ونفت الوزارة تسجيل الشركة في غرف الملاحة المصرية أو حصولها على ترخيص مصري لمزاولة أعمال الوكالة البحرية.

ويحسم البيان ثلاث نقاط: السفينة ليست مصرية، ولا توجد قرينة رسمية على ملكية مصرية لها، ولا يربط مسار الرحلة بميناء مصري، لكنه لا يحسم وحده هوية المالك المستفيد النهائي، ولا يفسر لماذا تسجل قواعد بيانات ملاحية عنوانًا مصريًا للشركتين المرتبطتين بالسفينة.

"TIHAMAH" ترفع علم تنزانيا وإن مالكها يمني الجنسية، وحددت الشركة المشغّلة باسم "Blue Sea for Management Marine"

في عالم الشحن، لا تكفي خانة "الدولة" لوصف علاقة سفينة ببلد ما، فقد ترفع السفينة علم دولة، ويسجل مالكها في دولة ثانية، ويديرها تجاريًا كيان في دولة ثالثة، بينما يظل المستفيد الحقيقي خلف طبقات من الشركات، لذلك بدأ التحقيق من رقم لا يتغير بتغير الروايات: رقم المنظمة البحرية الدولية.

أي "تهامة"؟ رقم واحد يحسم الهوية

السفينة المستهدفة هي "TIHAMAH" ذات الرقم IMO 1031329، لا سفينة أخرى تحمل اسمًا قريبًا، ويُظهر سجلها أنها سفينة شحن سطحية/عامة بُنيت عام 2024، يبلغ طولها نحو 63 مترًا وحمولتها الساكنة قرابة 520 طنًا، وترفع علم تنزانيا.

هذه الخطوة أساسية لأن اسم "TIHAMA" يقود أيضًا إلى سفينة أخرى تحمل الرقم IMO 9736107 وترفع العلم الألماني. والخلط بينهما لا يغير حرفًا في الاسم فقط بل يبدل المالك والمدير والمسار، وقد يقود التحقيق كله إلى نتيجة خاطئة.

طبقتان في السجل.. ومالك مستفيد غائب

تضع قواعد بيانات ملاحية "Thubab for Marine Services" في خانة المالك المسجل للسفينة، بينما تضع "Blue Sea for Management Marine" في خانة المدير التجاري، ويظهر الكيانان في بعض هذه البيانات بعنوان واحد في سموحة بالإسكندرية، شقة في العقار رقم 20 بشارع كوبري 14 مايو.

لكن "المالك المسجل" ليس بالضرورة الشخص الذي يملك المنفعة الاقتصادية النهائية، كما أن "المدير التجاري" لا يصبح مالكًا بمجرد إدارته الرحلات أو العقود، هذا الفرق هو الحد الفاصل بين ما تقوله السجلات وما قد توحي به: السجلات تحدد واجهة قانونية وإدارية، لكنها لا تكشف بالضرورة المستفيد النهائي.

ما تثبته البيانات هو "Thubab for Marine Services" تظهر مالكًا مسجلًا، و"بلو سي" مديرًا تجاريًا، والسفينة ترفع علم تنزانيا ولم تدخل الموانئ المصرية وفق القاهرة، والرحلات شملت المخا وجيبوتي وبوصاصو ونشطون.

المالك المسجل والمدير التجاري
المالك المسجل والمدير التجاري


ما لا تثبته هو هوية المالك المستفيد النهائي، وأن وجود عنوان مصري يجعل السفينة مصرية، وطبيعة البضائع أو الجهة التي كانت الرحلات تعمل لصالحها.

ما تثبته البيانات هو "Thubab for Marine Services" تظهر مالكًا مسجلًا، و"بلو سي" مديرًا تجاريًا، والسفينة ترفع علم تنزانيا ولم تدخل الموانئ المصرية وفق القاهرة، والرحلات شملت المخا وجيبوتي وبوصاصو ونشطون.

