محمد الشامي
لم تبدأ أزمة محمد الشامي في مطار روما، كما أنها لن تنتهي بمجرد معرفة المكان الذي يتواجد به المصارع المصري حاليًا أو ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية بشأن مغادرته بعثة منتخب مصر للمصارعة.
ما حدث في العاصمة الإيطالية أعاد إلى الواجهة ملفًا ظل يتكرر داخل المصارعة المصرية على مدار سنوات، بعدما غادر عدد من اللاعبين بعثات المنتخب أو قرروا الاستقرار خارج مصر واستكمال مسيرتهم الرياضية تحت أعلام دول أخرى.
محمد الشامي
كان أحدث الأسماء التي دخلت هذه الدائرة، بعدما شارك مع بعثة منتخب مصر للمصارعة في دورة ألعاب البحر المتوسط بمدينة تارانتو الإيطالية، قبل أن يغادر البعثة خلال رحلة العودة إلى القاهرة أثناء وجود الوفد في روما.
ولم تتوقف القضية عند اختفاء اللاعب، إذ بدأت وزارة الرياضة المصرية التحقيق في كيفية حدوث الواقعة، ومسؤولية أفراد البعثة عن متابعة اللاعبين خلال فترة الترانزيت، ما أدى إلى اتخاذ إجراءات بحق رئيس الوفد وإحالة الواقعة إلى الجهات المختصة.
لكن الجانب الأكثر إثارة في قصة الشامي لم يكن طريقة مغادرته للبعثة، وإنما ما قاله اللاعب نفسه عن الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار.
ففي رسالة نشرها عقب الواقعة، تحدث عن سنوات طويلة قضاها في المصارعة منذ أن بدأ ممارسة اللعبة وهو في السابعة من عمره، وعن الحلم الذي حمله منذ طفولته بتمثيل مصر وتحقيق الإنجازات في البطولات الدولية والوصول إلى الميدالية الأولمبية.
وتحدث اللاعب عن تغير نظرته للحياة مع تقدمه في العمر، مؤكدًا أنه أصبح يشعر بأنه لم يعد قادرًا على الاعتماد على والده كما كان من قبل، وأن الدعم الذي يحصل عليه لا يجعله، بحسب روايته، قادرًا على بناء حياة كريمة أو تأمين مستقبله بالشكل الذي يريده.
أكثر ما أثار الانتباه في حديث الشامي كان خوفه من المستقبل، وليس فقط رغبته في تحسين وضعه الحالي، كما تحدث عن احتمال تعرضه لإصابة قد تنهي مسيرته، وعن احتمال اعتزاله المصارعة في أي وقت، متسائلًا عما سيحدث له إذا توقف عن اللعب بعد كل السنوات التي قضاها في التدريب وتمثيل المنتخب.
وتفتح هذه النقطة بابًا واسعًا أمام أزمة يعاني منها عدد من لاعبي الألعاب الفردية في ظل غياب الدعم المادي والإعلامي والجماهيري، حيث تعد واقعة الشامي التاسعة للاعب مصارعة يغادر الوطن خلال 9 سنوات.
من محمد الشامي إلى زياد حجاج.. لماذا تتكرر الأزمة؟
المفارقة أن أزمة الشامي جاءت بعد واقعة أخرى داخل المصارعة المصرية بفترة قصيرة للغاية، بعدما غادر المصارع الشاب زياد حجاج بعثة منتخب مصر المشاركة في بطولة العالم للشباب في سلوفاكيا.
حجاج، الذي كان يبلغ 19 عامًا، اختفى من مقر إقامة البعثة خلال وجود المنتخب في البطولة، ما دفع المسؤولين إلى التحرك وإبلاغ الجهات المختصة ومتابعة مكان اللاعب.
ومع تزامن الواقعتين، أصبح من الصعب أن يمر الملف باعتباره حادثة فردية تخص لاعبًا واحدًا، خصوصًا أن تاريخ المصارعة المصرية يتضمن حالات سابقة للاعبين غادروا بعثات أو انتقلوا إلى دول أخرى، وبعضهم نجح لاحقًا في تمثيل منتخبات أجنبية وتحقيق إنجازات كبيرة معها.
