الأحد، 30 أغسطس 2026

06:12 م

الفنجان فيه "سم قاتل".. سوق خفية تبيع نوى البلح في أكياس البن (تحقيق)

 نوى البلح يُفسد المزاج _ صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

نوى البلح يُفسد المزاج _ صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يدفع الزبون ثمن فنجان من البن، بينما لا يدري أن ما بين يديه قد لا يكون سوى نصف ما بداخله.. خلف اللون الداكن والرائحة التي تخدع الحواس، يمكن لكيلو واحد من "الخلطة" التي لا تحمل طعم القهوة أن يتحول إلى كيلوين من منتج يُباع على أنه بُن، بعد مزجه بكيلو من البن الحقيقي.

بيع نوي البلح في أكياس البن
 خلف اللون الداكن منتج يُباع على أنه بن

لم نصل إلى هذه المعادلة داخل معمل، ولم نستنتجها من فروق الأسعار، بل شرحها لنا صاحب مصنع في منطقة البراجيل بنفسه خلال مكالمة وثقها "تليجراف مصر".

كان يعرض قائمة من المنتجات تبدأ أسعارها من 45 جنيهًا للكيلو، وعندما سألناه عن نوعية البن، قال لنا “كسر بُن”، ثم سألناه إن كانت تصلح للعمل في الكافيهات، فجاء رده واثقًا: "آه طبعًا، هيبقى كويس معاك في الشغل"، قبل أن يترك وراءه العبارة التي كشفت حقيقة ما يبيعه: "بس لازم يخش عليه بن".

بيع نوي البلح في أكياس البن 3
سعر كيلو كسر البن 45 جنيهًا

المنتج الذي يُعرض داخل سوق القهوة لا يحمل طعم البن في الأصل، ولا يكتمل حضوره إلا بإضافة البن إليه حتى يصبح مذاقه ورائحته مقنعين، وبحسب البائع، تبدو "الخلطة" جيدة في الشكل والقوام، قبل أن تُمزج مع البن بنسبة "كيلو إلى كيلو".

في هذه المعادلة، يدخل كيلو مجهول التفاصيل ثمنه 45 جنيهًا إلى كل كيلو من البن الحقيقي، قبل أن يختلط الاثنان داخل مسحوق داكن لا يتيح للمستهلك معرفة ما دفع ثمنه أو ما وصل إلى فنجانه.

 يدخل كيلو مجهول التفاصيل ثمنه 45 جنيهًا إلى كل كيلو من البن الحقيقي، قبل أن يختلط الاثنان داخل مسحوق داكن لا يتيح للمستهلك معرفة ما دفع ثمنه أو ما وصل إلى فنجانه

لم تكن هذه الخلطة الأرخص مما عثرنا عليه؛ إذ خلال تتبع عروض البيع على مواقع التواصل الاجتماعي، أقر بائع يُدعى معاذ عبد الله عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك” بأنه يعرض نوى البلح بعد تحميصه وطحنه مقابل 35 جنيهًا للكيلو، وهي الخامة نفسها التي أعلنت أجهزة الرقابة، قبل أسابيع، ضبط استخدامها مع البسلة وكميات محدودة من البن داخل مصنع غير مرخص، كان يعبّئ الخليط في أغلفة تحمل أسماء علامات تجارية معروفة.

هكذا بدأت رحلة "تليجراف مصر" داخل سوق لا يراها مستهلك القهوة: مصانع تعرض كسر الحبوب وفائض التصنيع على الموزعين والكافيهات، وخامات نباتية تُحمص وتُطحن حتى يصعب تمييزها، وقطاع غير رسمي يعترف ممثلو صناعة البن بأن الرقابة لا تستطيع تغطيته بالكامل.

