ليست مجرد لحظة غضب!
ليست مجرد مشاجرة داخل كمبوند راقٍ، أو لحظة غضب عابرة بين ساكن وموظف، فما حدث كان مشهدًا صادمًا يعكس ثقافة خطيرة، وهي أن بعض الناس يظنون أن المال يمنحهم حق إهانة غيرهم!
مالك ثري ينهال بالضرب على فرد أمن بسيط لأسباب لا يمكن أن يقتنع بها إنسان حسبما ساقها ذووه ومحاميه، فإذا أخطأ موظف، هناك إدارة، وإذا حدث خلاف، لدينا قانون، لكن أن يتحوّل الخلاف إلى صفعة، والاعتراض إلى إهانة، فهذا ليس "غضبًا" .. هذا شعور متجذر بالاستعلاء!
التجبُّر هو أن ترى من يقف أمامك أقل قيمة، وأن تعتبره مجرد زيّ رسمي بلا كرامة، وأن تتعامل معه كجزء من الديكور الأمني الذي يمكن كسره إذا أزعجك.
المفارقة أن الكمبوندات المغلقة يقصدها قاطنوها بحثًا عن الأمان، لكن ماذا يعني الأمان إذا كان أول ما يُكسر داخلها هو كرامة إنسان يؤدي عمله؟
المشهد لم يغضبني لأن الضحية "فرد أمن" بسيط، بل لأنه رمز لوظيفة يومية يتعرض أصحابها للاحتكاك الدائم مع مزاج المجتمع.
فرد الأمن هو من يطلب منك بطاقة، هو من يمنعك من الدخول دون تصريح، هو من يذكّرك بأن هناك قواعد، والبعض لا يحتمل هذا!
في ثقافة مختلّة، يظن بعض الأثرياء أن المال يشتري الصمت، ويشتري التنازل، ويشتري الكرامة أيضاً، لكن الكرامة لا تُشترى!
المال يمنحك بيتًا أكبر، لكنه لا يمنحك حق ضرب من يقف على بابه، المال يمنحك سيارة أسرع، لكنه لا يمنحك سلطة على من ينظم المرور أمامك، والمال قد يرفع مستواك المعيشي، لكنه لا يرفعك فوق القانون!
الخطير في الواقعة ليس العنف الجسدي فقط، بل الفكرة التي تسبقه.. فكرة أن هناك طبقة "تأمر" وطبقة "تتحمّل" و"تطيع"، فكرة أن هناك من يُسمح له بالصراخ، ومن يُطلب منه الصمت!
هذه ليست مشكلة فرد أمن، بل تصوّر اجتماعي مريض عن القوة، دون أن يدرك أصحاب هذا التصور أن القوة الحقيقية ليست في اليد التي تضرب، بل في النفس التي تضبط غضبها.
القوة ليست أن تفرض نفسك على الأضعف، لكن أن تلتزم بالقانون حتى لو كنت الأقوى، والأهم من كل ذلك أن احترام الإنسان البسيط ليس مجاملة، بل معيار حضارة.
المجتمعات تُقاس بطريقة تعاملها مع من يملكون أقل قدر من السلطة، فإذا كنت تحترم مديرك لأن له نفوذًا، فهذا نفاق ووضاعة، لأن الاحترام الحقيقي يكون عندما تتعامل بكرامة مع من هم أقل منك مالًا أو مكانة!
القانون في واقعة اعتداء ساكن الكمبوند على فرد الأمن البسيط سيأخذ مجراه، لكن القانون وحده لا يكفي، لأن المسألة ليست واقعة اعتداء، بل اختبار أخلاقي سقط فيه شخص، ونجح فيه مجتمع حين رفض الصمت.
المشكلة ليست أن ثريًا ضرب فرد أمن، وإنما تكمن في أن هناك من يعتقد أن المال يمكن أن يشتري التفوق الإنساني..
في لحظة الصفعة، لم يكن المعتدي يضرب موظفًا بسيطًا، بل يضرب مبدأ المساواة، ويمس قيمة العمل، ويهز صورة المجتمع الذي نريد أن نكونه.
الدول لا تُبنى فقط بالقوانين فقط، بل بثقافة تحمي الأضعف قبل أن تحاسب الأقوى، وإذا كان بعض الناس يظنون أن الثراء يمنحهم امتيازًا إضافيًا، فالحقيقة أبسط من ذلك بكثير.
المال قد يرفعك درجات اجتماعية، لكن الاحترام لا يُمنح إلا لمن يستحقه. وفي المجتمعات السويّة، لا أحد فوق الكرامة… أو فوق القانون.
الأكثر قراءة
-
جريمة هزت المنيب.. فتى ينهي حياة طفلة بعد الاعتداء عليها في غياب والدتها
-
موعد صرف معاشات مارس 2026.. مفاجأة بشأن الزيادة المرتقبة
-
"جريمة الأخوة الأثرياء"، مقتل رجل أعمال على يد أشقائه بسبب تركة ضخمة
-
"بنموت بسببه ألف مرة".. اتهامات بالتحرش تلاحق مؤلف مسلسل ورد رسمي من صناع العمل (خاص)
-
رابط تسجيل العمالة غير المنتظمة 2026 وخطوات التقديم
-
"الداخلية" تكشف ملابسات القبض على المتهمين بواقعة باسوس
-
تغييرات جذرية في "تعليم بورسعيد".. أكبر حركة تنقلات للقيادات منذ سنوات
-
مجرد سؤال؟
مقالات ذات صلة
ما وراء زيارة الرئيس إلى أبوظبي
12 فبراير 2026 02:11 م
المستشار محمد نجيب يكتب: الغلاء الصامت.. والوجع المكتوم!
09 فبراير 2026 07:09 م
وثائق إبستين: حين صرخت الأوراق.. وخرس الإنسان!
03 فبراير 2026 03:45 م
إمام عاشور.. هذه بضاعتكم رُدّت إليكم!
30 يناير 2026 01:22 م
أكثر الكلمات انتشاراً