واقعة زياد حجاج كانت لافتة أيضًا بسبب توقيتها، لأن المصارعة المصرية وجدت نفسها أمام أزمة ثانية في فترة زمنية قصيرة، في الوقت الذي كان المنتخب يشارك في بطولات دولية ويمثل مصر رسميًا.

لكن الشامي وحجاج ليسا أول اسمين يرتبطان بمثل هذه الأزمات، فخلال السنوات الماضية ظهرت حالات أخرى جعلت ظاهرة انتقال المصارعين المصريين إلى الخارج واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في الرياضة المصرية.
بعض هذه الحالات ارتبط بمغادرة بعثات رسمية، بينما ارتبط بعضها الآخر بخلافات مع الاتحاد أو بانتقال اللاعب إلى دولة أجنبية واستكمال مسيرته هناك.
من عامل في مطعم إلى بطل أوروبي
من أشهر القصص في هذا الملف قصة طارق عبدالسلام الذي غادر إلى بلغاريا، وهناك مر بظروف صعبة في بداية تجربته، واضطر للعمل في أحد المطاعم لتوفير احتياجاته، بينما كان يحاول في الوقت نفسه الحفاظ على حلمه الرياضي والاستمرار في ممارسة المصارعة.
ومع مرور الوقت، حصل اللاعب على الجنسية البلغارية وأصبح قادرًا على تمثيل المنتخب البلغاري، قبل أن يحقق إنجازًا كبيرًا عندما توج بذهبية بطولة أوروبا عام 2017.

قصة عبدالسلام اكتسبت شهرة واسعة لأنها حملت مفارقة شديدة الوضوح؛ اللاعب الذي كان يعمل في مطعم من أجل تأمين حياته أصبح بعد سنوات قليلة بطلًا أوروبيًا في المصارعة.
وبالنسبة إلى مصر، فإن هذه القصة تطرح سؤالًا مؤلمًا حول حجم المواهب التي يتم إعدادها محليًا ثم تستفيد منها دول أخرى، وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال تجربة عبدالسلام في الجانب المالي فقط، لأن انتقال أي لاعب إلى دولة أخرى قد يرتبط بعوامل عديدة، من بينها فرص التدريب والمنافسة.
بطل عالمي
أما إبراهيم غانم انتقل إلى فرنسا، وهناك واصل التدريب والمنافسة حتى حصل على الجنسية وأصبح مؤهلًا لتمثيل المنتخب الفرنسي، وبعد ذلك وصل إلى قمة اللعبة عندما توج ببطولة العالم باسم فرنسا.
ومن الحالات المختلفة في دوافعها قصة محمود فوزي، الذي دخل في أزمة مع اتحاد المصارعة المصري بعد استبعاده من المشاركة في دورة ألعاب البحر المتوسط عام 2018.
اللاعب كان يرى أنه يستحق الوجود ضمن المنتخب، بينما كان للاتحاد وجهة نظر مختلفة بشأن الاختيارات الفنية.
وبعد الأزمة، اتجه فوزي إلى الولايات المتحدة وبدأ إجراءات انتقاله إلى منظومة المصارعة الأمريكية، ثم أعلن عن استعداده لتمثيل المنتخب الأمريكي.
وتكشف هذه الواقعة أن الخلافات بين الرياضيين والاتحادات يمكن أن تكون سببًا في اتخاذ قرار الرحيل، حتى عندما لا يكون العامل الاقتصادي هو الدافع الوحيد أو الرئيسي.
المهم في قصة فوزي أن كل طرف كان يمتلك روايته، وهو أمر يتكرر في كثير من الأزمات الرياضية، اللاعب قد يرى أنه تعرض للظلم أو لم يحصل على التقدير الذي يستحقه، بينما يرى الاتحاد أن القرارات تم اتخاذها بناءً على معايير فنية أو إدارية.