لم يعد السؤال: لماذا يُباع بعض البن بسعر رخيص؟ بل: كم تبقى من البن فعلًا داخل الفنجان الذي يدفع المستهلك ثمنه كاملًا؟

رئيس شعبة البن بالغرفة التجارية بالقاهرة، حسن فوزي، قال إن السعر المتداول لكيلو البن السادة يدور حول 520 جنيهًا، بينما يصل البن المحوج إلى نحو 680 جنيهًا، وهو ما يجعل سعر "الخلطة" المعروضة تقل عن السعر الذي حدده ممثل الشعبة للبن السادة بأكثر من 90 في المئة.

من هذه المكالمة بدأ "تليجراف مصر" تتبع سوقًا لا يراه المستهلك حين يقف أمام المطحنة أو يحتسي كوبًا من القهوة في أحد المقاهي: مصانع تعرض كسر الحبوب وفائض التصنيع على التجار والموزعين، وبائع يطرح نوى البلح بعد تحميصه وطحنه، في وقت تكشف فيه ضبطية رسمية حديثة استخدام المادة نفسها في غش البن، وسط قطاع غير رسمي تعترف شعبة البن بأن الرقابة لا تغطّيه بالكامل.

رئيس شعبة البن، حسن فوزي
 رئيس شعبة البن بالغرفة التجارية بالقاهرة، حسن فوزي

اعتمد التحقيق على التواصل مع أصحاب ومسؤولي ثلاثة مصانع، ورصد عروض بيع على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلًا عن مقابلات مع رئيسي شعبتي البن في القاهرة والإسكندرية، ومتخصصة في التغذية العلاجية.

وثّق "تليجراف مصر" المكالمات والمحادثات بتسجيلات صوتية ولقطات شاشة، تضمنت إقرارات مباشرة بطبيعة بعض الخامات المعروضة وأسعارها وكيفية خلطها، ولذلك يستند إثبات واقعة عرض "كسر البن" ونوى البلح إلى أقوال البائعين أنفسهم، لا إلى استنتاج من السعر أو الشكل، ونحتفظ بعدم نشر أسماء علامات تجارية بعينها، لعدم ربط عبوة تجارية محددة بهذه الخلطات ربطًا موثقًا، بينما طال الغش بعض أشهر العلامات التجارية.

وثّق "تليجراف مصر" المكالمات والمحادثات بتسجيلات صوتية ولقطات شاشة، تضمنت إقرارات مباشرة بطبيعة بعض الخامات المعروضة وأسعارها وكيفية خلطها


من "فائض المصنع" إلى خلطة رخيصة

قال صاحب مصنع البراجيل إن انخفاض سعر "الخلطة" يرجع إلى تصنيعها من فائض مصانع البن، وبذلك تتحول الحبوب المكسورة وبقايا عمليات الفرز والتصنيع من مخلفات منخفضة القيمة إلى مكوّن يمكن تمديد البن به وخفض تكلفة الكيلو النهائي.

في مصنع آخر، حصلنا على وصف أكثر تفصيلًا للمنتج نفسه؛ إذ قال صاحبه إن "كسر البن" لا يُطرح عادةً للمستهلك بصورة مباشرة، وإنما يُوجَّه إلى التجار والموزعين، موضحًا أنه يضم حبوبًا مكسورة وفارغة بنسبة تصل إلى 40 في المئة، ثم يُخلط بالبن و"مُحسّنات" لم يحدد طبيعتها.

بيع نوي البلح في أكياس البن 10
كسر البن  يُوجَّه إلى التجار والموزعين

هذه النسبة لا تعني أن كل منتج يحمل اسم "كسر بن" مغشوش تلقائيًا؛ فالحبوب المكسورة قد تظل في أصلها بنًا، لكن المشكلة تبدأ عندما يُستخدم منتج منخفض الجودة أو خليط غير معلن لزيادة الكمية، ثم يُباع الناتج للمستهلك باعتباره بنًا خالصًا أو مطابقًا لدرجة جودة أعلى من حقيقته.