مدير تجاري بين عنوانين وصمت هاتف

كان اسم "Blue Sea for Management Marine" هو الخيط التالي، ففي مصر، لم نعثر على حضور رقمي حديث وواضح للشركة، قاد البحث إلى موقع يحمل الاسم نفسه، لكن آخر تحديث ظاهر عليه يعود إلى نحو عام 2010، فيما تعرض أرقام هاتف بصيغة قديمة وعنوان في بني العباسي بالأزاريطة، يختلف عن عنوان سموحة الوارد في قاعدة بيانات "MagicPort".

العنوان المسجل للشركة على موقع ماجيك بورت
العنوان المسجل لشركة “بلو سي” على موقع “ماجيك بورت”
موقع blue sea for management marine 2010
الموقع الإكلتروني لشركة “بلو سي” بمنطقة الأزاريطة بالأسكندرية 
العنوان المسجل لضشركة بلو سي بالأسكندرية
العنوان المسجل على الموقع الإخباري لشركة “بلو سي” بالإسكندرية

حاولنا من خلال التواصل مع الجهات المسؤولة عن الهواتف الأرضية الحصول على الرقم الجديد للعنوان الخاص بالشركة، واتصلنا مرات عدة، من دون إجابة، ولا يثبت انقطاع الهاتف أو قِدَم الموقع أن الشركة غير موجودة، لكنه يعني أن وسيلة الاتصال العامة التي تعرف بها نفسها لا تتيح التحقق من نشاطها الحالي أو علاقتها التشغيلية بالسفينة.

غير أن مصدر اقتصادي، طلب عدم الكشف عن اسمه، تواصلنا معه أكد أن الشركة غير مسجلة في الأساس في السجلات المصرية، ما يعني أن الفرع كان يدار عبر مكتب إداري فقط، دون إجراء تصريح رسمية، لتخليص الخدمات الخاصة بالشحن، وهو ما يوضح عدم وجود سجلات للشركة في مصر.

ثم انتقل البحث إلى إحدى الدول العربية، حيث قالت وزارة النقل، إن الإدارة تتم عبر فرع فيها، لم يقد البحث بالاسم المحدد إلى شركة شحن أو إدارة سفن واضحة، وظهر بدلًا من ذلك كيان في أبو ظبي يحمل اسمًا قريبًا: "Blue Sea Marine – البحر الأزرق لصيانة المعدات البحرية".

وقال العاملون فيه، عند التواصل المباشر، إن نشاطهم صيانة المعدات البحرية وإنهم لا يعرفون شركة "Blue Sea for Management Marine".

.....

ظهرت كذلك شركات متشابهة الاسم في اليونان وساحل العاج، لكن لم نجد ما يربطها بالسفينة، وبذلك ظلت الفجوة قائمة: اسم مدير تجاري في السجلات، مقابل حضور تشغيلي علني يصعب تثبيته في المكانين اللذين أشارت إليهما البيانات الرسمية والتجارية.

تفسير عدم الوصول إلى الشركة

عرضنا ما توصلنا إليه على الخبير في النقل البحري والدولي، عمرو قطايا، وسألناه عن الاحتمالات التي يمكن أن تفسر وجود اسم شركة في بيانات السفينة، مع عدم القدرة على الوصول إليها أو العثور على نشاط واضح لها.

ولم يستبعد قطايا أن تكون البيانات المتاحة عن الشركة غير دقيقة، وقال إن من الممكن أن تكون البيانات "مفبركة غير صحيحة" أو أن تتم إدارة النشاط من خلال جهة أخرى، مشيرًا إلى احتمال أن يكون المالك أو المشغل يعمل من دولة مختلفة.

وبحسب تفسيره، قد يستخدم هذا النوع من الترتيبات في بعض الحالات لعدم إظهار البيانات الصحيحة، لكنه شدد على أن ذلك، إذا ثبت، ليس قانونيًا.

ثم طرحنا عليه السؤال الأهم لماذا قد يلجأ أحد إلى إخفاء البيانات الحقيقية أو استخدام هيكل لا يكشف بوضوح عن الجهة التي تدير السفينة؟ وكانت إجابته أن من بين الاحتمالات أن تتخفي الشركات بهدف التهرب من الملاحقة أو نقل أسلحة أو ممنوعات.