كيشو البطل الأولمبي
في عام 2023، عاد الملف إلى الواجهة بقوة مع أحمد فؤاد بغدودة، الذي كان ضمن بعثة منتخب مصر المشاركة في بطولة إفريقيا للمصارعة في تونس.
اللاعب نجح في الحصول على الميدالية الفضية في وزن 63 كجم بالمصارعة الرومانية، لكنه بعد انتهاء مشاركته غادر مقر البعثة واتجه إلى فرنسا.
الحديث عن الأزمة لا يمكن أن يتوقف عند اللاعبين الذين غادروا البعثات، لأن شهادات الرياضيين الذين عاشوا داخل المنظومة نفسها تمثل جزءًا مهمًا من الصورة.
محمد كيشو، صاحب برونزية أولمبياد طوكيو 2020، تحدث عن تجربته وظروف الدعم والرعاية، وظهرت تصريحاته بالتزامن مع إعادة فتح ملف المصارعة.

أهمية حديث كيشو أنه بطل أولمبي بالفعل، أي أنه وصل إلى أعلى مستوى يمكن لأي مصارع أن يحلم به، وبالتالي فإن شكواه أو حديثه عن صعوبة بعض الظروف لا يمكن التعامل معه باعتباره صوت لاعب لم يحقق أي إنجاز.
وتحدث كيشو عن عدم حصوله على المستوى الذي كان ينتظره من الرعاية بعد البطولات، كما أشار إلى ظروف متعلقة بالتدريب والإمكانات.
الأرقام والرواتب.. الجانب الذي يصعب تجاهله
بالتزامن مع أزمة الشامي، ظهرت شهادات من لاعبين حول حجم الرواتب والدعم الذي يحصلون عليه بحسب تقرير صحفي، وكان من بينها حديث لاعب حقق مركزًا متقدمًا في أولمبياد باريس عن راتب شهري لا يتجاوز 9 آلاف جنيه، معتبرًا أن هذا المبلغ لا يكفي احتياجات الأسرة ومتطلبات الحياة، إلى جانب صعوبة توفير بعض الاحتياجات المرتبطة بالتدريب.
وظهرت أصوات من داخل لعبة المصارعة تطالب بالنظر إلى الأسباب وليس فقط إلى النتائج، حيث تحدثت البطلة المصرية سمر حمزة في تصريح إعلامي عن ضرورة معالجة جذور الأزمة.
وتضع هذه الرؤية المنظومة أمام معادلة واضحة، من الممكن تشديد الرقابة على البعثات، ومن الممكن الاحتفاظ بجوازات السفر وتشديد الإجراءات خلال السفر، لكن كل ذلك لن يمنع اللاعب من التفكير في الرحيل إذا كان مقتنعًا بأن حياته ومستقبله بعيدًا عن اللعبة أفضل.
كرم جابر، صاحب ذهبية أولمبياد أثينا 2004، دخل أيضًا على خط الأزمة وطالب بدعم لعبة المصارعة في تصريحات إعلامية ومنحها ما تحتاجه من إمكانات حتى تستعيد قوتها.
حديث جابر مهم لأنه يأتي من أحد أكثر اللاعبين ارتباطًا بتاريخ اللعبة في مصر، وهو يعرف بصورة مباشرة حجم السنوات التي يحتاجها المصارع للوصول إلى المستوى الأولمبي.
فالميدالية التي يحصل عليها اللاعب في دقائق فوق البساط تكون في الحقيقة نتيجة سنوات طويلة من العمل والتدريب والتضحيات التي تبدأ منذ الطفولة.
لماذا تصبح الألعاب الفردية أكثر عرضة لهذه الأزمة؟
هناك فارق كبير بين اقتصاد كرة القدم والرياضات الفردية، لاعب كرة القدم المحترف يمكن أن يحصل على عقد سنوي كبير، ويستفيد من الرعاية والإعلانات وحقوق الصور والانتقالات، بينما يعتمد كثير من لاعبي الألعاب الفردية على الدعم من الاتحادات أو مكافآت البطولات وبرامج الإعداد.