تزداد دلالة ما قاله أصحاب المصانع عند مقارنة مسار البيع؛ فالمنتج الذي يفتقد الطعم لا يتجه إلى مستهلك يعرف مكوناته ويختاره باسمه، بل يُسوَّق أساسًا إلى موزعين وكافيهات؛ حيث يُمزج بـ"بن" حقيقي قبل تقديمه في صورة نهائية لا تتيح لمَن يشربها معرفة نسب الخلط أو مصدر الخام؛ بهدف تحقيق أعلى مكاسب للأطراف المتشاركة.


التاجر المحتمل يفتح باب الأسعار

في شبرا الخيمة، تواصلنا مع صاحب مصنع آخر، وقدّم محرر "تليجراف مصر" نفسه بوصفه راغبًا في توزيع البن، عندها عرض صاحب المصنع قائمة أصناف تبدأ من 170 جنيهًا وتصل إلى 340 جنيهًا للكيلو، بحسب النوع والجودة التي وصفها.

وقال إن صنفي "مطحنجي" و"روبوستا" هما الأكثر طلبًا، وإن شراء كميات كبيرة يسمح بخفض السعر، مع إتاحة تذوق المنتج قبل إتمام الصفقة.

نوي البلح داخل أكياس البن
شراء كميات كبيرة من المنتجات يسمح بخفض السعر

لم يقرّ صاحب هذا المصنع بإضافة مواد غريبة، لكنه كشف عن طبقات سعرية واسعة داخل سوق الجملة، تبدأ من أسعار تقل كثيرًا عن متوسطات البن التي أعلنتها الشعبة، وتمتد في مصنع البراجيل إلى "خلطة" لا تُخفي حاجتها إلى البن الحقيقي حتى تكتسب مذاقه.

يقول رئيس شعبة البن بالقاهرة، إن السعر المنخفض بصورة غير منطقية يجب أن يكون أول إنذار للمستهلك؛ فإذا كان البن السادة يُباع بنحو 520 جنيهًا للكيلو، فإن عرض الكيلو بـ250 جنيهًا يثير، بحسبه، شبهة قوية بشأن الجودة أو المكونات، وإن كان إثبات الغش قانونيًا يظل مرهونًا بفحص المنتج وتحليله.

إذا كان البن السادة يُباع بنحو 520 جنيهًا للكيلو، فإن عرض الكيلو بـ250 جنيهًا يثير، بحسبه، شبهة قوية بشأن الجودة أو المكونات

حسن فوزي 
رئيس شعبة البن بغرفة القاهرة التجارية 

نوى البلح بـ35 جنيهًا للكيلو

خلال رصد عروض البيع على مواقع التواصل الاجتماعي، عثر "تليجراف مصر" على إعلان يعرض بنًا خامًا داكن اللون بعد تحميصه وطحنه، وعندما تواصلنا مع صاحب الإعلان للتأكد من طبيعته، أقرّ بشكل صريح بأن المعروض هو "نوى بلح محمص ومطحون"، محددًا سعر الكيلو بـ35 جنيهًا.

WhatsApp Image 2026-08-30 at 1.53.52 PM
تاجر يعرض نوى البلح المحمص لخلطه ليتحول إلى بن 

لا يحتاج إثبات ماهية الخام الذي عرضه هذا البائع إلى تحليل معملي، فهو نفسه أقرّ بأنه نوى بلح، كما وُثّقت المحادثات معه عبر تطبيق واتساب، وتتماشى تلك المحادثات مع ما ضبطته أجهزة الرقابة بالفعل داخل مصنع غير مرخص، استخدم نوى البلح في إنتاج خليط عُبئ وبِيْعَ على أنه بُن.

بيع نوي البلح في أكياس البن 8
سعر كيلو نوى البلح محمص ومطحون 35 جنيهًا

في يوليو 2026، أعلنت حملة تموينية في الفيوم ضبط مصنع غير مرخص يستخدم نوى البلح والبسلة ومكونات أخرى، ويخلطها بكميات محدودة من البن قبل تعبئتها داخل أغلفة تحمل أسماء علامات تجارية معروفة.
 