من سطح السفينة إلى ملف في واشنطن

الخيط الأكثر دلالة لم يخرج من قاعدة بيانات بحرية، بل من وزارة العدل الأمريكية، ففي 4 فبراير 2025، أودعت شركة "BGR Government Affairs" ملفًا تحت رقم تسجيل 5430 بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب "FARA"، يتعلق بتمثيل "Yemeni National Resistance" المقاومة الوطنية اليمنية.

1000356635
مستند يظهر اسم الشركة الموقعة على العقد في واشنطن وجنسيتها 

من بين الاحتمالات أن تتخفي الشركات بهدف التهرب من الملاحقة أو نقل أسلحة أو ممنوعات.

في الصفحات المرفقة، يظهر عقد مؤرخ في الأول من فبراير بين "BGR Group" و"Thubab for Marine Services"، وينص العقد على تقديم خدمات علاقات حكومية بشأن العلاقات اليمنية - الأمريكية، مقابل 62 ألف دولار شهريًا لمدة ستة أشهر، تدفع مقدمًا على دفعات كل ستة أشهر، وبحساب مدة العقد، تبلغ الأتعاب 372 ألف دولار، من دون المصروفات الإضافية.

يظهر اسم حامد أحمد أحمد غالب ممثلًا لـ"Thubab for Marine Services" في العقد، ويذكر نطاق العمل أن فريق "BGR" سيقدم إرشادًا استراتيجيًا ويتواصل مع مسؤولين وصنّاع قرار ومنظمات وأفراد داخل الولايات المتحدة، وقد ينشر مواد إعلامية، أي أن المال لا يذهب إلى تشغيل السفينة أو خدمات الموانئ، بل إلى النفاذ السياسي داخل واشنطن.

الإفصاح الذي يربط "Thubab for Marine Services" بالمقاومة الوطنية

الملف الأمريكي يذهب أبعد من العقد ففي ملحق الإجابة عن هيكل الجهة الأجنبية، تصف "BGR" المقاومة الوطنية بأنها "كيان سياسي - عسكري يمني أُنشئ لمواجهة الحوثيين"، ثم تقول- استنادًا إلى معلومات قدمها العميل- إن المقاومة موجهة ومشرفًا عليها ومسيطرًا عليها بواسطة طارق محمد عبدالله، وتضيف أن تمويلها يأتي من "Thubab for Marine Services"، التي تصفها بأنها مجموعة أعمال يمنية.

هذه صياغة ذات وزن، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة،  ما أمامنا إفصاح قانوني علني أودعته شركة مسجلة لدى وزارة العدل، وليس حكمًا قضائيًا أو تدقيقًا حكوميًا في حسابات "ثباب"، كما أن عبارة "استنادًا إلى معلومات العميل" تعني أن المصدر الأصلي للمعلومة هو الجهة الممثلة، لا تحقيقًا مستقلًا أجرته السلطات الأمريكية.

مستند أمريكي يذهب أبعد من العقد ففي ملحق الإجابة عن هيكل الجهة الأجنبية، تصف "BGR" المقاومة الوطنية بأنها "كيان سياسي - عسكري يمني أُنشئ لمواجهة الحوثيين"

ومع ذلك، تثبت الوثيقة علاقة لا تظهر في سجل السفينة: الشركة التي تظهر مالكًا مسجلًا لـ"تهامة" هي نفسها الطرف المتعاقد على تمثيل سياسي يتعلق باليمن والولايات المتحدة، وهي مذكورة في الإفصاح بوصفها ممولًا للمقاومة الوطنية.

اسم يعبر من العقد إلى المكتب السياسي

يظهر الاسم الكامل "حامد أحمد أحمد غالب" في عقد "BGR" ممثلًا عن "ثباب" ويظهر الاسم نفسه في قرار نشره المكتب السياسي للمقاومة الوطنية في 8 نوفمبر 2021، بتعيينه نائبًا لرئيس الدائرة السياسية والعلاقات الخارجية، كما ظهر لاحقًا في تغطيات رسمية للمكتب ضمن وفد التقى المبعوث الأمريكي إلى اليمن في مارس 2022.