وهنا يظهر عامل آخر لا يقل أهمية عن المال، وهو المستقبل بعد الاعتزال، اللاعب قد يحصل على دعم جيد خلال فترة وجوده في المنتخب، لكنه يريد أن يعرف ماذا سيحدث عندما يبلغ سن الثلاثين أو الخامسة والثلاثين.
هل يستطيع العمل كمدرب؟ هل يمكنه الحصول على وظيفة في النادي أو الاتحاد؟ هل توجد برامج لتأهيل الرياضيين للعمل بعد الاعتزال؟
وهل يوجد تأمين حقيقي ضد الإصابات التي يمكن أن تنهي المسيرة مبكرًا؟ هذه الأسئلة إذا لم تجد إجابات واضحة، فإن اللاعب قد يبدأ في البحث عنها بنفسه.
محمد الشامي ليس بالضرورة بداية القصة، وربما لن يكون آخر اسم فيها إذا لم تتم معالجة الأسباب التي تجعل بعض اللاعبين يفكرون في الرحيل.
المصارعة المصرية تفقد أبطالها
طارق عبدالسلام
مصر → بلغاريا.
غادر مصر: 2016.
الإنجاز: بطل أوروبا 2017 مع بلغاريا، وسبق له تحقيق إنجازات قارية ودولية مع مصر.
أحمد حسن «بوشا»
مصر → المجر.
غادر بعثة منتخب الشباب: 2017.
الإنجاز: واصل مسيرته في المجر وحصل على الجنسية المجرية.
إبراهيم غانم «الونش»
مصر → فرنسا.
غادر مصر: 2017.
الإنجاز: بطل العالم 2023 في المصارعة الرومانية مع فرنسا بوزن 72 كجم.
محمود فوزي
مصر → الولايات المتحدة.
انتقل إلى أمريكا: 2018.
الإنجاز: بطل أفريقيا عدة مرات، وشارك مع مصر في أولمبياد ريو 2016، ثم واصل مسيرته مع الولايات المتحدة.
محمد عصام فتحي
مصر → الولايات المتحدة.
غادر بعثة منتخب الناشئين: 2022.
الإنجاز: شارك في بطولة العالم للناشئين بإيطاليا ووصل إلى الدور ربع النهائي.
أحمد فؤاد بغدودة
مصر → فرنسا.
غادر بعثة مصر: 2023.
الإنجاز: صاحب الميدالية الفضية في بطولة أفريقيا للمصارعة الرومانية بوزن 63 كجم.
سيف شكري الكومي
مصر → إيطاليا.
غادر معسكر المنتخب: 2023.
الإنجاز: أحد لاعبي منتخب مصر للمصارعة، وارتبطت قصته بحديث أسرته عن الظروف المالية التي كان يعيشها.
زياد حجاج
مصر → سلوفاكيا.
غادر بعثة مصر: أغسطس 2026.
الإنجاز: بطل أفريقيا تحت 20 عامًا في وزن 61 كجم بالمصارعة الحرة.
محمد الشامي
مصر → إيطاليا.
غادر بعثة مصر: أغسطس 2026 خلال الترانزيت في روما.
الإنجاز: شارك مع منتخب مصر في بطولات قارية ودولية، وكان ضمن بعثة مصر في دورة ألعاب البحر المتوسط 2026.
وبينما تحدد النيابة والجهات الرياضية مسؤولية كل طرف في الوقائع الأخيرة، يبقى السؤال الأكبر معلقًا أمام اتحاد المصارعة ووزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية: هل المطلوب فقط منع المصارع من مغادرة البعثة، أم بناء منظومة تجعله لا يريد مغادرتها من الأساس؟.
اقرأ أيضًا
شهادة طبية تثير القلق.. جوليان ألفاريز يعاني من الاكتئاب وسط أزمته مع أتلتيكو