أظهرت التغطية المنشورة للحملة العثور على نحو طنين من الخامات والمنتجات، إلى جانب معدات التعبئة والتغليف وعبوات تحمل أسماء تجارية.
 

مصطفي الشيخ رئيس شعبة البن
 رئيس شعبة البن في الإسكندرية مصطفى الشيخ

قال رئيس شعبة مطاحن وتجار البن بالغرفة التجارية بالإسكندرية، مصطفى الشيخ، إن الشعبة تلقت شكاوى من مطاحن ومستهلكين، وإن إحدى الضبطيات كشفت عن وجود قرابة ثلاثة آلاف كيلوجرام من نوى البلح والبسلة داخل موقع مخالف، قبل اتخاذ الإجراءات القانونية وإغلاقه.

تختلف تقديرات حجم المضبوطات بين ما ذكره “الشيخ” وما ورد في التغطيات المنشورة للحملة، لكنها تتفق على جوهر الواقعة: وجود منشأة غير مرخصة تستخدم نوى البلح والبسلة مع قدر محدود من البن، ثم تُعبّئ الخليط بأسماء تجارية لا تكشف حقيقته.

ضبطية نوي البلح
إحدى الضبطيات كشفت عن وجود قرابة ثلاثة آلاف كيلوجرام من نوى البلح

هنا يتحول نوى البلح من احتمال نظري إلى مادة سبق ضبط استخدامها في منتج طُرح باعتباره بنًا؛ وهي الحلقة التي لم يقدمها الإعلان الإلكتروني منفردًا، لكنها ظهرت داخل المصنع المضبوط.

عبوات شهيرة وسعر لا يفسر نفسه

قادنا الرصد إلى بائع يعرض منتجًا يحمل اسم واحدة من شركات البن المعروفة في المنطقة بسعر 800 جنيه للكيلو، وعند مقارنة السعر بما يُباع به المنتج في الكويت، أفاد مصدر مقيم هناك بأن سعره يبلغ 7.4 دينار كويتي، بما يعادل قرابة 1200 جنيه مصري وفق سعر الصرف وقت المقارنة.

بيع نوي البلح في أكياس البن 6
 منتج يحمل اسم واحدة من شركات البن المعروفة في المنطقة بسعر 800 جنيه للكيلو

يثير الفارق السعري سؤالًا مشروعًا عن مصدر المنتج ومسار توريده، لكنه لا يمثل وحده دليلًا على الغش أو التقليد؛ فقد تتغير الأسعار بسبب العروض، تكاليف الاستيراد، والضرائب، وهوامش التجارة، وتوقيت الشراء.

بيع نوي البلح في أكياس البن 9
 سعر المنتج في الكويت يبلغ 7.4 دينار كويتي

لكن واقعة مصنع الفيوم تكشف أن استخدام عبوات تحمل أسماء علامات معروفة ليس احتمالًا بعيدًا؛ فقد ارتبطت الضبطية نفسها، وفق ما نُشر عنها، بوجود أغلفة مدون عليها أسماء شركات وعلامات تجارية، جاهزة لاستقبال خليط من البن والبسلة ونوى البلح.

image
بن العميد والعرب والباشا.. أشهر العلامات التجارية في عالم البن لم تسلم من التقليد 

تاجر يُعلن في مجموعة عبر صفحات الفيسبوك عن بيعه نوى بلح محمصًا مع خلطة لتتحول إلى بن 

ماذا يسمح به اسم "بن"؟

تضع الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة المواصفة الإلزامية رقم 517-1 لسنة 2014 لمنتجات البن، وتشمل حبوب البن المحمص الكامل والبن المجروش والمطحون وسريع الذوبان ومنزوع الكافيين، وخضوع المنتج للمواصفة يعني أن اسمه وتركيبه وبياناته ليست مساحة مفتوحة للمُصنّع يملؤها بما يشاء.