1000356642
مستند أمريكي يظهر أن الشركة تعمل كوسيلة ضغط وتوطيدالعلاقات مع الولايات المتحدة 
1000356639
مستند أمريكي يظهر أن الشركة تعمل كوسيلة ضغط وتوطيدالعلاقات مع الولايات المتحدة 

المخا: حين تصبح الجغرافيا قرينة سياقية

تظهر بيانات الحركة أن "تهامة" دارت خلال الأشهر السابقة بين موانئ إقليمية، بينها المخا في اليمن، وبوصاصو في الصومال، وجيبوتي، ونشطون شرقي اليمن وقبل الهجوم كانت قد غادرت المخا، ثم ظهرت قرب جزيرة ميون في باب المندب.

المخا ليست ميناءً محايدًا في خريطة الحرب اليمنية فهي مركز رئيسي لنفوذ المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح( إبن شقيق الرئيس الأسبق على عبدالله صالح)  على الساحل الغربي، وتقع قبالة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، لكن الجغرافيا، مهما كانت لافتة، تظل: مغادرة السفينة من ميناء تسيطر عليه قوة معينة لا تثبت أن السفينة مملوكة لتلك القوة أو تنفذ مهمة عسكرية لصالحها.

الذي يمنح الجغرافيا معناها هنا هو اجتماعها مع وثيقة أخرى مستقلة: المالك المسجل يظهر في ملف "FARA" ممولًا للقوة التي تتمركز في المدينة نفسها، هذا التقاطع يبرر السؤال عن طبيعة الرحلات والحمولات والعملاء.

حرب الممرين: إيران والولايات المتحدة على خط الملاحة

وقع الهجوم في لحظة لم يعد فيها باب المندب ممرًا تجاريًا فحسب، بل جبهة في صراع إقليمي أوسع، فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير2026، عاد الحوثيون- الحليف الأقرب لطهران في اليمن- إلى تصعيد عملياتهم البحرية، بينما وسعت الولايات المتحدة حضورها العسكري لحماية الملاحة وفرض حصار على الموانئ الإيرانية.

وفي اليوم نفسه الذي ضربت فيه "تهامة"، أطلقت قوات أمريكية، بحسب "رويترز"، صاروخين على سفينة في خليج عمان قالت إنها خرقت الحصار الأمريكي على إيران لا توجد قرينة على ارتباط العمليتين ببعضهما، لكن تزامنهما يكشف صورة "حرب الممرين": إيران تحاول تحويل هرمز إلى ورقة ضغط، والحوثيون يهددون باب المندب والبحر الأحمر، فيما تعتبر واشنطن بقاء الممرين مفتوحين مصلحة أمن قومي.

وتكمن خطورة باب المندب في أنه يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، وتضع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية حجم تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبره عند نحو 8.1 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، أي أن الهجوم على سفينة صغيرة يمكن أن يكون أثره السياسي أكبر كثيرًا من حمولتها، لأنه يبعث رسالة في ممر تتحرك عبره الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.

“عدو عدوي صديقي”

في هذا المشهد، تقف المقاومة الوطنية في المعسكر اليمني المناهض للحوثيين. ويرى الخبير السياسي، اللواء محمد قشقوش، أن تقاطعها مع المصالح الأمريكية يمكن فهمه بمنطق "عدو عدوي صديقي": واشنطن تناهض نفوذ إيران، والحوثيون حليف لطهران، والمقاومة تقاتل الحوثيين، لكن هذا التفسير يشرح الحاجة إلى الضغط السياسي في واشنطن ولا يثبت تحالفًا عملياتيًا، ولا يجيب عن حمولة "تهامة" أو سبب استهدافها المحدد.

فالولايات المتحدة في مواجهة إيران، والحوثيون يرتبطون بإيران، بينما تقف المقاومة الوطنية في الجانب المناهض للحوثيين، ومن هنا يرى قشقوش أنه يمكن أن يكون هناك تقاطعًا في المصالح بين أطراف يمنية مناهضة للحوثيين وبعض الجهات الأمريكية.

