السبت، 30 مايو 2026

08:39 م

عندما تتحول "الكرة" إلى "كراهية"!

في كرة القدم، من الطبيعي أن نختلف، وأن نتجادل وأن ينحاز كل منا إلى الفريق الذي يشجعه، وأن ننفعل أحياناً لكن دون تشنج أو إساءة..

من حق مشجع الزمالك أن يغضب إذا شعر أن فريقه لم يحصل على التقدير الذي يستحقه، ومن حق مشجع الأهلي أن يدافع عن وجهة نظر مختلفة، ومن حق أي مشجع أن ينتقد اختيارات مدرب المنتخب أو أداء لاعب أو قرار حكم، لكن ما يحدث حالياً يتجاوز حدود الغضب الرياضي إلى شيء آخر أكثر خطورة.

خلال الأيام الماضية، تحولت مناقشات تتعلق بقائمة منتخب مصر إلى موجة واسعة من الاتهامات والتحريض والتشكيك، وكأن المنتخب أصبح خصماً لجمهور من المفترض أنه يشجعه ويفرح بانتصاراته.

المشكلة الحقيقية ليست في ثلاثة لاعبين أو خمسة، وليست في قرار مدرب قد يصيب أو يخطئ..

المشكلة أن هناك من اكتشف منذ سنوات أن الغضب يحقق مشاهدات أكثر من العقل، وأن الاستفزاز يجلب التفاعل أكثر من التحليل، وأن إشعال الخلاف بين الجماهير أكثر ربحاً من تهدئته!

لاعبون سابقون، وإعلاميون، ومؤثرون على منصات التواصل، أدركوا هذه الحقيقة مبكراً، بعضهم لا يبيع المعلومة بقدر ما يبيع الانفعال، ولا يقدم تحليلاً بقدر ما يقدم وقوداً جديداً لمعركة لا تنتهي!

كل تصريح يحولونه إلى مؤامرة، وكل قرار يصبح استهدافاً، وكل خسارة تتحول إلى قضية رأي عام، وكل نجاح للفريق المنافس يصبح سبباً جديداً للغضب، وأنا أعرف عن قرب عدداً منهم وأدرك تماماً أنهم لا يهمهم نادٍ أو منتخب بقدر ما يهمهم حصد آلاف من اللايكات والتعليقات حتى لو كانت مسبات لهم شخصياً!

المؤسف أن هذه الرسائل تجد جمهوراً مستعداً لتلقيها، ليس لأن الجماهير بطبيعتها متعصبة، بل لأن الناس تعيش أصلاً تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية هائلة. 

وحين يعود الإنسان متعباً من يومه، مثقلاً بمشكلاته وهمومه، يصبح أكثر قابلية للانفعال وأكثر استعداداً للبحث عن طرف يحمّله مسؤولية غضبه، وهنا تصبح كرة القدم مجرد وعاء يحمل مشاعر أكبر بكثير من مجرد مباراة أو بطولة.

لكن يبقى السؤال: ماذا يحدث عندما يتحول المنتخب نفسه إلى ساحة للصراع؟
المنتخب ليس نادياً، فهو لا يمثل الأهلي ولا الزمالك ولا أي فريق آخر، لكنه المساحة القليلة التي يفترض أن يجتمع عندها الجميع خلف قميص واحد وعلم واحد ونشيد واحد.

يمكن أن نختلف مع المدرب، وأن ننتقد اختياراته، وأن نطالب بضم هذا اللاعب أو استبعاد ذاك، لكن تحويل الخلاف الفني إلى حالة من الكراهية والتحريض لا يخدم منتخباً ولا نادياً ولا كرة قدم.

ربما يخطئ حسام حسن في اختياراته، وربما يثبت الزمن صحة قراراته، لكن المؤكد أن أخطر ما يواجه الرياضة المصرية اليوم ليس قائمة منتخب أو نتيجة مباراة، بل ثقافة كاملة تقوم على صناعة الغضب وتسويق التعصب وتحويل الجماهير إلى معسكرات متحاربة.
الكرة في النهاية لعبة، أما الكراهية، فليست كذلك أبداً، لذا استقيموا يرحمكم الله..

اقرأ أيضًا:

فرصة نادرة لاستعادة الروح

search