الهيئة-المصرية-العامة-للمواصفات-والجودة
الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة

رئيس شعبة البن بالقاهرة قال إن الإضافة المسموح بها داخل البن، وفق ما تعمل به المطاحن، هي الحبهان، شريطة أن يُكتب على العبوة بوضوح "بن محوج"، معتبرًا أن إضافة مواد أخرى إلى منتج يُباع باعتباره بنًا من دون إعلان تمثل غشًا تجاريًا.

في المقابل، يرى رئيس شعبة البن بالإسكندرية أن بعض الإضافات الطبيعية، مثل القرنفل وجوزة الطيب وورق اللوري والجينسينج، قد تدخل ضمن "التحويجة" التي يطلبها المستهلك.

ويكشف اختلاف التفسيرين بين ممثلي القطاع أهمية الإفصاح الدقيق على العبوة والرجوع إلى المواصفة والجهة الرقابية، بدل ترك ماهية "التحويجة" لاجتهاد المصنع أو البائع.

الخط الفاصل لا يتعلق فقط بكون المادة نباتية أو قابلة للأكل، بل بما إذا كان المستهلك يعرف بوجودها ووافق على شراء الخليط باسمه الحقيقي، أم دفع ثمن بن خالص وحصل على منتج مُمدد بخامات أرخص.

2026-639194657986261415-626
قانون قمع التدليس يجرّم غش أغذية الإنسان

يجرّم قانون قمع التدليس والغش رقم 48 لسنة 1941، المعدل بالقانون رقم 281 لسنة 1994، غش أغذية الإنسان أو عرضها وبيعها مع العلم بذلك، كما يجرّم تصنيع أو طرح المواد والأغلفة المعدة للاستخدام في الغش، وتتغلظ العقوبة عندما تكون الأغذية أو المواد المستخدمة ضارة بصحة الإنسان.

سوق رسمي وآخر "تحت السلم"

يصر حسن فوزي على أن الغش لا يمثل الصورة العامة لسوق البن في مصر، ويفصل بين التجار والمصانع المرخصة وبين منشآت "بير السلم" التي تعمل بعيدًا عن الرقابة.

ويقول إن صاحب السجل التجاري والعلامة المعروفة يتعامل مع سمعته باعتبارها أصلًا لا يغامر به، كما أن الغش يعرّضه للملاحقة القانونية، أما الحالات التي تستخدم البسلة أو نوى البلح، يصفها بأنها ممارسات فردية تضبطها الأجهزة الرقابية، ولا يجوز تعميمها على القطاع كله.

-مستوردين-البن-فى-مصر-e1606241383962
 مصر تستورد احتياجاتها من البن كاملة لعدم زراعته محليًا

بحسب فوزي، تستورد مصر احتياجاتها من البن كاملة لعدم زراعته محليًا، ويبلغ الاستهلاك السنوي قرابة 80 ألف طن، وتأتي مناشئه الأساسية من إندونيسيا والبرازيل وفيتنام والهند وكولومبيا وإثيوبيا.

لكن مصطفى الشيخ يقدم صورة أكثر قلقًا عن القطاع غير الرسمي؛ إذ يقول إن أغلبية الفئة غير الملتزمة داخله تلجأ إلى ممارسات غش، موضحًا أن تقديره لا يشمل كل العاملين خارج المنظومة الرسمية؛ إذ توجد شريحة صغيرة تعمل من دون ترخيص ولا تغش المنتج، بعدما منعتها تكاليف وإجراءات الترخيص التي قد تصل، بحسبه، إلى ما بين 120 و150 ألف جنيه.