حمولة بين روايتين.. ومن دون مستند حاسم

وقال الحوثيون، إن السفينة كانت تنقل معدات عسكرية، في المقابل، قالت جهات تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا إن السفينة مرتبطة بإمدادات تجارية وغذائية، لم يقدم أي من الطرفين، في المواد المتاحة للتحقيق، بوليصة شحن أو بيان حمولة يسمح بالتحقق المستقل من الرواية.

ما تكشفه الشبكة.. وما يبقى خلف السجل

ويكشف تتبع "تهامة"، شبكة متقاطعة من أربع طبقات: سفينة تنزانية العلم تعمل بين اليمن والقرن الإفريقي، ومالك مسجل باسم "ثباب"، ومدير تجاري يحمل عنوانًا مصريًا قديمًا ويصعب تثبيت حضوره الحالي بين الإسكندرية ودولة عربية، ثم عقد ضغط في واشنطن يربط "ثباب" بالمقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح.

هذه الشبكة تفسر لماذا أصبحت سفينة صغيرة جزءًا من صراع أكبر بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وقوى مناهضة للحوثيين من جهة أخرى، لكنها لا تثبت أن طارق صالح يملك السفينة، ولا أن "تهامة" كانت تنقل سلاحًا، ما تثبته الوثائق هو وجود علاقة مالية وسياسية معلنة بين المالك المسجل والقوة اليمنية، وما لا تكشفه هو المالك المستفيد النهائي، والحساب الذي دفع أتعاب "BGR"، وطبيعة عمل "Blue Sea for Management Marine" اليوم، والحمولة التي كانت على ظهر السفينة ساعة الهجوم.

حق الرد وحدود الوصول

اتصلنا مرارًا بالأرقام المنشورة على الموقع القديم لـ"Blue Sea for Management Marine" من دون إجابة، وتواصلنا مع الشركة في الدولة العربية بذات الاسم القريب، فنفت أي علاقة بالكيان الذي يدير السفينة وقالت إن نشاطها يقتصر على صيانة المعدات البحرية، ولا يعد هذا النفي ردًا من "Blue Sea for Management Marine" نفسها.

ما كشفه الدخان

لم يكشف الهجوم ما كان داخل عنبر "تهامة"، لكنه كشف أن الاسم المسجل على بدن سفينة في باب المندب يمتد، عبر وثائق علنية، من رصيف المخا إلى مكاتب النفوذ في واشنطن، وبين المسارين، ظلت شركة الإدارة بعيدة عن متناول الاتصال العام، وظل المالك المستفيد خلف الاسم المسجل.

وهنا تقع النتيجة الأهم: لسنا أمام دليل على "سفينة عسكرية سرية"، ولا أمام خطأ عابر في قاعدة بيانات، نحن أمام بنية ملكية وإدارة، وعلاقة سياسية–مالية موثقة تستحق المساءلة، وحمولة ما تزال محل ادعاءين متناقضين، حتى تظهر بوليصة الشحن وسجل المالك المستفيد وردود الأطراف، سيبقى السؤال الذي تركته "تهامة" خلف دخانها مفتوحًا: ماذا كانت تحمل السفينة، ولصالح من كانت تعبر أخطر ممرات المنطقة؟

مصادر التحقيق  

  • ملف FARA الرسمي: BGR / Yemeni National Resistance، 4 فبراير 2025
  • بيان الهيئة العامة للاستعلامات المصرية عن نفي صلة مصر بالسفينة
  • رويترز: مقتل أفراد الطاقم والمنقذين وهجوم خليج عُمان في اليوم نفسه
  • بيانات "MagicPort" للسفينة TIHAMAH — IMO 1031329
  • قرار تعيين حامد غالب في المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، 8 نوفمبر 2021
  • إدارة معلومات الطاقة الأمريكية: الممرات الاستراتيجية وتدفقات باب المندب