يبلغ الاستهلاك السنوي قرابة 80 ألف طن، تأتي مناشئه الأساسية من إندونيسيا والبرازيل وفيتنام والهند وكولومبيا وإثيوبيا

ومع ذلك، يعترف الشيخ بأن الرقابة الحالية غير كافية لتغطية الرقعة الجغرافية واتساع عدد المنشآت، مطالبًا بدعم الهيئة القومية لسلامة الغذاء وجهاز حماية المستهلك بكوادر فنية وإمكانات أوسع.

وقال فوزي إن شعبة البن ناقشت الملف في اجتماع حضره مسؤول من وزارة التموين، إلى جانب مستوردين وتجار وموزعين، وإن المسؤول أكد استمرار الحملات التفتيشية على المطاحن والمصانع وتطبيق الإجراءات القانونية على المنشآت المخالفة.

وزارة-التموينjpg
 وزارة التموين تؤكد استمرار الحملات التفتيشية

ودعا مَن يشتبه في منتج إلى إبلاغ وزارة التموين بدل الاكتفاء بنشر الشكوى على مواقع التواصل، وبين تأكيد “فوزي” أن الظاهرة محدودة، وتحذير “الشيخ” من اتساعها داخل القطاع غير الرسمي، تقف وقائع السوق التي وثقها التحقيق: منتج بـ 45 جنيهًا يحتاج إلى البن حتى يصبح له طعم، وكسر حبوب فارغة يُعرض للموزعين، ونوى بلح مطحون بـ 35 جنيهًا، وضبطية حديثة أثبتت جمع هذه المكونات داخل مصنع يُعبّئها تحت أسماء تجارية معروفة.

هل يستطيع المستهلك اكتشاف الغش؟

يراهن ممثلو القطاع على خبرة مستهلك القهوة؛ إذ يقول فوزي إن الرائحة والطعم والملمس يمكن أن تثير الشك في المنتج، وينصح بالشراء من محل موثوق، والتأكد من وجود العلامة التجارية وتاريخي الإنتاج والانتهاء، ومدة الصلاحية، ورقم المواصفة على العبوة.

ويرى الشيخ أن الفارق الكبير في السعر يساعد المستهلك على الابتعاد عن المنتجات المجهولة التي تُباع على الأرصفة؛ إذ قد يُعرض ربع الكيلو منها بـ50 أو 60 أو 70 جنيهًا، مقابل أكثر من 250 أو 300 جنيه لوزن مماثل من بعض الأصناف الأصلية الأعلى سعرًا.

لكن مدرس مساعد الروماتيزم وآلام المفاصل والتغذية العلاجية، الدكتورة نورهان مصطفى، تحذر من اعتبار الحواس أو الاختبارات المنزلية دليلًا حاسمًا؛ فبعد التحميص والطحن، تتشابه ألوان مواد نباتية كثيرة مع البن، وقد يصعب اكتشاف الشعير أو الذرة أو الدقيق أو الهندباء وغيرها داخل المسحوق الداكن.

الدكتورة نورهان مصطفي
مدرس مساعد الروماتيزم وآلام المفاصل والتغذية العلاجية، الدكتورة نورهان مصطفى

وتقول إن الطرق المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي قد تمنح المستهلك مؤشرًا أوليًا فقط، لكن إثبات نوع المادة المضافة ونسبتها يحتاج إلى تحليل معملي متخصص، باستخدام تقنيات من بينها الكروماتوجرافيا.

وهكذا، قد يعرف المستهلك أن السعر غير منطقي، أو يلاحظ ضعف الرائحة والطعم، لكنه لا يستطيع من داخل منزله تحديد ما إذا كان المسحوق يحتوي على كسر حبوب أو دقيق أو بسلة أو نوى بلح، ولا النسبة التي أضيفت منه.

الخطر ليس في كل إضافة.. بل في المصدر والإخفاء

لا يعني وجود مادة نباتية بديلة أن المنتج سام بالضرورة، وتؤكد نورهان مصطفى أن الخطر الصحي لا ينشأ من كل الإضافات في ذاتها، وإنما من استخدام خامات رديئة أو ملوثة، أو سوء التخزين والتصنيع، فضلًا عن إخفاء المكونات عن المستهلك وحرمانه من معرفة ما يتناوله.

وتزداد المخاطر عندما تتعرض الحبوب أو المواد النباتية للرطوبة خلال الزراعة أو النقل أو التخزين؛ إذ يمكن أن تنمو الفطريات وتنتج سمومًا فطرية، من بينها "الأوكراتوكسين A"، الذي قد يلوث حبوب البن نفسها أو الخامات المخزنة في ظروف غير ملائمة.

وتوضح منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن وجود هذا السُم لا يمكن اكتشافه دائمًا بالنظر أو التذوق؛ فقد تحمل حبوبٌ لا يبدو عليها العفن آثارًا منه، كما أن إزالة العفن الظاهر لا تعني اختفاء نواتجه.

الأوكراتوكسين
سُّمّالأوكراتوكسين A” الفطري

تختلف الخطورة باختلاف مستوى التلوث ومدة التعرض، ولا تعني مجرد احتمالية وجوده حدوث ضرر فوري لكل من تناول المنتج.

بحسب مصطفى، قد تؤثر بعض السموم الفطرية، عند تجاوز الحدود الآمنة وتكرار التعرض، في الكلى أو الجهاز المناعي، ولا تضمن عملية التحميص التخلص الكامل منها؛ إذ وجدت دراسة منشورة ومفهرسة في قاعدة "PubMed" انخفاضًا محدودًا فقط في مستوى "الأوكراتوكسين A" بعد تحميص حبوب ملوثة، ورصدت انتقاله إلى مشروب القهوة، ما يجعل جودة الخام وسلامة التخزين والاختبارات المعملية عناصر أكثر أهمية من لون المنتج أو قوة رائحته.

مَن يدفع ثمن الكيلو الرخيص؟

في بداية التتبع، بدا فارق السعر بابًا لفهم السوق: كيلو من البن يقول ممثل الشعبة إن ثمنه يتجاوز 500 جنيه، وفي الجهة الأخرى "خلطة" بـ45 جنيهًا ونوى بلح مطحون بـ35 جنيهًا، وبين السعرين مساحة ربح واسعة تكفي لتفسير إغراء الخلط، لكنها لا تكشف وحدها عدد الأكواب التي وصلت إليها هذه المكونات.

736592787_1034242995615168_6568905584282942296_n
مطحن يقلد العلامات الشهيرة باستخدام نوى البلح والبسلة 

ما يثبته التحقيق هو وجود سوق تعرض خامات ومنتجات منخفضة القيمة للموزعين والكافيهات، وإقرار بائع بأن خلطته لا تحمل طعم البن وتحتاج إلى مزجها به بنسبة كيلو إلى كيلو، ووصف مصنع آخر لمنتج تصل فيه الحبوب المكسورة والفارغة إلى 40 في المئة، إلى جانب ضبطية رسمية أثبتت استخدام نوى البلح والبسلة في تصنيع منتج عُبِّئ بأسماء تجارية معروفة.

لهذا لا يدفع المستهلك ثمن الغش من ماله فقط عندما يشتري خامات رخيصة بسعر البن، بل يدفع من حقه في المعرفة والاختيار، وقد يدفع من صحته إذا كانت المواد المستخدمة ملوثة أو سيئة التخزين.

يبقى الفنجان داكنًا بما يكفي لإخفاء مكوناته، لكن العبارة التي قالها صاحب المصنع كانت أكثر وضوحًا من لون القهوة نفسها: "لازم يخش عليه بن".

اقرأ أيضًا: 

حسابات الألعاب.. سوق خفية بملايين الجنيهات خلف الشاشات

تحصيل أقساط التمويل الاستهلاكي.. "زنّ" بالليل و"بلطجة" طول النهار

تابعونا على